سبتمبر 17, 2026
0-4

رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه والزعيم العراقي صدام حسين في بغداد عام 1980.

إيهاب مقبل

لم تنتهِ تداعيات الانتخابات البرلمانية السويدية عند نتائج صناديق الاقتراع، بل امتدت إلى سجال سياسي وإعلامي حول الهجرة والتغير الديموغرافي ودور الناخبين من أصول مهاجرة، وصولًا إلى استخدام اسم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في تعليق أثار ردودًا حادة.

وفي قلب هذا الجدل مقال نشره السياسي السويدي عن حزب المحافظين المعتدلين وعضو البرلمان فريدريك كاريهولم في مجلة ذا سبيكتاتور البريطانية في 15 سبتمبر أيلول 2026، بعنوان «هل حسمت الديموغرافيا الانتخابات السويدية؟». وجاء المقال بعد انتخابات متقاربة، كان فيها تقدم كتلة يسار الوسط محدودًا، بينما استمر فرز بعض الأصوات البريدية وأصوات السويديين المقيمين في الخارج.

الديموغرافيا تدخل على خط تفسير الانتخابات
يركز كاريهولم في مقاله على العلاقة بين التغير السكاني والهجرة والنتائج الانتخابية. ويشير إلى ارتفاع نسبة الناخبين المؤهلين للتصويت من المولودين خارج السويد مقارنة بانتخابات 2022، وإلى ارتفاع المشاركة في عدد من المناطق التي تضم أعدادًا كبيرة من المهاجرين.

ويستند الكاتب إلى استطلاع للناخبين بعد التصويت أجرته هيئة الإذاعة والتلفزيون السويدية، وقال إنه أظهر ميلًا واضحًا لدى الناخبين من أصول غير أوروبية إلى أحزاب المعارضة. كما أشار إلى استطلاع لمعهد «نوفوس» بشأن نوايا التصويت لدى الناخبين المسلمين.

ويربط كاريهولم هذه المعطيات بتحولات أوسع في السياسة السويدية، معتبرًا أن الهجرة لم تؤدِ فقط إلى دفع جزء من الناخبين نحو اليمين، وإنما أسهمت أيضًا في توسيع قاعدة الناخبين المؤيدين لأحزاب يسار الوسط.

روسينغورد تشعل السجال
من أبرز الأمثلة التي أوردها كاريهولم منطقة روزنغورد سنتروم في مدينة مالمو جنوب السويد، حيث حصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب اليسار، وفق النتائج الأولية التي استند إليها، على 95.2 في المئة من الأصوات مجتمعين.

وفي تعليقه على هذه النتيجة، كتب كاريهولم أن النسبة «ربما كانت ستجعل صدام حسين يشعر بالغيرة». وجاءت العبارة في سياق ساخر، في إشارة إلى النسبة الانتخابية المرتفعة جدًا ومقارنتها بالنسب العالية التي كانت تُعلن في الانتخابات التي أُجريت في عهد صدام حسين في العراق.

أثارت عبارة كاريهولم بشأن صدام حسين انتقادات حادة، خصوصًا في ظل وجود سكان من أصول عراقية وكردية في روزنغورد، بينهم من فرّوا من نظام صدام حسين وعاشوا تجربة الاعتقال أو الاختفاء أو الاضطهاد في العراق.

ذاكرة العراق في مواجهة العبارة الساخرة
في صحيفة داغنس إي تي سي، ردت الكاتبة سومر النهر على كاريهولم، مستندة إلى تجربة عائلتها التي فرت من العراق إلى السويد هربًا من نظام صدام حسين. وقالت إن إحدى قريباتها أُعدمت على يد النظام، بينما تعرض أفراد آخرون من العائلة للاعتقال والاختفاء.

وترى النهر أن استخدام اسم صدام حسين للسخرية من نتيجة انتخابية في روزنغورد يتجاهل تاريخ أشخاص فروا من نظامه واستقروا في السويد. ومن وجهة نظرها، كان سكان المنطقة يمارسون حقهم الديمقراطي من خلال التصويت، ولذلك فإن استدعاء تجربة الدكتاتورية في هذا السياق يمثل إساءة لمن عايشوا تلك التجربة، ووصل بها الأمر إلى وصف العبارة بأنها أشبه بـ«البصق في وجوههم».

كما انتقدت حديث كاريهولم عن منح الجنسية السويدية لنحو 200 ألف شخص خلال الفترة السابقة، وربطه بالتغيرات الديموغرافية والانتخابية، معتبرة أن هذا الطرح يثير نقاشًا حول الطريقة التي يُنظر بها إلى مشاركة المواطنين من أصول مهاجرة في الحياة السياسية.

كاريهولم.. سياسي وكتب عن الجريمة والسياسة الجنائية
كاريهولم، 41 عامًا، عضو في البرلمان السويدي عن حزب المحافظين المعتدلين، وله اهتمام خاص بملفات الجريمة والسياسة الجنائية.

وهو مؤلف كتاب «عنف العصابات»، الذي صدر عام 2020 وتناول تصاعد الجريمة العنيفة في السويد، وتبعه بمقال في صحيفة داغنس نيهيتر حول الحاجة إلى تشديد أحكام السجن.

وفي عام 2024، نشر كتاب «القانون والنظام»، الذي قدم فيه مقاربة شاملة للسياسة الجنائية، تناولت أسباب الجريمة والإجراءات المقترحة لمواجهتها والموازنة بين المصالح المختلفة، انطلاقًا من رؤية ليبرالية محافظة، إضافة إلى تصوره لتطور السياسة الجنائية على المدى الطويل.

ويأتي مقاله الأخير في مجلة «ذا سبيكتاتور» في سياق أوسع من اهتمامه بقضايا الهجرة والجريمة والسياسة السويدية، إذ انتقل فيه من التركيز على السياسة الجنائية إلى تحليل تأثير التغيرات الديموغرافية والهجرة على نتائج الانتخابات، وهو ما فتح سجالًا حول مضمون مقاله ولغته، ولا سيما تعليقه الذي استحضر فيه اسم صدام حسين.

خلاف يتجاوز «صدام حسين»
السجال بين كاريهولم والنهر يتجاوز العبارة المتعلقة بصدام حسين، ليصل إلى خلاف أوسع حول كيفية تفسير تأثير الهجرة والتغير الديموغرافي على السياسة السويدية.

كاريهولم يطرح التغيرات السكانية وأنماط التصويت في المناطق ذات الكثافة المهاجرة وسياسات الجنسية باعتبارها عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار عند تحليل النتائج الانتخابية، خصوصًا في انتخابات متقاربة.

وتأتي هذه النقاشات في مجتمع سويدي يضم أعدادًا كبيرة من السكان ذوي الأصول العراقية والسورية والفلسطينية. وبحسب بيانات هيئة الإحصاء السويدية، بلغ عدد الأشخاص من ذوي الأصول السورية، وفق الإحصاءات التي تشمل المولودين خارج السويد أو من لديهم والد واحد على الأقل مولود خارج السويد، نحو 240 ألف شخص في عام 2019، مقارنة بنحو 4 آلاف في عام 2010. كما بلغ عدد ذوي الأصول العراقية نحو 226 ألف شخص في عام 2019، مقارنة بنحو 122 ألفًا عام 2010. وتشير بيانات هيئة الإحصاء السويدية أيضًا إلى وجود عدة آلاف من ذوي الأصول الفلسطينية في السويد.

في المقابل، تركز النهر على أن المواطنين من أصول مهاجرة جزء من العملية الديمقراطية السويدية، وأن تحليل نتائجهم الانتخابية يجب ألا يتحول إلى التشكيك في شرعية مشاركتهم أو النظر إلى خلفياتهم باعتبارها عاملًا يطغى على مواطنتهم.

ويكشف هذا السجال عن نقاش أوسع داخل السويد حول الطريقة التي يمكن بها تناول قضايا الهجرة والديموغرافيا والانتخابات، وحول الحدود بين التحليل السياسي للبيانات وبين اللغة المستخدمة في توصيف مجتمعات أو مجموعات من الناخبين.

وفي هذا السياق، أصبحت نتيجة انتخابية مرتفعة في حي من أحياء مالمو نقطة انطلاق لنقاش أكبر حول الهجرة والجنسية والهوية السياسية وحدود الخطاب المستخدم في تفسير سلوك الناخبين في مجتمع سويدي يشهد تغيرات ديموغرافية وسياسية.

مقطع ساخر لعادل إمام عن الانتخابات ونتائجها

المراجع
سومر النهر: المحافظ يبصق في وجه ضحايا صدام حسين، داغنس إي تي سي، 16 سبتمبر أيلول 2026.
https://www.etc.se/ledare/moderaten-spottar-saddam-husseins-offer-rakt-i-ansiktet

هل حسمت الديموغرافيا الانتخابات السويدية؟، ذا سبيكتاتور، 15 سبتمبر أيلول 2026.
https://spectator.com/article/did-demographics-decide-the-swedish-election/

انتهى