
إيهاب مقبل
في تاريخ السياسة السويدية الحديثة، احتلت قضيتا العراق وفلسطين مكانة خاصة في النقاش حول السياسة الخارجية، والقانون الدولي، ودور الأمم المتحدة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وعند العودة إلى المواقف التي اتخذتها الأحزاب السويدية إزاء حرب العراق واحتلاله عام 2003، ثم مقارنتها بمواقفها من القضية الفلسطينية، تبرز ثلاثة أحزاب بصورة خاصة: حزب اليسار السويدي (Vänsterpartiet)، وحزب البيئة (Miljöpartiet)، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (Socialdemokraterna).
انطلق موقف هذه الأحزاب الثلاثة أساسًا من الدفاع عن سيادة العراق، ورفض الغزو والاحتلال، والتمسك بالقانون الدولي ودور الأمم المتحدة، ورفض أن تفرض قوة عظمى مستقبل العراق بالقوة العسكرية.
وتكشف وثائق البرلمان السويدي أن الفارق بين الأحزاب كان يتركز على الموقف من شرعية الحرب ومن حق واشنطن وحلفائها في شنها من دون قرار جديد من مجلس الأمن. وفي هذا السياق، كانت مواقف حزب اليسار وحزب البيئة من أكثر المواقف السويدية وضوحًا في رفض الحرب، بينما اتخذ الاشتراكيون الديمقراطيون موقفًا رافضًا للهجوم العسكري من دون تفويض واضح من الأمم المتحدة، مع تركيزهم على الحلول الدبلوماسية ودور المنظمة الدولية.
حزب اليسار: موقف واضح ضد الغزو والاحتلال
كان حزب اليسار السويدي من أبرز الأصوات السياسية المعارضة للحرب على العراق عام 2003. ففي النقاش البرلماني الذي جرى في 20 مارس آذار 2003، بالتزامن مع بدء الهجوم العسكري، أكد ممثل الحزب أن الحرب لا تستند إلى حق مشروع في الدفاع عن النفس، ولا إلى تفويض من مجلس الأمن، وأنها تمثل انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وطالب الحزب بأن تستخدم السويد موقعها داخل الأمم المتحدة للدعوة إلى إدانة الهجوم، مؤكدًا أن تغيير الأوضاع السياسية في دولة ما لا يمكن أن يكون مبررًا كافيًا لاستخدام القوة العسكرية من جانب دول أخرى.
كما شدد حزب اليسار على أن رفض الحرب لا يعني تأييد أي نظام سياسي في العراق، بل يعني رفض مبدأ الحرب كوسيلة لفرض التغيير السياسي، والدفاع عن حق الشعب العراقي في تقرير مستقبل بلاده بعيدًا عن الاحتلال والتدخل العسكري الخارجي.
وبعد سقوط بغداد، استمر الحزب في انتقاد الاحتلال والسياسات التي اتبعتها أمريكا الشمالية وحلفاؤها في العراق، داعيًا إلى أن يكون للأمم المتحدة دور مركزي في إعادة الإعمار، وأن يتم احترام استقلال العراق وسيادته السياسية.
حزب البيئة: السلام والقانون الدولي في مواجهة الحرب
كان حزب البيئة السويدي من أكثر الأحزاب وضوحًا في رفض الحرب على العراق. ففي اليوم الذي بدأت فيه العمليات العسكرية، وصف ممثل الحزب الحرب بأنها حرب غير ضرورية، وحذر من آثارها الإنسانية ومن الخسائر التي سيتحملها المدنيون العراقيون.
وأكد الحزب أن استخدام القوة العسكرية من دون تفويض واضح من مجلس الأمن يتعارض مع النظام الدولي الذي يقوم على ميثاق الأمم المتحدة. ولذلك دعا إلى إعطاء الأولوية للتفتيش الدولي والحلول الدبلوماسية، وإلى أن يكون للأمم المتحدة الدور الأساسي في التعامل مع الأزمة العراقية وفي مرحلة إعادة إعمار البلاد.
كما شارك ناشطون وشخصيات من حزب البيئة في الاحتجاجات السويدية ضد الحرب، في إطار حركة أوسع رفضت التدخل العسكري وطالبت الحكومة السويدية بعدم تقديم أي دعم سياسي أو عسكري للحرب.
ومن منظور الحزب، لم تكن القضية مرتبطة فقط بالحرب نفسها، وإنما بمبدأ أوسع يتعلق بكيفية تعامل الدول الكبرى مع القانون الدولي، وبضرورة ألا تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة لتغيير حكومات الدول أو إعادة رسم مستقبلها السياسي.
الاشتراكيون الديمقراطيون: رفض الحرب والتمسك بدور الأمم المتحدة
اتخذ الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي كان يقود الحكومة السويدية آنذاك، موقفًا رافضًا للهجوم العسكري على العراق من دون غطاء واضح من مجلس الأمن.
وأكد رئيس الوزراء آنذاك، غوران بيرسون، في البرلمان السويدي في 20 مارس آذار 2003، أن الحكومة السويدية لا تستطيع اعتبار هجوم عسكري على العراق من دون دعم من مجلس الأمن متوافقًا مع القانون الدولي. كما شدد على ضرورة أن تضطلع الأمم المتحدة بالدور الرئيسي في المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار.
وكانت وزيرة الخارجية السويدية آنذاك، آنا ليند، من أبرز الأصوات السياسية التي عبّرت علنًا عن رفض الحرب على العراق، وشاركت في فعاليات مناهضة لها، مؤكدة ضرورة العمل من أجل السلام وتعزيز دور الأمم المتحدة واحترام القانون الدولي. وفي 11 سبتمبر أيلول 2003، بعد نحو خمسة أشهر من بدء الغزو والاحتلال، اغتيلت آنا ليند في ستوكهولم، في حادثة هزّت السويد وأثارت صدمة واسعة داخل البلاد وخارجها.
ومع ذلك، كان موقف الاشتراكيين الديمقراطيين أكثر حذرًا من موقفي حزب اليسار وحزب البيئة. فقد ركزت الحكومة على أن السويد سبق أن انتقدت الهجوم الأمريكي والبريطاني، لكنها لم تؤيد الدعوات البرلمانية التي طالبت باتخاذ خطوة إضافية داخل الأمم المتحدة لإدانة الحرب رسميًا. وكان هذا الاختلاف يعكس طبيعة السياسة الخارجية الحكومية، التي سعت إلى الحفاظ على موقف سويدي واضح ضد الحرب، مع تجنب خطوات دبلوماسية اعتبرتها الحكومة غير واقعية أو قليلة الجدوى.
ثلاث مقاربات مختلفة ولكنها تلتقي عند رفض الحرب
رغم الاختلافات بين الأحزاب الثلاثة، فإن مواقفها التقت في نقطة أساسية: رفض الحرب على العراق باعتبارها وسيلة مفروضة من الخارج لتغيير مستقبل دولة وشعب، والتشديد على ضرورة احترام القانون الدولي ودور الأمم المتحدة.
وكان حزب اليسار الأكثر حدة في الدعوة إلى إدانة الحرب، بينما اتخذ حزب البيئة موقفًا يرتكز بصورة قوية على السلام والقانون الدولي والعمل متعدد الأطراف. أما الاشتراكيون الديمقراطيون، فجمعوا بين رفض الهجوم العسكري من دون تفويض أممي وبين مقاربة حكومية أكثر حذرًا في التعامل مع واشنطن والأمم المتحدة.
ولهذا يمكن اعتبار هذه الأحزاب الثلاثة الأقرب إلى الموقف العراقي من زاوية رفض الغزو والاحتلال والدفاع عن سيادة العراق، وليس بمعنى دعم أي طرف سياسي عراقي بعينه.
من العراق إلى فلسطين: القانون الدولي وحق الشعوب
لا تقتصر نقاط التقاطع بين هذه الأحزاب على موقفها من حرب العراق، إذ تظهر أيضًا في مواقفها من القضية الفلسطينية، وإن بدرجات مختلفة.
فحزب اليسار السويدي يتبنى موقفًا واضحًا من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ويدعم قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما يطالب بوقف الاستيطان واحترام القانون الدولي وزيادة الدعم الإنساني للفلسطينيين.
أما حزب البيئة، فيركز على وقف الحرب وحماية المدنيين، ودعم المساعدات الإنسانية، وإنهاء الاحتلال والاستيطان، والوصول إلى حل سياسي يقوم على دولتين وحقوق متساوية للشعبين.
بينما يدعم الحزب الاشتراكي الديمقراطي حل الدولتين، ويؤكد ضرورة تعزيز الدعم السياسي والإنساني للفلسطينيين، مع الدعوة إلى احترام القانون الدولي واتخاذ إجراءات ضد الاستيطان، وإلى دور أوروبي أكثر فاعلية في الدفع نحو تسوية سياسية.
قاسم مشترك وفوارق في المواقف من العراق وفلسطين
إن وضع حزب اليسار وحزب البيئة والاشتراكيين الديمقراطيين في مقدمة الأحزاب السويدية الأكثر دعمًا للقضيتين العراقية والفلسطينية لا يعني تطابق مواقفها أو تبنيها جميع المطالب السياسية العراقية أو الفلسطينية. غير أن المقارنة بين مواقفها التاريخية تكشف عن قاسم مشترك واضح يتمثل في رفض الحروب التي لا تستند إلى شرعية دولية واضحة، والاعتراض على الاحتلال والتدخل العسكري الخارجي، والتأكيد على دور الأمم المتحدة، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وفي المقابل، اتخذت بقية الأحزاب السويدية مواقف أكثر تباينًا. ففي حرب العراق عام 2003، كانت مواقف المحافظين (Moderaterna)، والليبراليين (Folkpartiet)، الذي أصبح لاحقًا (Liberalerna)، والديمقراطيين المسيحيين (Kristdemokraterna) أكثر تفهمًا للموقف الأمريكي والبريطاني من الحرب. ولم تعتبر هذه الأحزاب أن العملية العسكرية يمكن وصفها بشكل قاطع بأنها مخالفة للقانون الدولي، رغم أنها رأت أن صدور قرار إضافي من مجلس الأمن كان سيمنح العملية شرعية أكبر. وقد استند موقفها إلى قراءة مختلفة لقرارات مجلس الأمن السابقة، ولا سيما القرار 1441، وإلى اعتبار أن استخدام القوة يمكن أن يرتبط بضرورة تنفيذ قرارات الأمم المتحدة.
أما حزب الوسط (Centerpartiet)، فقد اتخذ موقفًا أقرب إلى رفض الحرب. فقد دعا إلى أن تعمل الحكومة السويدية من أجل إدانة الهجوم العسكري على العراق إذا جرى من دون دعم واضح من مجلس الأمن، وكان أكثر تشددًا في التأكيد على ضرورة احترام القانون الدولي ودور الأمم المتحدة. وبذلك كان موقفه، في قضية العراق تحديدًا، أقرب إلى مواقف الأحزاب الثلاثة التي عارضت الحرب، وإن لم يكن متطابقًا معها في جميع التفاصيل.
وبعد الحرب، اختلفت مواقف الأحزاب أيضًا في تقييم نتائج التدخل العسكري. فقد ركز المحافظون والليبراليون والديمقراطيون المسيحيون بدرجات مختلفة على إسقاط النظام السابق وبناء عراق جديد، وعلى ضرورة مشاركة المجتمع الدولي في إعادة الإعمار. وكان حزب الشعب الليبرالي، خصوصًا، من الأحزاب التي رأت في إسقاط النظام خطوة إيجابية، وطالب بمشاركة سويدية ودولية فاعلة في إعادة إعمار العراق، مع منح الأمم المتحدة دورًا في هذه العملية.
وفي القضية الفلسطينية، تبدو الخريطة السياسية مختلفة ولكنها تكشف بدورها عن تباين واضح بين اليسار والبيئة والاشتراكيين الديمقراطيين من جهة، وبعض أحزاب اليمين واليمين الشعبوي من جهة أخرى. فالأحزاب الثلاثة الأولى تؤكد بدرجات مختلفة دعم حل الدولتين، وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وضرورة إنهاء الاحتلال والاستيطان واحترام القانون الدولي، مع اختلاف في مستوى النقد الموجه إلى ما يسمى “إسرائيل” وفي الأدوات السياسية التي تقترحها السويد والاتحاد الأوروبي.
أما ديمقراطيو السويد (Sverigedemokraterna)، فيتبنون موقفًا أكثر قربًا من تل آبيب. فالحزب يدين هجمات السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023، ويؤكد دعم الدولة اليهودية وحقها في الدفاع عن نفسها، كما يعارض الاعتراف السويدي بدولة فلسطين. وفي الوقت نفسه، يقول الحزب إنه يؤيد حل الدولتين إذا كان من شأنه أن يؤدي إلى سلام طويل الأمد. كما يطرح الحزب نقل السفارة السويدية في تل أبيب إلى القدس وتعزيز التعاون مع إسرائيل في مجالات عدة، ويعتبر أن السويد وإسرائيل في قارب واحد في مواجهة الثقافة العربية والإسلامية.
وتكشف هذه المواقف عن اختلاف جوهري في النظرة إلى قضيتي العراق وفلسطين. فالأحزاب الأكثر ارتباطًا بمواقف مناهضة الحرب والاحتلال تنطلق بصورة أكبر من مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، بينما ركزت أحزاب أخرى بصورة أكبر على قضايا الأمن، والثقافة، والعلاقات مع واشنطن وتل آبيب.
ويكشف تاريخ المواقف السويدية من العراق وفلسطين، في نهاية المطاف، عن انقسام أعمق داخل السياسة السويدية حول استخدام القوة العسكرية، وحدود التدخل الدولي، ودور الأمم المتحدة، ومكانة حقوق الإنسان في السياسة الخارجية، وما إذا كان من حق دولة أو مجموعة من الدول أن تفرض بالقوة مستقبل دولة أخرى.
ومن هذه الزاوية، ظل حزب اليسار وحزب البيئة والاشتراكيون الديمقراطيون من أبرز التيارات السويدية التي ربطت بين قضيتَي العراق وفلسطين من خلال مبادئ السيادة الوطنية، واحترام القانون الدولي، ورفض الاحتلال، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مستقبلها، وإن كانت مواقف كل حزب منها تختلف في التفاصيل وفي الأدوات السياسية التي يفضل استخدامها.
انتهى




