
إيهاب مقبل
تعيش الكلاب إلى جانب الإنسان منذ آلاف السنين، حتى أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في كثير من المجتمعات. ومع ذلك، فإن ما نعرفه عن عالمها الحسي والسلوكي لا يمثل سوى جزء صغير من قدراتها الحقيقية. فالكلب لا يرى العالم بالطريقة التي نراه بها؛ إذ يعتمد بصورة كبيرة على الروائح والأصوات وحركات الجسم، ويمكن لحواسه أن تكشف له تفاصيل تمر على الإنسان دون أن يلاحظها.
ومن المثير أن بعض هذه القدرات تبدأ منذ الأيام الأولى من حياة الجرو، عندما يكون عاجزًا تقريبًا عن الاعتماد على نفسه ويحتاج إلى أمه في كل شيء تقريبًا.
الجرو لا يبول ولا يتبرز وحده في أيامه الأولى
في الأسابيع الأولى من حياته، يكون الجرو شديد الاعتماد على أمه، فهو لا يستطيع التبول والتبرز بصورة مستقلة، ويحتاج إلى مساعدتها حتى يتمكن من التخلص من فضلاته. وتقوم الأم بتحفيز المنطقة التناسلية والشرج بلسانها، ما يساعد الجرو على بدء عملية التبول والتبرز. وتستمر هذه الرعاية خلال الفترة الأولى من حياته، إلى أن يصبح قادرًا على التخلص من فضلاته بمفرده، وهو ما يحدث عادةً عند بلوغه نحو ثلاثة أسابيع من العمر.
وتولد الجراء وأعينها مغلقة، ولا تبدأ في فتحها عادةً إلا بعد نحو 10 إلى 14 يومًا من الولادة، لتبدأ بعدها تدريجيًا في رؤية العالم واستكشاف البيئة المحيطة بها.
وهذه الرعاية ليست مجرد وسيلة للنظافة، بل جزء أساسي من رعاية الجرو حديث الولادة؛ فعدم حصوله على التحفيز اللازم قد يمنعه من التبول والتبرز بصورة طبيعية، وقد يؤدي إلى الإمساك أو مشكلات صحية خطيرة. ولهذا تقوم الأم بهذه المهمة بصورة غريزية ومتكررة، إلى جانب إطعام صغارها وتدفئتهم وتنظيفهم، إلى أن تنضج قدرتهم على التحكم في عملية الإخراج.
ولا تقتصر مهمة الأم على تحفيز الإخراج، فهي تنظف صغارها باستمرار، وقد تبتلع فضلاتهم خلال الأسابيع الأولى بعد الولادة. وهذا السلوك جزء طبيعي من رعاية الأم لصغارها، وقد يفسر أيضًا أحد أسباب تعامل بعض الكلاب مع الفضلات أو أكلها. ويُعرف أكل الفضلات علميًا باسم أكل البراز (Coprophagia)، وهو سلوك قد تكون له أسباب متعددة لدى الكلاب، من بينها الحفاظ على نظافة مكان الصغار والتخلص من فضلاتهم، وقد يُسهم ذلك في الحد من الروائح المرتبطة بالفضلات في محيطهم.
الجرو قد ينام معظم اليوم
إذا بدا الجرو وكأنه يقضي يومه بين النوم وفترات قصيرة من الاستيقاظ، فهذا ليس بالضرورة علامة على وجود مشكلة صحية. فالجراء تحتاج إلى قدر كبير من النوم خلال مراحل النمو الأولى، وقد ينام بعضها نحو 18 إلى 20 ساعة يوميًا، خاصة في الأشهر الأولى من العمر، إذ يساعد النوم على استعادة النشاط بعد فترات اللعب والاستكشاف.
ولا يقتصر الأمر على الجراء؛ فالكلاب عمومًا تقضي وقتًا طويلًا في النوم والراحة، وقد تقضي نحو نصف يومها نائمة، إضافة إلى وقت آخر تكون فيه مستيقظة لكنها في حالة من الراحة. وتختلف مدة النوم من كلب إلى آخر بحسب العمر والحالة الصحية والسلالة ومستوى النشاط؛ فالكلاب الأكبر سنًا، وبعض السلالات الكبيرة، قد تحتاج إلى ساعات أطول من النوم.
ويرتبط احتياج الكلاب إلى النوم أيضًا باختلاف نمط نومها عن الإنسان. فالكلاب قد تنام وتستيقظ على فترات متكررة خلال اليوم، كما تقضي جزءًا من نومها في مرحلة تُعرف باسم نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي مرحلة ينشط فيها الدماغ وتحدث خلالها الأحلام غالبًا. ويختلف مقدار الوقت الذي تقضيه الكلاب في هذه المرحلة عن الإنسان، وهو ما قد يسهم في حاجتها إلى فترات أطول من النوم والراحة.
الكلب يحلم أيضًا.. أحلام تشبه تفاصيل حياته اليومية
قد يلاحظ صاحب الكلب أن قوائمه تتحرك أثناء النوم، أو أن جسمه يرتجف قليلًا، أو أنه يصدر أصواتًا خافتة، مثل الأنين أو النباح الهادئ. وترتبط بعض هذه الحركات بمرحلة نوم حركة العين السريعة.
وخلال هذه المرحلة قد تظهر على الكلب حركات جسدية بسيطة أو تغيرات في التنفس وأصوات متقطعة، وهي أمور تُعد جزءًا طبيعيًا من النوم لدى كثير من الكلاب. وتشير الدراسات إلى أن الكلاب تمر بمراحل نوم مشابهة في بعض جوانبها لمراحل النوم لدى الإنسان، بما في ذلك مرحلة حركة العين السريعة.
لا يمكن معرفة محتوى أحلام الكلاب بصورة مؤكدة، إلا أن بعض الباحثين يرجحون أن أحلامها قد تكون مرتبطة بتجاربها اليومية وذكرياتها. فقد تعكس الأحلام بعض ما عاشه الكلب خلال يومه، مثل اللعب والجري أو التفاعل مع صاحبه والكلاب الأخرى، وربما الطعام أو مواقف مألوفة أخرى. لذلك، عندما يتحرك الكلب أثناء نومه وكأنه يجري أو يلعب، فقد تكون هذه الحركات مرتبطة بما يعيشه في حلمه، لكن هذا يظل تفسيرًا محتملًا وليس حقيقة يمكن إثباتها بصورة مباشرة.
وهكذا، فإن عالم الكلب أثناء النوم قد يكون أكثر نشاطًا مما يبدو لنا، حتى لو ظل محتوى أحلامه لغزًا لا يستطيع الإنسان الوصول إليه بصورة مباشرة.
بصمة أنف الكلب تشبه بصمة يد الإنسان
ربما تكون أعظم قدرات الكلب الحسية مخفية في أنفه. فالكلاب تمتلك جهازًا شميًا شديد الحساسية يسمح لها بتحليل الروائح الموجودة في البيئة بطريقة تفوق بكثير قدرة الإنسان.
ولهذا السبب يمكن تدريب الكلاب على البحث عن المفقودين، واكتشاف بعض المواد والروائح، وتتبع آثار الأشخاص، كما أصبحت قدرتها على تحليل الروائح موضع اهتمام متزايد في المجال الطبي والبحث العلمي. فالكلب لا يتعامل مع الرائحة باعتبارها مجرد «رائحة واحدة»، بل يستطيع تحليل خليط معقد من الجزيئات الكيميائية الموجودة في الهواء.
ولا تتوقف غرابة أنف الكلب عند قوة حاسة الشم؛ فسطح الأنف نفسه يحمل نمطًا مميزًا من الخطوط والتجاويف يُعرف باسم بصمة الأنف. ويختلف هذا النمط من كلب إلى آخر، ولذلك يمكن تشبيهه إلى حد كبير ببصمة اليد لدى الإنسان، التي تحمل نمطًا مميزًا يساعد على التمييز بين الأشخاص.
وبذلك يجمع أنف الكلب بين ميزتين لافتتين؛ فهو أداة شديدة الحساسية لاستكشاف العالم من حوله، ويحمل في الوقت نفسه نمطًا مميزًا يمكن أن يساعد في التعرف إلى هوية صاحبه.
أنوف الكلاب قد تكشف تغيرات صحية لدى صاحبها لا يراها
من أكثر المجالات إثارة للاهتمام قدرة الكلاب على التقاط روائح مرتبطة ببعض التغيرات الصحية في جسم الإنسان. فقد بحث العلماء إمكانية الاستعانة بالكلاب في اكتشاف مركبات كيميائية متطايرة ترتبط ببعض الأمراض والتغيرات الحيوية، من بينها بعض أنواع السرطان، إضافة إلى تغيرات أخرى قد تطرأ على الجسم.
وتقوم الفكرة على أن بعض الأمراض أو التغيرات في وظائف الجسم قد تؤدي إلى تغير في المركبات الكيميائية المتطايرة التي يطلقها الإنسان عبر التنفس أو الجلد أو سوائل الجسم. وقد تكون هذه التغيرات دقيقة للغاية بالنسبة إلى حاسة الشم البشرية، لكنها قد تكون قابلة للرصد بواسطة أنف الكلب شديد الحساسية.
ومن المثير للاهتمام أن بعض الكلاب المدربة أظهرت قدرة على التقاط تغيرات مرتبطة بانخفاض مستوى سكر الدم لدى الإنسان. وتشير الدراسات إلى أن انخفاض الغلوكوز قد يصاحبه تغير في بعض الإشارات الكيميائية التي يمكن للكلب اكتشافها، وقد دُرست كلاب مدربة على تنبيه أصحابها عند حدوث انخفاض في مستوى السكر، وفي بعض الحالات استطاعت إصدار التنبيه قبل أن يلاحظ الشخص التغير بنفسه.
كما بحث العلماء قدرة بعض الكلاب على الاستجابة لتغيرات قد تسبق بعض النوبات، ولا سيما نوبات الصرع. وقد أظهرت دراسات وحالات موثقة أن بعض الكلاب قد تستجيب لإشارات تسبق النوبة، إلا أن هذه القدرة تختلف من كلب إلى آخر، ولا تعني أن الكلاب تستطيع التنبؤ بالنوبات بصورة مؤكدة.
ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذه القدرات على أنها تشخيص طبي؛ فالكلب لا يستطيع تحديد المرض بمفرده، كما أن قدرته على التقاط هذه التغيرات تختلف بحسب التدريب والكلب وطبيعة الحالة والظروف المحيطة. لذلك لا يمكن اعتبار الكلاب بديلًا عن الفحوص الطبية أو أجهزة قياس الغلوكوز أو العلاج، وإنما تظل هذه القدرات مجالًا واعدًا للبحث العلمي والدراسة.
الكلب يستطيع التقاط رائحة التوتر
قد لا يحتاج الكلب إلى رؤية شخص خائف أو متوتر حتى يلتقط بعض الإشارات المرتبطة بحالته النفسية. فقد أظهرت دراسة علمية أن الكلاب تستطيع التمييز بين روائح مرتبطة بحالة التوتر وتلك الموجودة في الحالة الطبيعية.
ويُعتقد أن الاستجابة للتوتر تُحدث تغيرات فسيولوجية في الجسم، قد تنعكس على المركبات العضوية المتطايرة الموجودة في العرق والنَفَس، فتنتج عنها إشارات شمية يمكن للكلب التقاطها بحاسة الشم شديدة الحساسية.
وقد يساعد ذلك في تفسير سبب تغير سلوك بعض الكلاب عندما يكون الإنسان من حولها متوترًا أو خائفًا، حتى من دون تعبير واضح عن هذه المشاعر. ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الكلاب تستطيع تحديد الحالة النفسية للإنسان من الرائحة وحدها في جميع الظروف، إذ لا تزال الآليات الدقيقة لهذه القدرة قيد الدراسة.
الكلاب تقرأ جزءًا من مشاعر الإنسان
لا تعتمد الكلاب على حاسة الشم وحدها في فهم ما يحيط بها، فهي تراقب أيضًا تعبيرات الوجه وحركات الجسم ونبرة الصوت، ويمكنها الربط بين بعض هذه الإشارات والحالات العاطفية التي يظهرها الإنسان. وقد أظهرت دراسات أن الكلاب تستطيع التمييز بين بعض الإشارات المرتبطة بمشاعر مثل السعادة والغضب، والاستجابة لها بطرق مختلفة.
ولهذا قد يلاحظ صاحب الكلب تغيرًا في سلوكه عندما يكون الإنسان من حوله متوترًا أو حزينًا، مثل زيادة الاقتراب منه أو مراقبته بصورة أكبر، كما قد يصبح الكلب أكثر حذرًا عند ملاحظة إشارات مرتبطة بالغضب أو التوتر. وتشير هذه السلوكيات إلى أن الكلاب تستطيع التقاط بعض الإشارات المرتبطة بالحالة العاطفية للإنسان، سواء من تعبيرات الوجه أو نبرة الصوت أو لغة الجسد، لكن ذلك لا يعني أنها تفهم المشاعر الإنسانية بالدرجة نفسها من التعقيد والوعي التي يفهمها بها البشر.
هز الذيل لا يعني دائمًا أن الكلب سعيد
من أكثر الأخطاء شيوعًا تفسير هز الذيل باعتباره علامة مؤكدة على سعادة الكلب. فحركة الذيل جزء من لغة جسد أكثر تعقيدًا، وقد تختلف دلالتها بحسب سرعة الحركة واتجاهها ووضعية الذيل، إلى جانب السياق الذي يوجد فيه الكلب.
قد يهز الكلب ذيله عندما يكون سعيدًا أو متحمسًا لرؤية صاحبه، لكنه قد يحركه أيضًا عندما يكون متوترًا أو في حالة ترقب أو إثارة. لذلك لا يمكن الاعتماد على حركة الذيل وحدها لفهم حالته النفسية، بل ينبغي النظر إليها مع بقية إشارات جسده، مثل وضع الأذنين، وطريقة الوقوف، واتجاه الرأس، وحركة العينين والفم.
فالذيل لا يروي القصة كاملة؛ بل إن فهم مشاعر الكلب يتطلب قراءة مجموعة من الإشارات الجسدية مجتمعة، مع مراعاة الموقف الذي يمر به.
شمّ الكلاب بعضها وسيلة للتواصل الاجتماعي
عندما تلتقي الكلاب، لا يكون الشم مجرد تصرف عابر، بل يمثل وسيلة مهمة لجمع المعلومات عن الكلب الآخر. ولذلك نراها تشم بعضها، بما في ذلك منطقة الخلف، حيث توجد غدد تفرز مركبات كيميائية تحمل إشارات يمكن أن تسهم في التواصل بين الكلاب.
ومن خلال هذه الروائح يستطيع الكلب الحصول على معلومات عن الآخر، مثل هويته وبعض خصائصه، إلا أن العلماء ما زالوا يدرسون بدقة طبيعة المعلومات التي تستطيع الكلاب استخلاصها من هذه الروائح. وتشير المراجعات العلمية إلى أن التواصل الكيميائي والروائح الجسدية يشكلان جزءًا مهمًا من التواصل الاجتماعي لدى الكلاب.
ولهذا يمكن النظر إلى حاسة الشم لدى الكلب باعتبارها وسيلة أساسية للتواصل وجمع المعلومات، إلى جانب لغة الجسد والأصوات، وليس مجرد حاسة تستخدم لاكتشاف الروائح في البيئة.
رائحة صاحبها قد تكون أهم من صورته
تحتل رائحة الإنسان مكانة خاصة في عالم الكلب، إذ تعتمد الكلاب بدرجة كبيرة على حاسة الشم للتعرف إلى الأشخاص والبيئة المحيطة بها. وقد أظهرت أبحاث أن رائحة الشخص المألوف، وخاصة صاحب الكلب، يمكن أن تحفّز استجابات مميزة في دماغه، حتى عندما لا يكون الشخص موجودًا أمامه.
وتشير هذه النتائج إلى أن رائحة صاحب الكلب لا تعمل بالنسبة إليه كمجرد علامة للتعرّف، بل قد تكون مرتبطة أيضًا بذكريات وتجارب سابقة. ولهذا يستطيع الكلب تمييز رائحة صاحبه من بين روائح أخرى، وقد يستجيب لها أو يُظهر اهتمامًا واضحًا بها حتى في غياب صاحبها لفترة من الزمن.
وبعبارة أخرى، قد تكون الرائحة بالنسبة إلى الكلب وسيلة قوية لاستحضار صورة الشخص وذكرياته، حتى عندما لا يستطيع رؤيته.
الكلب يستطيع تعلم كلمات الإنسان
بعض الكلاب تمتلك قدرة لافتة على تعلم أسماء الأشياء والتمييز بين عدد من الكلمات. وقد أظهرت دراسات أن بعض الكلاب تستطيع ربط أصوات معينة بأشياء أو أوامر محددة، وإن كانت قدرات التعلم تختلف بدرجة كبيرة بين الكلاب.
ولا يعني ذلك أن الكلب يفهم اللغة البشرية بالطريقة التي يفهمها الإنسان، لكنه يستطيع تعلم روابط بين أصوات معينة وأشياء أو أفعال أو نتائج.
الكلب يسمع أشياء لا يسمعها الإنسان
لا يعتمد الكلب على أنفه فقط؛ فحاسة السمع لديه أكثر حساسية من سمع الإنسان في نطاقات معينة من الترددات. وتستطيع الكلاب سماع ترددات أعلى بكثير مما يستطيع الإنسان سماعه؛ إذ يمتد نطاق سمعها التقريبي إلى نحو 45 ألف هرتز، بينما يصل نطاق السمع البشري عادةً إلى نحو 20 ألف هرتز.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا قد يرفع الكلب رأسه فجأة أو يلتفت نحو اتجاه معين بينما لا يسمع صاحبه شيئًا. فقد يكون هناك صوت حقيقي في البيئة، لكنه يقع ضمن نطاق تردد تستطيع أذن الكلب التقاطه بينما لا يستطيع الإنسان سماعه.
وقد يلاحظ بعض أصحاب الكلاب أن حيواناتهم تنبح أو تعوي عند سماع أصوات معينة، ومنها الأذان. لكن لا توجد أدلة علمية كافية تثبت أن الكلب يستجيب للأذان تحديدًا بسبب قدرته على سماع ترددات لا يسمعها الإنسان؛ فقد يكون الصوت نفسه، وارتفاعه، وطريقة امتداده وتكراره، من العوامل التي تجذب انتباه الكلب وتدفعه إلى الاستجابة له.
الكلاب والزلازل.. سلوك غريب قبل الهزات
لطالما ارتبطت الكلاب بحكايات عن سلوك غير معتاد قبل وقوع الزلازل؛ إذ تحدث بعض أصحاب الحيوانات عن نباح مفاجئ، أو قلق وحركة زائدة، أو محاولة الاختباء قبل حدوث الهزات الأرضية. وقد اهتم العلماء بهذه الملاحظات، ووجدت بعض الدراسات حالات سُجل فيها تغير في سلوك الحيوانات قبل بعض الزلازل، لكن النتائج لم تثبت وجود نمط ثابت يمكن الاعتماد عليه.
وتشير التفسيرات العلمية إلى أن الحيوانات قد تشعر أحيانًا بالموجات الأولية للزلزال، المعروفة باسم الموجات P، قبل وصول الموجات الأقوى التي يشعر بها الإنسان بوضوح، ما قد يجعلها تستجيب قبل الإنسان بثوانٍ في بعض الحالات. لكن هذا يختلف تمامًا عن القدرة على التنبؤ بالزلزال قبل حدوثه بساعات أو أيام.
لذلك، ورغم أن سلوك الكلاب قبل بعض الزلازل يظل ظاهرة مثيرة للاهتمام وتستحق الدراسة، فلا توجد أدلة علمية كافية تجعل من سلوك الكلاب وسيلة موثوقة للتنبؤ بالزلازل أو نظامًا للإنذار المبكر.
الكلاب تحدق في الفراغ.. حواس تلتقط ما لا نراه
قد يجلس الكلب فجأة ويحدق في زاوية الغرفة أو ينبح باتجاه مكان لا يرى الإنسان فيه شيئًا، وهو سلوك قد يبدو غامضًا. لكن في كثير من الحالات قد يكون الكلب قد التقط صوتًا خافتًا، أو رائحة، أو حركة دقيقة لا يستطيع الإنسان إدراكها.
فالكلاب تختلف عن الإنسان في طريقة إدراكها للعالم؛ إذ تتمتع بقدرات سمعية وشمية أكثر حساسية في جوانب معينة، كما تستطيع رصد بعض المنبهات في البيئة التي قد لا ينتبه إليها الإنسان. لذلك، عندما يبدو للإنسان أن الكلب يحدق في «لا شيء»، فقد يكون في الواقع يستجيب لمنبه موجود في البيئة، لكنه يقع خارج نطاق حواس الإنسان أو انتباهه.
ومن المنظور الديني، ورد في السنة النبوية حديث عن نباح الكلاب ليلًا، فقد روى أبو داود عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله فإنهن يرين ما لا ترون»، أبو داود.
ومن المهم التفريق بين الأمرين، فالحديث يتناول جانبًا غيبيًا من المنظور الديني، بينما التفسير العلمي يتحدث عن اختلاف قدرات الحواس بين الكلاب والإنسان. لذلك لا يصح الجزم بأن كل مرة يحدق فيها الكلب في مكان غير واضح للإنسان تعني أنه يرى شيئًا غيبيًا؛ فقد يكون ببساطة يستجيب لصوت أو رائحة أو حركة دقيقة لا ندركها.
علامات استعداد الكلب للهجوم وكيفية التصرف
معرفة لغة جسد الكلب قد تساعد الإنسان على تجنب موقف خطير قبل أن يتطور. ومن العلامات التي تستحق الانتباه تصلب الجسم بصورة واضحة، والتحديق المباشر، وكشف الأسنان، والزمجرة، وانتصاب الشعر، أو اتخاذ وضعية دفاعية مع محاولة الحفاظ على مسافة. ولا تعني علامة واحدة بالضرورة أن الكلب سيهاجم، فالسياق مهم جدًا، لكن اجتماع عدة إشارات، خصوصًا مع اقتراب الكلب أو شعوره بأنه محاصر، يستدعي الابتعاد وعدم محاولة الاقتراب منه.
وفي حال شعر الشخص بأن الكلب قد يهاجم، فإن أهم قاعدة هي عدم الركض، لأن الجري قد يدفع الكلب إلى المطاردة. كما ينبغي تجنب الصراخ أو التلويح بالذراعين أو محاولة ضرب الكلب، لأن هذه التصرفات قد تزيد من شعوره بالتهديد. والأفضل الحفاظ على الهدوء، وتجنب التحديق المباشر في عيني الكلب، والوقوف بصورة جانبية، ثم التراجع ببطء عندما يكون ذلك ممكنًا. وإذا توفر جسم يمكن وضعه كحاجز، مثل حقيبة أو دراجة، فقد يساعد ذلك على إبقاء مسافة بين الشخص والكلب.
كما ينبغي عدم الاقتراب من كلب يأكل أو ينام أو يحرس جراءه، وعدم محاولة لمس كلب غريب أو محاصرته، خصوصًا إذا ظهرت عليه علامات الخوف أو التوتر. وإذا أسقط الكلب الشخص أرضًا، فمن الأفضل محاولة حماية الوجه والرقبة والتكور قدر الإمكان، بدلًا من الاستمرار في الصراخ أو محاولة ضرب الحيوان بعنف.
وبعد انتهاء الخطر، ينبغي طلب المساعدة، وفي حال حدوث عضة أو إصابة يجب تنظيف الجرح وطلب التقييم الطبي، خاصة إذا كانت الإصابة عميقة أو كان وضع تطعيم الكلب غير معروف.
وتبقى الوقاية هي الخيار الأفضل؛ فاحترام مساحة الكلب، وعدم استفزازه، والانتباه إلى إشارات جسده يمكن أن يقلل من احتمالات تحول الموقف إلى مواجهة.
عالم الكلاب أكثر تعقيدًا مما نراه
تكشف هذه الحقائق أن الكلب ليس مجرد حيوان أليف يعيش إلى جانب الإنسان، بل كائن يمتلك منظومة حسية وسلوكية شديدة التعقيد. فأنفه يستطيع التقاط روائح وإشارات كيميائية دقيقة، وأذناه قادرتان على رصد أصوات وترددات لا يدركها الإنسان، بينما تساعده عيناه ولغة جسده على التفاعل مع البيئة المحيطة والتعبير عن حالات مختلفة، مثل الخوف والتوتر والإثارة والاستعداد للدفاع.
ولهذا فإن فهم الكلاب لا يقتصر على معرفة سلوكياتها الغريبة والمثيرة للدهشة، بل يشمل أيضًا إدراك حدود حواسها وطريقة تواصلها والاستجابة الصحيحة لإشاراتها. وكلما امتلك الإنسان معرفة أفضل بسلوك الكلب ولغة جسده، أصبح أكثر قدرة على التعامل معه باحترام وأمان، وبناء علاقة أكثر انسجامًا معه، وتجنب المواقف التي قد تتحول إلى مصدر للخطر.
وللكلب أيضًا حضور لافت في القرآن الكريم، إذ ورد ذكره في قصة أصحاب الكهف، في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾، الكهف: 18. وقد ارتبط وجود الكلب في هذه القصة بملازمته لأصحاب الكهف وحراسته لمدخل الكهف، فأصبح حضوره جزءًا بارزًا من المشهد القرآني، ويمكن أن يُستأنس به في الحديث عن الوفاء والملازمة والحراسة.
وفي الفقه الإسلامي، توجد أحكام خاصة بالكلب ولعابه، وقد ذهب جمهور من الفقهاء إلى نجاسة الكلب، ولا سيما لعابه، واستندوا في ذلك إلى ما ورد في السنة النبوية من الأمر بتطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب. غير أن القول بنجاسة الكلب أو لعابه لا يعني إباحة إيذائه أو الإساءة إليه؛ فالرفق بالحيوان والإحسان إليه من المبادئ التي أكدها الإسلام، ويشير القرآن الكريم إلى أن الحيوانات أمم من خلق الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم)، الأنعام: 38.
ويؤكد ذلك ما ورد في السنة النبوية من الحث على الإحسان إلى الحيوان، ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها، ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خُفَّه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له». فقال الصحابة: «يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟» فقال صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة أجر»، رواه البخاري.
ويكشف هذا الحديث بوضوح أن وجود أحكام فقهية خاصة بالكلب لا يتعارض مع الرحمة به والإحسان إليه؛ فالنجاسة حكم فقهي يتعلق بأحكام الطهارة، بينما إيذاء الحيوان وتعذيبه أمر آخر، وقد جعل الإسلام الإحسان إلى الحيوان سببًا للأجر والمغفرة.
وهكذا يجتمع في صورة الكلب جانب علمي يكشف عن حواس وقدرات مدهشة، وجانب ديني وثقافي جعله حاضرًا في النصوص والتراث. وربما تكمن أكثر الحقائق إثارة في أن كثيرًا مما يبدو غامضًا في سلوك الكلاب قد يكون له تفسير يرتبط بقدراتها الحسية وطريقة إدراكها للعالم؛ فما لا نسمعه أو نشمه أو نلاحظه، قد يكون بالنسبة إلى الكلب جزءًا واضحًا من البيئة المحيطة به.
مرفق فيديو:
أم من كلاب الجولدن ريتريفر تعتني بجرائها حديثة الولادة وتنظفها بلسانها
المراجع
لماذا تأكل الكلاب الفضلات؟، نادي الكلاب الأمريكي، يوليو تموز 2026.
كيف تتأكد من حصول جروك على قسط كافٍ من النوم؟، نادي الكلاب الأمريكي، أغسطس آب 2026.
لماذا تنام الكلاب كثيرًا؟، نادي الكلاب الأمريكي، مايو أيار 2026.
الاختلافات في النشاط قبل النوم ومكان النوم ترتبط بالتباين في خصائص النوم الكهروفسيولوجية لدى الكلاب المنزلية خلال النهار والليل، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، مايو أيار 2018.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC5940857/
دراسة حول إمكانية استخدام نمط أنف الكلاب كعلامة حيوية فريدة للتعرّف إلى هويتها، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، نوفمبر تشرين الثاني 2021.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8697952/
حاسة الشم لدى الكلاب: علم وظائف الأعضاء والسلوك وإمكانات التطبيقات العملية، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، أغسطس آب 2021.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8388720/
حاسة الشم لدى الكلاب كوسيلة للكشف عن الأمراض: مراجعة منهجية، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، أكتوبر تشرين الأول 2021.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8499341/
تنبيه الكلاب إلى نوبات الصرع و/أو استجابتها لها: مراجعة استكشافية، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، ديسمبر كانون الأول 2018.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/30513112/
يمكن تدريب الكلاب بنجاح على التنبيه إلى عينات مرتبطة بانخفاض سكر الدم لدى مرضى السكري من النوع الأول، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، ديسمبر كانون الأول 2015.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/26440208/
تستطيع الكلاب التمييز بين روائح الإنسان في حالته الطبيعية وروائحه أثناء التعرض للضغط النفسي، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، سبتمبر أيلول 2022.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9518869/
الكلاب تتعرف على مشاعر الكلاب والبشر، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، يناير كانون الثاني 2015.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/26763220/
لماذا تهز الكلاب ذيولها؟، نادي الكلاب الأمريكي، مايو أيار 2026.
رؤية الكلاب لهزّ الذيل باتجاه اليمين أو اليسار بشكل غير متماثل تُحدث استجابات عاطفية مختلفة لديها، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، نوفمبر تشرين الثاني 2013.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/24184108/
لماذا تشمّ الكلاب بعضها من الخلف؟، نادي الكلاب الأمريكي، يوليو تموز 2025.
كيف تتواصل الكلاب فيما بينها؟، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، يوليو تموز 2018.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6116041/
فكّ شيفرة عقل الكلب، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، أبريل نيسان 2022.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7192336/
قدرة الكلاب على التعلّم السريع لأسماء الأشياء، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، يناير كانون الثاني 2021.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/33500506/
التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي يكشف مناطق في دماغ الكلب لاكتشاف الكلمات الجديدة، المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، أكتوبر تشرين الأول 2018.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6196269/
تركيب ووظيفة أذن الكلاب، الدليل البيطري لميرك، أبريل نيسان 2026.
https://www.merckvetmanual.com/dog-owners/ear-disorders-of-dogs/ear-structure-and-function-in-dogs?
الحيوانات والتنبؤ بالزلازل، هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، يوليو تموز 2019.
https://www.usgs.gov/programs/earthquake-hazards/animals-earthquake-prediction?
لماذا ينبح كلبي على ما يبدو أنه لا شيء؟، نادي الكلاب الأمريكي، أكتوبر تشرين الأول 2025.
كيفية التعامل بأمان مع كلب لا تعرفه، نادي الكلاب الأمريكي، سبتمبر أيلول 2026.
كيفية قراءة لغة جسد الكلاب، نادي الكلاب الأمريكي، أكتوبر تشرين الأول 2025.
انتهى

