سبتمبر 10, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

تناول الدكتور فاضل حسن شريف في دراساته القرآنية واللغوية دلالات التكرار في النص القرآني، وبخاصة تكرار كلمة “فريقاً” في الآية الكريمة: “فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ” (الأعراف 30) ويرتكز تحليله وتفسيره لهذا التكرار على عدة أبعاد بيانية وعقدية: المقابلة والمباينة التامة: تكرار كلمة “فريقاً” بدلاً من العطف المباشر (مثل: “هدى فريقاً وضلت طائفة”) يهدف إلى إبراز التقسيم الحاسم والفاصل بين طريقتين ومصيرين لا ثالث لهما في هذا السياق: طريق الهداية وطريق الضلالة. استقلال الحكم: يُفيد التكرار أن كل فريق مستقِلٌّ بفعله واستحقاقه للنتيجة، فالأول استجاب للهداية فاهتدى، والثاني اختار الغواية فحقّت عليه الضلالة بسببه. تأكيد العدل الإلهي: دلالة “فريقاً” الثانية التي ارتبطت بـ “حَقَّ عَلَيْهِمُ” (الأعراف 30) تعكس أن الضلالة لم تكن جُبَاراً ابتداءً، بل هي جزاء عادل ونتيجة حتمية لمن اتخذ الشياطين أولياء من دون الله. إثارة الانتباه والتأكيد البياني: التكرار في البلاغة القرآنية يُستخدم لتأكيد المعنى في ذهن السمع وإظهار أهمية التقسيم البشري القائم على الاختيار والعمل.

تعتمد تفاسير أهل البيت عليهم السلام ومفسري مذهب أهل البيت في تفسير الآية الكريمة: “فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ” (الأعراف 30) على مجموعة من المحاور العقدية والروائية المحددة: الاختيار والعدل الإلهي (نفْيُ الجَبْر): يؤكد مفسرو أهل البيت (كالشيخ الطبرسي في مجمع البيان والشيخ الطوسي في التبيان) أن الآية دليل صريح على اختيار الإنسان ومسؤوليته عن عمله. فالهداية الإلهية تُقدَّم للجميع، لكن “الفريق الأول” أخذ بأسبابها فاستحق الهداية، بينما “الفريق الثاني” سلك طريق الغواية فحقّت عليه الضلالة بسببه لا جبراً من الله. سبب الضلالة (التولي والولاء): توضح الروايات والتفاسير أن قوله تعالى “إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ” (الأعراف 30) يبين العلة الحقيقية لحقوق الضلالة، فالضلالة نتيجة لتسليم القياد للشياطين والاتّباع الأعمى للباطل، وهو ما يقطع العبد عن التوفيق والإعانة الإلهية (الخذلان). الجهل المركّب: يُشير أتباع أهل البيت عند تفسير “وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ” (الأعراف 30) إلى خطر الجهل المركّب، وهو أن يفعل الإنسان الباطل ويظن أنه على حق، ومردّ ذلك إلى غلبة الهوى وانغلاق بصيرة القلب بسباب الممارسة المستمرة للذنوب والتولي للشياطين. مفهوم الهداية والتوفيق في مدرسة أهل البيت: تُقسَّم الهداية هنا إلى: هداية عامة (إراءة الطريق): للجميع بالأنبياء والحجج. هداية خاصة (الإيصال إلى المطلوب/التوفيق): لمن آمن واتبع الحق. أما من اتخذ الشياطين أولياء فإنه يُحرم من هذا التوفيق لتتحقق عليه الضلالة.

الشيخ الطبرسي رحمه الله في تفسيره الشهير “مجمع البيان في تفسير القرآن” الآية الكريمة:”فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ” (الأعراف 30) من زوايا لغوية، وعقدية، وبيانية: 1. معاني المفردات ودلالتها العقدية “فَرِيقًا هَدَىٰ”: يبين الطبرسي أن المعنى يتسع لعدة وجوه بيانية متكاملة لا تتنافى مع العدل الإلهي: الحكم والإقرار: أي أن الله حَكَمَ لهم بالاهتداء لما علم من قبولهم للهدى وإرادتهم للحق.التوفيق واللّطف: أي ألطف بهم ووفقهم بزيادة الهداية والنور حين اهتدوا وطلبوا طريق الاستقامة. الهداية إلى الثواب: أي هداهم إلى طريق الجنة والجزاء الأوفى يوم القيامة بسبب أعمالهم. “وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ” (الأعراف 30): أما الفريق الآخر، فالمقصود بقوله “حَقَّ عَلَيْهِمُ” (الأعراف 30) أي وجبت وثبتت عليهم الضلالة وصاروا أهلًا لها، لأنهم عرضوا عن أسباب التوفيق واستحقوا الخذلان بسبب اختيارهم. 2. سبب استحقاق الضلالة (رد شبهة الجَبْر) يشدد الشيخ الطبرسي على المعنى العائدي للعلة في قوله تعالى: “إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ” (الأعراف 30)، موضّحًا أن الضلالة لم تكن فرضًا جَبْرِيًّا من الله عليهم، بل هي نتيجة اختيارية لأفعالهم، حيث: آثروا طاعة الشياطين واتباع أوامرهم على طاعة الله.تركوا الاستضاءة بنور العقل والوحي، فسلبهم الله التوفيق (الخذلان) كعقوبة وعاقبة منطقية لاتخاذهم الشياطين أولياء.3. الجهل المركّب وخطر الاعتقاد الفاسدفي قوله تعالى: “وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ” (الأعراف 30): يوضح الطبرسي أن الآية تبين حالة الجهل المركّب، حيث يتوهم هؤلاء أنهم على صواب وهدى رغم ضلالهم. يُستدل بهذه الجزئية على أن مجرد ظن الإنسان أو حسابه أنه على الحق لا ينفعه ما لم يبنِ عقيدته وسلوكه على دليل وبصيرة واتباع حقيقي، لأن الاسترسال مع الشياطين يزين الباطل في عين صاحبه. 4. الإعراب والنظم البياني يُعرب الشيخ الطبرسي “فَرِيقًا” الأولى بنصبها بفعل الهداية (أي: هدى فريقاً)، و”فَرِيقًا” الثانية منصوبة بفعل مقدّر يفسره ما بعده أو بتقدير (وأضلّ فريقاً) أو عطفاً على المنصوب الأول، لإظهار التقسيم والمقابلة الفاصلة بين حال أهل السعادة وأهل الشقاوة.

تناول الدكتور فاضل حسن شريف مفهوم التكرار في النص القرآني عبر سلسلة واسعة من المقالات والدراسات البيانية، مستنداً إلى منهج يعتمد على تحليل النص من خلال مقارنة المفردات والعبارات المتكررة في السور والآيات المختلفة لاستنباط المقاصد والأبعاد الدلالية والعقدية. ويرتكز مفهوم التكرار عنده على أصول وأبعاد محددة: التأكيد البياني وترسيخ المعنى: يرى أن التكرار في القرآن ليس مجرد “إعادة لفظية” أو ملء للفراغ البلاغي، بل هو وسيلة لتأكيد المفاهيم الجوهرية (مثل التوحيد، والعدل، والحساب، وأحوال الأمم السابقة) لترسيخها في ذهن القارئ والسامع. التعددية في الدلالة مع اتحاد اللفظ: يُشدد في مقالاته على أن الكلمة أو العبارة عندما تتكرر في سياقات مختلفة، فإنها تتكتسب في كل موضع أبعاداً دلالية جديدة فرضها Context (سياق) الآية. التكرار اللفظي لا يعني التكرار المعنوي المتماثل بالكامل. المقابلة والمباينة (التداعي التقابلي): يحلل التكرار الذي يأتي لغرض المقابلة الحسمية بين مفهومين متضادين (مثل: فريقاً وفريقاً، الذين آمنوا. والذين كفروا)، حيث يعمل التكرار هنا على إبراز الاستقلالية التامة لكل طرف في الحكم والمصير، كما في تحليله لآيات سورة الاعراف وغيرها. الربط بين السور والآيات (الوحدة الموضوعية): يعتمد التكرار كأداة لكشف الوحدة الموضوعية والنائية بين آيات السورة الواحدة، أو بين السور المختلفة، مما يبرز انسجام القوانين الإلهية والتناسق اللفظي والمعنوي للقرآن الكريم. الدلالة التربوية والنفسية: ينوه في مقالاته إلى أن التكرار يراعي الطبيعة البشرية التي تحتاج إلى التذكير المستمر والتربية التدريجية، حيث يعمل تكرار التوجيهات والأوامر والتحذيرات على تنبيه النفس البشرية وإيقاظ البصيرة.

يعتمد الدكتور فاضل حسن شريف في دراساته المقالية المتسلسلة (لا سيما سلسلته حول “التكرار في القرآن الكريم”) على استقراء المفردات القرأنية وتكرارها بين الآيات والسور لتبيان اللطائف البيانية والدلالات العقائدية. ومن أبرز الأمثلة التطبيقية التي استعرضها في مقالاته: 1. تكرار مفردة “الشفاعة” يتتبع شريف تكرار كلمة الشفاعة وما يتصل بها لبيان ضوابطها الشريعة: السياق: تتكرر المفردة بصيغ الإثبات والنفي (“ولا يقبل منها شفاعة”، “من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه”). الدلالة عند الكاتب: يُظهر التكرار أن الشفاعة المنسوبة للمخلوقين منفية تماماً إذا كانت مستقلة عن إرادة الله، ومثبتة ومخصصة فقط لمن أذن له الرحمن ورضي له قولاً (كالأنبياء والأولياء)، مما يرفع أي توهم للشرك ويؤكد التوحيد الفعلي. 2. تكرار لفظ “فريقاً” (المقابلة والتقسيم) كما في آية سورة الأعراف “فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ” (الأعراف 30) وغيرها من المواضع: الدلالة عند الكاتب: تكرار لفظ “فريقاً” بدلاً من إظهار الفعل فقط أو العطف البسيط يهدف إلى إبراز الاستقلالية والمباينة التامة بين المصيرين، فكل فريق سلك مساراً بملء إرادته واستحق النتيجة العادلة بناءً على كسبه واختياره.