
الحاضنة الشعبية بين الحقيقة والوهم
أمة الملك قوارة
في ساحاتٍ عِدّة، كالفراشِ المبثوث، تعجُّ الأماكنُ وتمتلئُ الطرقات، وتبلغُ الهتافاتُ عنانَ السماء بكلمةٍ واحدة: اجتمعت أُمّة! لبّوا النداء وخرجوا من كل فجٍّ عميق، وبصدق الولاء والانتماء انتظمت صفوفُهم في مشهدٍ قلّ مثيلُه على مستوى العالم أجمع. فما الذي قدّمه المشهد؟ وما الذي أثبته الواقع؟ وهل تلك حاضنةٌ شعبيةٌ أم عداءٌ شعبي؟! ومن الذي امتلك القلوب والأفئدة، وبيده أصبحت وأمست بوصلةُ التوجيه؟ هنا أصبح الواقعُ يتكلم ولا مناصَ من الحقيقة إذ أشرقت شمسُها وانعكس ضوؤها على جدران العالمِ المُلَثَّم بالعناوين المستهلكة والمصطلحات المبتذلة، كـ “الشرعية” مثلاً!
ويُحكى أنه كانت في اليمن “شرعيةٌ” تقيم في دولةٍ مجاورة وتدّعي امتلاك زمام الأمور، وقيادةٌ أخرى تسكن في عمق اليمن، اتخذت من قلوب الناس مسكناً لها! قيل إن الأولى لديها حاضنةٌ شعبية تمتد من اليمن إلى أبواب فنادق الرياض، والثانيةُ قيل إن الشعب يعاديها.. وفي الوقت نفسه يحضنها ويلبي نداءها في كل موقف؛ يا لتضارب المفاهيم! والآن، أسطورة “قيل وقال” والحكايةُ بمجملها تبددت وتبعثرت، وكشف زيفَها الواقعُ مراراً وتكراراً، وحملت الأحداثُ في كل مرةٍ حججاً دامغةً أقوى من سابقاتها.
في واقعٍ يُعاش، تصبح الكلماتُ عاجزةً وهي تشرحه؛ إذ إن العين أبلغُ من المقال. والآن في اليمن، الواقعُ يقول: الشعبُ ملتحمٌ حباً وولاءً واتباعاً لقيادةٍ عاشت فيه ومعه وله، عانت معاناته وسَطّرت معه سطور الصبر والنهوض والمقاومة، ولم تنأَ بنفسها لتكون في فنادق فارهة، تُقادُ وتُستخدَم ثم تنتهي فترةُ
صلاحيتها فَتُرمى! بل آثرت البقاء بين شعبها وعاشت الصمود، فأصبحت جديرةً بأن تُتَّبَع وتُطاع. وحتى أولئك الذين يعيشون في المحافظات التي يدّعون أنها “محررة”، ينظرون بإعجاب إلى تلك القيادة وما تمتلكه من معايير ومميزات في إدارة المعركة، بينما هم مستاؤون من قياداتهم “الشرعية” التي مثلتهم فأسقطتهم في براثن
الذل والعوز والحاجة.. وهنا الواقعُ وحده هو من يفرض نفسه.
ما نراه ونشهده يحتم علينا أن نضع الأحداث والوقائع على كفتي الميزان، ومن ثَقُلَت كفّته برزت حُجّته. وهيهات بين حاضنةٍ تُشترى وأخرى تُهدى، وبين ولاءٍ موقّتٍ وآخر دائم؛ فرقٌ شاسع، فأحدهما يكبر حتى يضاهي ضوء الشمس، والآخر ينحسر حتى يصير كالظل المائل.. يضمحلّ ويختفي باختفاء صاحبه!
إن الحاضنة الشعبية ليست مجردَ شعارٍ يُرفع في المحافل، ولا بضاعةً تُباع وتُشترى في أسواق الساسة، بل هي غرسٌ يرتوي من العرق والدم، ونبضٌ حيٌّ ينبع من قلب الميدان. والرهانُ على الزيف خاسرٌ مهما طال أَمَدُه؛ فالفنادقُ لا تصنعُ أوطاناً ولا تبني ولاءً، والشرعيةُ الحقيقيةُ لا تُمنَح بقراراتٍ خارجية، بل تُنتَزع من وجدانِ الشعب، وتُصاغُ بدماءِ أبنائه، وتتجلّى في ثباتِه وصدقِ انتمائه ووهجِ مواقفه على أرضه.
#الحملة_الدولية_لفك_حصار _مطار _صنعاء
#اتحاد_كاتبات_اليمن
