سبتمبر 9, 2026
جمال-الناصري

الصراخ !
اقترن الصراخ مع العذاب و التعذيب ، فصار جزءا لايتجزأ منه ، اذ يصرخ الأنسان لشدة الألم ..
لن اجد في الحياة أكثر أيلاما من الصراخ و أثره النفسي على البشر..
ينتهي الصراخ ، حالما يسكت المرء ويتوقف عنه ، لكن أثره لن يزول ، بل يتقعر في العقل الباطن حتى الممات ..
مررت بمراحل عدة كان فيها الصراخ مدويا ، منذ الطفولة حتى الكبر ..
الصراخ انواع !!
اشد تلك الأنواع الذي يكون على هيئة أستغاثة او طلب الأنقاذ من الخطر !!
و عادة يكون منبعثا من الأعماق !!
يوم كنت طفلا ، سمعت صراخ جارتنا وهي في حالة وضع ، كانت المرأة تصرخ بجنون ، ومن حولها نساء الحي يهدهدن روعها، ويستحضرن كل الوسائل المتاحة لأزالة الألم والخروج بالمرأة الى الحياة ..
قولي ( يا علي ) !!
و المرأة تصيح ..يا علي !!
و لم ينته صراخها حتى يرتطم رأس الوليد على الأرض وهو يصرخ ايضا ..وسط اجواء من الفرح !!
منذ ذلك اليوم ، وانا اهرب من كل موقف يستوجب الصراخ ومن كل محضر ولادة !!
مواقف كثيرة مشحونة بالصراخ ، من تلك الموقف يوما ما كنت في دائرة التجنيد لأستحصال دفتر الخدمة العسكرية والى جانب الدائرة مركزا للشرطة ، احضرت أليه فتاة مع عدد من الرجال ، كان صراخها قد آلمني بشدة حيث انها تعرضت الى اغتصاب من احد المحارم ، لا اتذكر من كان بالضبط ، لكن اتذكر ان القصة حدثت في مناطق الأهوار ، و ارادوا قتل الفتاة البريئة المغتصبة تحت ذريعة غسل العار !!
قصص الصراخ كثيرة في العراق ، لايمكن سردها بمنشور واحد !!
وان فترة النظام المقبور كانت اشد فترة صرخ فيها العراقيون ، منها مثلا الصراخ الذي يهب بعد وصول الجثامين من المعركة الى اهلها ، فيفر الناس مرعوبين في غاية من الفزع يتلقون الخبر الصادم ، فيعلو الصراخ .
اما السجون فهي موطن الصراخ ، لايمر يوم او ليلة من دون تعذيب او تكسير للعظام ، فيعلو الصراخ من كل جانب ، والجلاد يتلذذ به ، وينتعش مزهوا عند سماعه !!
صراخ النساء و الأطفال في مديريات التعذيب كان يجري بلا انقطاع ، وقد عشنا عشر سنوات على وطأ صيحات الحرس الجلادين وصراخ المسجونين المعذبين !!
ينتهي الصراخ ، حالما يسكت الضحية ، لكن عذابه يستمر الى الموت الحتمي !
كان الصراخ اثره امضى من الرصاص ، حيث كان بلافائدة ترجى ، وهو مثل تعلق الغريق بحبال الهواء ، فاليأس هو النهاية !!
العراق على مر الأزمان ، بلد الصراخ والعويل و النحيب !!
نحن شعب يصرخ من الولادة إلى حد الممات!
جمال الناصري