
د. فاضل حسن شريف
تناول الدكتور فاضل حسن شريف الآية الكريمة: “أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (هود 13) ضمن كتاباته وتحليلاته للدلالات الرقمية والمعاني البلاغية في القرآن الكريم.تتلخص أبرز إشاراته ورؤيته حول هذه الآية وما تتضمنه من “تحدٍّ وتدرّج” في النقاط التالية: التدرّج في التحدي (التنازل العقلاني):يوضح الدكتور فاضل حسن شريف أن التحدي القرآني لم يأتِ دفعة واحدة، بل جاء على مراحل تُفحم الخصم وتراعي ظروف المواجهة العقلانية، حيث جرى التحدي أولاً بالإتيان بمثل القرآن كاملاً، ثم التنزل والتخفيف بالإتيان بـ عشر سور، ثم التنزل أكثر إلى سورة واحدة، وأخيراً بحديث مثله، مما يقطع أي حجة على العجز البشري. الدلالة الرقمية للعدد (عشرة):يُبرز الدكتور فاضل في دراساته حول الأرقام القرآنية أن الرقم (10) في النص القرآني غالباً ما يرتبط بالكمال أو التمام والكثرة المتوازنة. والتحدي بـ “عشر سور” يشير إلى إعطاء فرصة كافية للمكذبين لاختبار قدراتهم البلاغية واللغوية عبر نماذج متعددة ومتنوعة الأغراض والموضوعات، وليس مجرد نص واحد. تحدي الظروف والاستعانة بالغير:يشير إلى أن الآية لم تتحدَّ الفرد بمفرده، بل فتحت المجال كاملاً لتجاوز كل ظروف العجز البشري عبر قوله تعالى: “وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ” (هود 13)، أي باستدعاء جميع الطاقات والمساعدين والأعوان من الشعراء والبلغاء والإنس والجن، مما يعكس أعلى درجات الثقة في النص الإلهي. إسقاط شرط القيمة المعنوية (مفتريات):من اللطائف البلاغية التي يتطرق لها د. فاضل أن التحدي يتجاوز حتى الظروف المضمونية، حيث طالبهم القرآن صراحة بالإتيان بعشر سور “مُفْتَرَيَاتٍ” (هود 13) (أي حتى لو كانت من اختراعكم ومن غير حقيقة ولا هداية)، ليثبت أن العجز ليس في صدق المعاني فقط، بل في أصل البلاغة والنظم والتركيب اللغوي.
معظم التفاسير القرآنية التي يعتمد عليها الدكتور فاضل حسن شريف في مقالاته هي تفاسير الشيخ الطبرسي والطوسي والعلامة السيد الطباطبائي والشيخ محمد جواد مغنية والشيخ مكارم الشيرازي بالاضافة الى تفسير الميسر وتفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي والدكتور طنطاوي. تعتبر الآية 13 من سورة هود إحدى آيات التحدي القرآنية البارزة التي تحسُم قضية صدق النبوة ومصدر القرآن الكريم. نص الآية: “أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (هود 13) 1. الإعراب والتحليل اللغوي: “أَمْ”: حرف عطف بمعنى (بل) و(همزة الاستفهام)، وتسمى “أم المنقطعة”، وتفيد الإضراب والانتقال من كلام إلى آخر مع التوبيخ والإنكار عليهم. “يَقُولُونَ”: فعل مضارع مرفوع بپثبوت النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. “افْتَرَاهُ”: افتَرَى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به يرجع إلى القرآن. “قُلْ”: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره (أنت). “فَأْتُوا”: الفاء: رابطة لجواب شرط مقدر، ائْتُوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل. “بِعَشْرِ سُوَرٍ”: جار ومجرور، وسُوَرٍ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة. “مِّثْلِهِ”: نعت (صفة) لـ “سُوَرٍ” مجرور بالكسرة، والهاء مضاف إليه. “مُفْتَرَيَاتٍ”: نعت ثانٍ لـ “سُوَرٍ” مجرور بالكسرة الظاهرة (جمع مؤنث سالم). “وَادْعُوا”: الواو عاطفة، ادْعُوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل. “مَنِ”: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به. “اسْتَطَعْتُم”: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. “مِّن دُونِ اللَّهِ”: جار ومجرور متعلقان بحال محذوفة. “إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ”: إن: حرف شرط جازم، كُنتُمْ: فعل ماضٍ ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمه، صَادِقِينَ: خبر كان منصوب بالياء. وجواب الشرط محذوف يفسره ما قبله.
ويستطرد الدكتور فاضل حسن شريف قائلا: 2. المعنى التفسيري: الشبهة والرّد: اتهم المشركون النبي محمدًا ” بأنه اختلق القرآن من عنده (افتراه)، فجاء الأمر الإلهي للرد عليهم بمطالبتهم بالمعارضة والمماثلة. التحدي بالعدد (عشر سور): تنزل القرآن معهم في التحدي، فإن لم تستطيعوا الإتيان بمثل القرآن كاملاً، فهاتوا عشر سور فقط تجاريه في بلاغته وفصاحته ونظمه. معنى “مُفْتَرَيَاتٍ”: أي مختلقات ومختلَقَة من عندكم، والمقصود التعجيز، أي: حتى لو فرضتم أنكم لا تعلمون الغيب ولا الأخبار السابقة، ائتوا بسور من اختراعكم وتأليفكم بشرط أن تماثل هذا القرآن في فصاحته ونظمه. الاستعانة بالغير: لم يقتصر التحدي على البلغاء بمفردهم، بل أذن لهم بالاستعانة بكل من يقدرون عليه من الشعراء والأعوان والآلهة المزعومة. 3. البلاغة واللطائف البيانية: التدرّج في التحدي: تُعد هذه الآية مرحلة وسطى في التحدي القرآني، حيث تحدى القرآن العرب على أربع مراحل: القرآن كاملاً: “فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ” (الطور 34). عشر سور: “فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ” (هود 13). سورة واحدة: “فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ” (يونس 38)، و “فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ” (البقرة 23). التهكم والتسفيه: أسلوب أمره تعالى بإحضار “مُفْتَرَيَاتٍ” والاستعانة بـ “مَنِ اسْتَطَعْتُم” يحمل في طياته إظهار عجزهم المطلق وتفنيد ادعائهم بأن محمداً اخترعه، فلو كان اختراعاً بشرياً لسهُل على فصحاء العرب الإتيان بمثله.
مفهوم تحدي الظروف في القرآن الكريم يُشير إلى الإعجاز التأثيري والتنظيمي للقرآن، وكيف أثبت النص القرآني قدرته المطلقة على مواجهة ومجاراة أشدّ الظروف البشرية والبيئية معقّدةً وأقلها ملاءمة، متجاوزًا الحدود الزمانية والمكانية والاجتماعية التي يُقَيَّدُ بها أي نتاج بشري. تتجلى أبعاد هذا المفهوم في القرآن من خلال عدة محاور رئيسية: ظروف التنزيل والأمّية: نزل القرآن على رجل أُمّي (لا يقرأ ولا يكتب) في بيئة صحراوية معزولة عن الحضارات والكتابات المدوّنة، ودون سوابق علمية أو فلسفية. ورغم هذه الظروف المعيشية والثقافية المحدودة، جاء القرآن بتشريعات وثائقية، وعلوم، وتاريخ للأمم السابقة، ودقة لغوية عجز عنها أرباب الفصاحة والبلاغة. ظروف التقلب والنزول المنجم (المُفرّق): لم يُكتب القرآن في ظروف هادئة داخل مكتبة أو اعتزال يتوفر فيه التعديل والمراجعة، بل نزل مفرَّقًا على مدار 23 عامًا وسط أزمات متعاقبة (حروب، صراعات، هجرة، أحداث طارئة، وأسئلة مباغتة). ورغم تباين هذه الظروف الشديدة، خرج القرآن بوحدة موضوعية، وبناء نسقي متماسك، وبلاغة ثابتة لا تتأثر بظروف النزول: “وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (النساء 82). التدرّج وتحدي العجز البشري: واجه القرآن العناد والتشكيك بالتنزل والتدرج في التحدي لقطع الأعذار والظروف: التحدي بالقرآن كاملاً (سورة الطور). التحدي بعشر سور (سورة هود). التحدي بسورة واحدة (سورتَا يونس والبقرة). فتح باب الاستعانة بالجميع: “وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ” (يونس 38)، لإلغاء شماعة “قلة الناصر أو ضعف الإمكانيات”. تجاوز الظروف الزمانية والمكانية (الخلود): يخاطب القرآن الإنسان في كل عصر ومكان، فبينما ترتبط القوانين والنصوص البشرية بظروف زمانها وتصبح قاصرة أو متخلفة بعد عقود، يظل النص القرآني صلاحًا للفتوى والتطبيق، ومستوعبًا للحقائق العلمية والاجتماعية المتجددة دون أن يصطدم بظروف العصر. ترسيخ أدبيات الإصرار ومواجهة الصعاب: لا يقف مفهوم تحدي الظروف عند إعجاز النص فقط، بل يمتد إلى المنهج والرسالة التي يغرسها في المؤمنين، حيث يعرض قصص الأنبياء (كالمرور بظروف السجن ليوسف، والمرض لأيوب، والفقر والاضطهاد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم) ليرسخ قاعدة أن الظروف الصعبة ليست عذرًا للتراجع، وأن العسر مقترن باليسر: “إِنَّ مَعَ الْعُسرِ يُسْرًا” (الشرح 6).
