
صباح البغدادي
تستند هذه الدراسة إلى فرضية مركّزة محورها الأساسي يكون في حال فقدان السجلات الرقمية للحضارة المعاصرة — سواءً بسبب كارثة عالمية أو بسبب التدهور الطبيعي لوسائط التخزين — سيصبح رفات الإنسان الحديث المصدر الأول والأكثر موثوقية لدراسة حضارتنا، تماماً كما شكّلت المومياوات المصرية المصدر الأهم لدراسة حضارة لم تُبقِ سوى نقوش حجرية قليلة. تُبيّن الدراسة أن المفارقة الجوهرية تكمن في أن الحضارة التي أنتجت أكبر حجم من البيانات في تاريخ البشرية هي الأكثر عرضة لفقدانها، بينما الجسد البشري — الذي لا يتطلب كهرباء ولا برمجيات — يبقى الأكثر دواماً.
ومن المرجح أن يحدث شيء مشابه — فكل حضارة درست ما قبلها: فتحنا نحن مقابر الفراعنة، وفتح الفراعنة قبور من سبقهم، وستفتح حضارات المستقبل قبورنا. هذا نمط متكرر في تاريخ البشرية وكل جيل يدرس أجداده الأبعد. ولكن قد يختلف السياق: المومياوات المصرية حفظت طبيعياً بسبب المناخ الجاف، مما جعلها مادة مثالية للدراسة. جثثنا الحديثة (مُحَنَّطة كيميائياً أو متحللة) قد لا تكون بنفس القيمة “الأثرية”، وقد تتغير أخلاقيات التعامل مع الموتى مستقبلاً — فبعض العلماء يطالبون بالفعل اليوم بمعايير أخلاقية أكثر صرامة لفتح القبور.ولكن الاحتمال الأكبر أن تتعامل حضارات المستقبل مع رفاتنا بدراسة علمية، لكن ليس بالضرورة بنفس الطريقة أو الدافع الذي درسنّا به المومياوات المصرية وهي كانت فعلاً “المصدر الأول” والمصادر المصرية القديمة على التعامل مع الجسد بعد الموت نادرة، بضع نقوش وصور جنائزية فقط. المصدر الأهم هو الأجساد نفسها.” والمومياوات تشينتشورو في صحراء أتاكاما أكثر وضوحاً: شعبهم لم يترك أي سجلات مكتوبة، فالمومياءات هي النافذة الوحيدة على ثقافتهم.
والفرق الحاسم الذي نريد من خلال مقال البحثي هذا باننا نحن نخزّن كل شيء رقمياً في الوقت الحالي ، وهذا أخطر ما في الأمر. المفارقة الموثقة:
- عمر وسائط التخزين الرقمية: أقراص مدمجة 5–59 سنة، شريط مغناطيسي 2–30 سنة، أقراص صلبة 5–10 سنة.
- عمر النصف للبيانات الرقمية حالياً ~5 سنوات (Long Now Foundation).
- المفارقة الأخطر: المعرفة الأكثر أهمية لإعادة بناء الحضارة (تقنيات المعادن، تصنيع المضادات الحيوية) هي الأقل نسخاً لأن جمهورها محدود، بينما المحتوى الترفيهي هو الأكثر نسخاً.
- فقط 10–15% من المواد الوثائقية العالمية مُرقمنة أصلاً.
ولكن هناك تفصيل مهم ؟ حتى بدون “كارثة عالمية”، نحن بالفعل في ما يُسمّى “العصر الرقمي المظلم” (Digital Dark Age) — مصطلح صاغه Terry Kuny عام 1997. Vint Cerf (مهندس الإنترنت) حذّر أن “قرناً كاملاً من المواد الرقمية قد يُفقد”. أشرطة ناسا من 1966 (أول صور قريبة للقمر) كادت تُفقد لأن أجهزة القراءة نادرة. ولذا فان الفرق بيننا وبين المصريين: هم على الأقل تركوا نقوشاً على الحجر والورق البردي — مواد تدوم آلاف السنين. نحن نخزّن على وسائط تحتاج كهرباء وأجهزة برمجية محددة. حضارة المستقبل لن تجد “نقوشاً حجرية” لنا، بل رقائق سيليكون بلا قارئ. وحتى محاولة الحل ل مشروع Memory of Mankind في النمسا — محفور ليزرياً على خزف داخل مناجم ملح، مصمم ليدوم ملايين السنين. لكنه لا يزال محاولة فردية لا تغطي حجم معرفتنا. ولذا نحن نركز اكثر على فرضية وقد تكون حتمية بالمستقبل , إذا حدثت كارثة، رفاتنا سيكون فعلاً “المصدر الأول” الوحيد المتبقي، تماماً كما كانت المومياوات. وربما يكون أسوأ، لأن جثثنا الحديثة (مُحَنَّطة كيميائياً، مدفونة في توابت معدنية، أو محترقة) قد لا تحفظ ما تحفظه المومياوات المصرية.
منذ أن فتح هيرودوت (5 ق.م) عيون العالم على ممارسات التحنيط المصرية، وحتى المسح الرقمي ثلاثي الأبعاد لمومياوات مختار في المتحف البريطاني، ظلّ الجسد المحنط هو النافذة المفتوحة على حضارة لم توثّق تقنياتها. تؤكد جامعة سيدني صراحةً: “المصادر المصرية القديمة على التعامل مع الجسد بعد الموت نادرة، بضع نقوش وصور جنائزية فقط. المصدر الأهم هو الأجساد نفسها.”هذا النمط — حيث تصبح الجثث أرشيفاً — ليس استثناءً مصرياً. شعب تشينشورو في صحراء أتاكاما لم يُبقِ أي سجلات مكتوبة، فالمومياوات هي النافذة الوحيدة على ثقافته. والمومياوات المدخّنة في جنوب شرق آسيا (12,000–4,000 سنة) التي اكتُشفت حديثاً في الصين كانت هي الدليل الوحيد على ممارسة التحنيط الأقدم في العالم إذا فقدت حضارتنا المعاصرة سجلاتها الرقمية — وهو احتمال لا يُستهان به — فإن رفاتنا سيكون فعلاً “المصدر الأول” الوحيد المتبقي. لكن السؤال الجوهري: هل جثثنا الحديثة قادرة على حفظ ما حفظته المومياوات المصرية؟ وكل حضارة تدرس أجدادها عبر ما تركوه من أجساد ومواد مادية، لا عبر ما كتبوه. والسبب أن المواد المادية (عظام، جلد، راتنجات) تدوم آلاف السنين، بينما السجلات المكتوبة تحتاج ظروفاً خاصة للبقاء صالحة إلى الاستخدام لأطول فترة ممكنة. والمعرفة الأكثر أهمية لإعادة بناء الحضارة (تقنيات المعادن، تصنيع المضادات الحيوية، هندسة النانوتكنولوجي) هي الأقل نسخاً لأن جمهورها محدود. بينما المحتوى الترفيهي هو الأكثر نسخاً وتكراراً.
وهنا تبدأ رحلة الاسئلة الأهم والأخطر ؟ ماذا سيجد “الأثريون المستقبليون”؟
إذا حلّت كارثة أو حتى تدهور تدريجي، سيواجه باحثو المستقبل المشهد التالي: ما سيجدونه:
- أنقاض مزارع خوادم (data centers) — لكن بلا كهرباء
- هواتف ذكية وألواح — لكن بلا شبكة
- رقائق سيليكون وأقراص صلبة — لكن بلا قارئ أو برمجيات
- أعمدة كهرباء، كوابل ألياف بصرية — لكن بلا مصدر طاقة
ما لن يجدوه:
- لا “نقوش حجرية” — لأننا لم نُنقش على حجر
- لا “بردية” — لأننا لم نكتب على ورق بكمية كافية
- لا “جلد” — لأننا لم نكتب على جلد حيوان
- لا “طين” — لأننا لم نستخدم ألواح طينية
والنتيجة المحتملة سيخلص باحثو المستقبل إلى أن حضارة القرن الحادي والعشرين كانت “تقنياً متقدمة لكن توثيقياً فقيرة” — حضارة بنت ذاكرتها على وسائط تتلاشى أسرع من أي وسيط في التاريخ. لان جثثنا الحديثة أقل قيمة “أثرية” من المومياوات المصرية. التحنيط الكيميائي (فورمالدهايد) يدمر الحمض النووي، والحرق يحذف كل شيء، والأسمنت والخرسانة يجعل الاستخراج أصعب. ولكن حتى في أسوأ السيناريوهات، العظام تتبقى. والعظام تحمل DNA (حتى لو تدهور)، وإشعاعيات (C-14)، وعلامات مرضية. هذا أقل مما نملك من المومياوات، لكنه ليس صفراً.
السيناريو الاخطر يتكون من خلال كارثة مفاجئة (حرب نووية، جائحة قاتلة، ذكاء اصطناعي خارج عن السيطرة)
- النتيجة: فقدان شبه كامل للسجلات الرقمية خلال أسابيع
- رفاتنا: سيكون المصدر الوحيد
- المشكلة: جثثنا أقل قيمة من المومياوات (حرق، تحنيط كيميائي، أسمنت)
- ما سيبقى: العظام، بعض الأجهزة الطبية، البنية التحتية
السيناريو ب: تدهور تدريجي (العصر الرقمي المظلم بدون كارثة)
- النتيجة: فقدان تدريجي للبيانات على مدى 50–200 سنة
- رفاتنا: لن يكون “المصدر الأول” لأن بعض السجلات ستبقى
- لكن: الفجوة المعرفية ستكون هائلة — مثل الفجوة بين العصور القديمة والعصور الوسطى
السيناريو ج: كارثة + بقاء جزئي
- النتيجة: بقاء 10–20% من السجلات (مشاريع مثل MOM، أرشيفات ورقية، نقوش)
- رفاتنا: سيكون مكملاً للسجلات الباقية، لا بديلاً عنها
- الأقرب للواقع: هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً
نحن نعيش في لحظة فريدة: أول حضارة في التاريخ تخزّن معظم معرفتها على وسائط تتلاشى أسرع من الجسد البشري. المصري القديم الذي نقش على حجر أو حنط جسد جاره كان — دون أن يدري — يحمي معرفته من النسيان. نحن نقف في الاتجاه المعاكس: نبني ذاكرتنا على رمل رقمي وإذا حدث ما نخشاه، فإن “هيرودوت” المستقبل لن يفتح مومياءنا ليقرأها — بل سيجد هيكلاً عظمياً في تابوت معدني متآكل، ولا سيجد حوله سوى شريحة سيليكون بلا قارئ. وربما سيعتبر حضارتنا “العصر المظلم الرقمي” — حضارة عرفت كل شيء، ثم نسيته والمومياوات المصرية أعطتنا صورة كاملة عن النظام الغذائي عبر آلاف السنين. رفاتنا سيعطي صورة محدودة — لأن العظام فقط تحمل النظائر، والفورمالدهايد لا يؤثر عليها، لكن الأنسجة الرخوة (التي تحمل معلومات أغنى) ستكون مدمرة. “المومياء المصرية هي أرشيف متعدد الطبقات: جلد، عظم، أنسجة رخوة، ميكروبيوم، مواد كيميائية، أقمشة، نقوش. كل طبقة تحكي قصة مختلفة. جثثنا الحديثة هي أرشيف أحادي الطبقة: عظم + معدن + بلاستيك. الطبقات الرخوة (التي تحكي أغنى القصص) دُمّرت كيميائياً قبل الدفن. والمصري القديم كان مؤرخاً غير واعٍ: كل قرار اتخذه (التجفيف، الراتنجات، الأقمشة، النقوش) كان يحمي طبقة إضافية من المعرفة. نحن مؤرخون عكسون: كل قرار اتخذه المندوب (الفورمالدهايد، التابوت المعدني، الخرسانة) يدمر طبقة إضافية. والنتيجة: ‘هيرودوت’ المستقبل سيجد هيكلاً عظمياً في تابوت فولاذي متآكل، داخل صندوق بلاستيك، مدفوناً تحت 2 متر خرسانة. ولن يجد حوله نقوشاً ولا راتنجات ولا أقمشة. فقط عظم — والعظم يُخبر عن العمر والجنس والأمراض العظمية والنظام الغذائي العام. وهذا كامل ما سيعرفه عنا.”
متحف مانشستر يزيل مومياء مصرية “احتراما لرغبتها”.. لماذا بعد 200 عام؟ | منوعات | الجزيرة نت
