
نظام مير محمدي*
أعاد تقرير منظمة العفو الدولية بتاریخ 16 سبتمبر/أيلول 2026 عن قمع انتفاضة 2022 فتح ملف المسؤولية الجنائية عن الانتهاكات المرتكبة في إيران. فالتقرير لا يكتفي بتوثيق مقتل 377 شخصاً، بينهم 56 طفلاً، بل يحلل المؤسسات والأوامر وسلاسل القيادة والتنسيق والتمويل التي رافقت القمع، ويدعو إلى التحقيق في الدور المحتمل لـ87 مسؤولاً.
وفي حين تؤكد منظمة العفو الدولية أنها تمكنت من توثيق مقتل 377 شخصاً، بينهم 56 طفلاً، خلال فترة الاحتجاجات، فإن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية قالت إن شبكتها ومصادرها داخل إيران أحصت ما لا يقل عن 750 قتيلاً جراء عمليات القمع التي رافقت الانتفاضة.
وقال السيد نظام میر محمدی المحامي وخبير في الشأن الإيراني: “إن القيمة الأساسية لهذا التقرير تكمن في أنه ينقل القضية من مستوى الحديث عن انتهاكات منفردة إلى مستوى البحث في سياسة حكومية وهجوم واسع ومنهجي على السكان المدنيين. وحين تتكرر أساليب إطلاق النار والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري في مناطق متعددة، ومن خلال مؤسسات مترابطة وسلاسل قيادة رسمية، لا يعود مقبولاً تفسير ما حدث بأنه تجاوزات فردية».
وأكد أن «توثيق مقتل 377 متظاهراً وماراً، ودراسة الأحداث في 26 محافظة، ووجود 56 طفلاً بين الضحايا المعروفين، يكشف حجم المأساة، لكنه لا يمثل بالضرورة العدد الكامل للضحايا. كما أن القمع الأشد الذي تعرضت له المجتمعات الكردية والبلوشية يضع مسألة التمييز القومي والأمني ضمن صميم ملف العدالة».
وأضاف: «إن تسمية 87 مسؤولاً يجب التحقيق في أدوارهم المحتملة لا تعني إصدار أحكام مسبقة ضدهم، وهذا ما أوضحته منظمة العفو الدولية نفسها. لكنها تعني أن الأدلة المتاحة بلغت مستوى يستدعي تحقيقات جنائية مستقلة، وأن الاكتفاء بالإدانات السياسية العامة لم يعد يتناسب مع خطورة الوقائع الموثقة».
وأشار إلى أن «الوثائق المتعلقة بالأوامر الأمنية، وانتقالها عبر سلاسل القيادة، وتخصيص تسعة تريليونات ريال لتغطية تكاليف استمرار العمليات الأمنية، تقدم مؤشرات مهمة على أن القمع احتاج إلى قرار وتنسيق وتمويل ودعم مؤسسي، ولم يكن مجرد رد فعل آني في الشوارع».
ولفت إلى أن «الضغط على عائلات القتلى، ومنع الوصول إلى المعلومات والأدلة، وتقييد مراسم التأبين، وفرض روايات رسمية عن أسباب الوفاة، ليست قضايا هامشية. إنها جزء من منظومة الإفلات من العقاب؛ لأن منع الوصول إلى الحقيقة يحرم الضحايا وعائلاتهم من العدالة ويتيح تكرار الانتهاكات».
وأوضح أن «الجزء المتعلق بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية يكشف أيضاً استخدام خطاب أمني يحمّل المعارضة مسؤولية قتل المتظاهرين من دون تحقيق مكتمل. وفي قضية مینو مجیدی، يبين التقرير أن نسبة قتلها إلى مجاهدي خلق جاءت في رواية مسؤول أمني قبل إنجاز التحقيق؛ ولذلك لم تعتمدها منظمة العفو الدولية كاستنتاج مستقل، بل درستها ضمن محاولات نفي مسؤولية الأجهزة الرسمية والضغط على العائلات».
وحذر نظام میر محمدی من أن «استمرار الإفلات من العقاب يحول الانتهاكات من حوادث ماضية إلى خطر قائم يمكن أن يتكرر. وعلى المجتمع الدولي أن يتعامل مع الملف باعتباره قضية عدالة جنائية، لا مجرد موضوع موسمي في البيانات الدبلوماسية».
وختم بالتأكيد: «إن دعوة منظمة العفو الدولية إلى إحالة وضع إيران إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية، وتفعيل الولاية القضائية العالمية في الدول المختلفة، تشكل خريطة عمل واضحة. المطلوب هو حماية الأدلة، ودعم العائلات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وفتح تحقيقات مستقلة، وضمان ألا يبقى أي مسؤول عن الجرائم الخطيرة خارج نطاق المساءلة .»
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني




