
مكة ليست ستارًا.. واليمن درع المقدسات
وفاء الكبسي
ما أتعسَ الشفقة حين تأتي متأخرة، وما أفضحها حين تُستدعى بعد فوات الموقف، لتؤدي دور الغيرة في مشهدٍ انكشفت فيه الأقنعة!
وفجأة…
«مكة في خطر!»
ما إن يصل الرد إلى مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالعدوان، حتى تُفتح خزائن الحُرُمات، وتُستدعى الدموع، وتعلو الأصوات باسم البيت الحرام، وكأن الغيرة على حرمة البيت لا تستيقظ إلا عندما يعود الرد إلى مصادر القصف.
أما حين تتجه الطائرات إلى اليمن، فتبدو الحرمات وكأنها دخلت في إجازةٍ إعلامية!
إنها الحيلة الأقدم في التضليل: حين تعجز الرواية عن الصمود أمام الحقيقة، يُستدعى المقدس ليمنحها ما عجزت عن منحه الوقائع.
ولهذا، فإن تكرار مزاعم استهداف مكة لا يجعلها حقيقة؛ فالحقائق لا تُبنى على الصياغات الدعائية، ولا تثبت بكثرة الترديد، ولا تحتاج إلى توظيف العاطفة الدينية لإسنادها.
فالبيت الحرام أكبر من أن يكون ورقةً في سوق السياسة، وحرمته أرفع من أن تتحول إلى ستارٍ لتغطية الإخفاقات أو صرف الأنظار عن وقائع الميدان.
وهذا الأسلوب ليس جديدًا في تاريخ التضليل؛ فقد وثّق القرآن نموذجًا مبكرًا لتوظيف الخوف على الدين ذريعةً لمواجهة الحق، حين قال فرعون عن موسى عليه السلام:
﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.
فحين يعجز التضليل عن تقديم الحجة، قد يرتدي ثوب الحرص على المقدسات، ويستثمر ما في قلوب الناس من غيرةٍ صادقة على دينهم، ليحوّل العاطفة النبيلة إلى أداةٍ تخدم روايةً سياسية.
لكن المقدسات لا تُحمى بالشعارات، وإنما بصيانة الحقيقة والحرمة معًا.
قال تعالى:
﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
فالتعظيم ليس شعارًا، والقداسة ليست مادةً للمزايدة، والتقوى لا تعمل بنظام التشغيل عند الحاجة!
ثم يأتي المعيار القرآني واضحًا:
﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
فالمقدسات لا تصبح محفوظةً بمجرد رفع اسمها في الخطاب، ولا تُصان بالادعاءات، وإنما يكون تعظيمها في صدق الموقف وثبات المسؤولية تجاه حرمتها.
ولهذا لا يحتاج اليمني إلى شهادة أحدٍ في محبته للبيت الحرام، ولا إلى درسٍ طارئ في حرمته كلما احتاج المشهد السياسي إلى روايةٍ جديدة.
فهذا شعبٌ يحمل للبيت معنىً يتجاوز الجغرافيا والخطاب السياسي؛ معنىً متصلًا بالإيمان والوجدان والتاريخ.
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
«الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية».
ومن هذا المعنى يمكن فهم موقف اليمنيين من قضايا الأمة؛ لا باعتباره عنوانًا موسميًا، وإنما باعتباره جزءًا من تصورٍ ديني وأخلاقي للمسؤولية.
فالمقدسات، في هذا الوعي، أمانة، وتعظيمها مسؤولية، والدفاع عن حرمتها موقف.
ولهذا لا تُختزل حماية المقدسات في البيانات، ولا في دموعٍ تظهر عندما يتغير اتجاه الحدث، وإنما في موقفٍ ثابت لا يتبدل بتبدل المصالح والروايات.
اليمن لا ينظر إلى مكة بوصفها جغرافيا بعيدة؛ فالقبلة واحدة، والحرمة واحدة، والوجدان الإسلامي لا تحده الحدود.
ومن هنا، فإن اختزال موقف اليمن في المسافة الجغرافية لا يفسر شيئًا، كما أن التشكيك في محبته للبيت الحرام لا يغيّر من حقيقة ارتباطه بالمقدسات وقضايا الأمة.
فليُترك للبيت جلاله، وللحقيقة مساحتها، وللحرمة مكانتها.
أما تحويل القداسة إلى ستارٍ في معركة الروايات، فلن يجعل الباطل حقيقة، مهما ارتفع صوت التضليل.
مكة ليست ستارًا.
وليست ورقةً سياسية.
وحرمتها أقدس من أن تكون أداةً في معركة الروايات.
مكة في القلب… واليمن درع المقدسات.
#الحملة_الدولية_لفك_حصار _مطار _صنعاء
#اتحاد_كاتبات_اليمن


