
د. فاضل حسن شريف
تُشكل مقالات وتدوينات سجاد تقي كاظم التي يتناول فيها المكون الشيعي (أتباع أهل البيت) في بغداد تحديداً ولاسيما في أحياء ومناطق مثل مدينة الصدر، والشعلة، والحرية، والكاظمية إحدى أكثر المساحات إثارة للجدل، ويُصنفها الكثيرون ضمن الخطاب الاستعلاء والمناطقية. أبرز أبعاد ودوافع نقد كتاباته الخاصة بـ “شيعة بغداد”: الوصم بالتغيير الديموغرافي والريفية: يركز الكاتب في طرحه على أن شيعة بغداد (خاصة المهاجرين من المحافظات الجنوبية في منتصف القرن الماضي) يمثلون طارئين على المدنية البغدادية، مُستخدماً مصطلحات تحقيرية تُحملهم مسؤولية “تريف العاصمة” وتراجع الرقي الثقافي والجمالي فيها. الربط الحصري بالسلاح والتبعية: يصف أبناء هذه المناطق في بغداد بـ “الخزان البشري الصافح” للميليشيات والفصائل المسلحة والأحزاب الإسلامية، مستخدماً تعميمات تلغي وجود النخب والمثقفين والمدنيين والمستقلين داخل هذه الأحياء الشعبية الكبيرة. الازدراء الطبقي والاجتماعي: يرى النقاد أن لغته لا تتوقف عند حدود التحليل السياسي للظاهرة الدينية أو المسلحة، بل تنزلق إلى السخرية من أوضاعهم المعيشية، ونمط حياتهم، وممارستهم للشعائر الحسينية، واصفاً إياها بأوصاف تقع صراحة في باب الإهانة والتحقير. ردود الأفعال والتقييم: تُقابل هذه الكتابات برفض شديد من الأوساط الثقافية والإعلامية العراقية، إذ يرى الغالبية أن استهداف فئة مجتمعية كاملة في العاصمة بناءً على انتماء مذهبي أو جغرافيا أصولهم العشائرية يُعد خطاب كراهية صريحاً وتنمراً طبقياً، يُغذي الأحقاد والشرخ الاجتماعي داخل بغداد بدلاً من تقديم نقد موضوعي لبنية الفساد والسلاح المنفلت.
تزخر السيرة النبوية بالأحاديث الشريفة التي تحث على التآلف والمودة، وتستأصل أسباب البغضاء والكراهية من النفوس: التحذير من البغضاء وقطع العلاقات: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ) نهي صريح عن المشاعر والأفعال التي تؤدي إلى الفرقة والتباغض. الكراهية وقطع الأرحام تمحق الدين: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، وَهِيَ الحَالِقَةُ، لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) وصف الكراهية بالداء الذي يهدم أصول الأخلاق والقيم الدينية. تأكيد الأخوة الإنسانية والإيمانية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ) يجعل الاحتقار والاستهانة بالآخرين شرا كافيا يقع فيه الإنسان. رفض العصبية والتفاضل بالنسَب أو العرق: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة حجة الوداع: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَسْوَدَ، أَلَا بِالتَّقْوَى) تأسيس لمبدأ المساواة الكاملة وإلغاء أسباب التمييز والخطاب الفئوي أو العنصري. إفشاء السلام كعلاج للبغضاء: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ) يربط اكتمال الإيمان بالمحبة، ويقدم حلولاً عملية لإشاعة السلم المجتمعي.
تُمثل الحسينيات، أئمة المساجد، الخطباء، والرواديد الزاوية الأكثر تعرضاً للهجوم والتسفيه في كتابات سجاد تقي كاظم، إذ يُفرد لها مساحات واسعة في منشوراته ومقالاته لنقد وتفكيك البنية الدينية والشعائرية الشيعية. أبرز صور الهجوم والازدراء في كتاباته لهذا الملف: وصف الحسينيات بالمراكز “التخديرية”: لا ينظر الكاتب إلى الحسينيات والمساجد كمؤسسات عبادية أو اجتماعية، بل يتعامل معها بوصفها “بؤراً لإنتاج التخلف” وتعميق الغيبوبة الفكرية، متهماً إياها بتضليل المجتمع العراقي وإشغاله بالماضي عن أزمات الحاضر. التهجم على الخطباء والرواديد: يوجه أشد العبارات قسوة واستخفافاً للخطباء والرواديد، واصفاً إياهم بـ “المتاجرين بالدموع” وأدوات في يد الأحزاب والسلطة الحاكمة للسيطرة على عواطف الجماهير ومداخيلها المالية، متهماً إياهم بتسطيح العقول وترويج الخرافة. السخرية من المنبر الحسيني: ينتقد المنبر التقليدي باعتباره عقبة أمام قيام دولة المدنية والمواطنة، ويستخدم ألفاظاً يراها القراء بذيئة ومستفزة في وصف الأساليب البلاغية والقصائد والرثاء الديني، معتبراً أن المنبر يُرسّخ ثقافة الخنوع وتبرير الفشل السياسي. تكييف وتأثير هذا الطرح في الشارع: تُواجه هذه المقالات برفض مجتمعي وديني عارم، حيث يُجمع المحللون وأغلب المتابعين على أن الكاتب يتجاوز حد “نقد ظاهرة ظاهرة الإتجار بالدين” ليصل إلى الطعن الصريح والاستهزاء بأركان العقيدة والمؤسسات الشعبية، وهو ما يُغذي مشاعر الشحن والاستفزاز، ويجعل كتاباته مصدر تصادم واحتقار لا منصة للحوار الفكري.
يزخر كتاب نهج البلاغة للحديث الشريف والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بكلمات ووسائل تأسس لثقافة السلم الأهلي وتنبذ العنف والتعصب والكراهية: النظر للإنسان كشريك في الإنسانية: (أَصْنَفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ) (من عهده لمالك الأشتر) قاعدة ذهبية تُرسخ قيمة الإنسان بغض النظر عن دينه أو عرقه، وتمنع ممارسة التمييز أو الكراهية ضد المخالفين. النهي عن السباب والشتائم حتى مع الخصوم: (إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ) يرفض الإمام علي انحطاط الخطاب إلى مستوى الشتم والسباب، ويدعو للالتزام بالموضوعية والمنطق في إدارة الخلاف. الحذر من نزغات الشياطين ونفخ التعصب: (فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ، إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ… عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ… فَاللَّهَ اللَّهَ فِي كِبْرِ الْحَمِيَّةِ، وَفَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) (الخطبة القاصعة) يحذر من التعصب العرقي والطبقي والتكبر، ويعتبرها من الأسباب الرئيسة لتغذية الأحشاء وإشعال الفتن. كظم الغيظ والرد بالإحسان: (احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ، وَعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ وَالتَّقَرُّبِ وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ) وصية متكاملة لرأب الصدع والمبادرة بالخلق الرفيع لإذابة الحقد والكراهية بين الأفراد. النهي عن التجسس وسوء الظن بالمجتمع: (لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مُحْتَمَلاً) توجيه لحسن الظن والابتعاد عن التفسيرات العدائية التي تتسبب في قطيعة النفوس وتأجيج البغضاء.
تتمحور السجالات الصحفية والفكرية بين الكاتب نعيم عاتي الخفاجي (الذي يكتب أيضاً باسم نعيم الهاشمي الخفاجي) والكاتب سجاد تقي كاظم حول قضايا الهوية الوطنية العراقية، النفوذ الإقليمي، والاتهامات المتبادلة بشأن خطاب الكراهية والنفاق السياسي.ترتكز المحاور الأساسية في ردود نعيم عاتي الخفاجي ومواجهته لخطاب ومقالات سجاد تقي كاظم على نقاط محددة: دحض الاتهامات بالولاء للخارج: يرد الخفاجي على المقالات التي ينشرها سجاد تقي كاظم والتي يتهمه فيها بـ “التبعيات الإقليمية” أو النفاق السياسي. ويرى الخفاجي أن دفاعه عن بعض التوجهات السياسية ينبع من واقع الدفاع عن المكون الاجتماعي والأمني في العراق ضد الإرهاب والديكتاتورية. تفنيد خطاب الإقصاء والكراهية: يركز الخفاجي في أطروحاته على تصنيف ما يكتبه خصومه الفكريون كشكل من أشكال الخطاب الطائفي والإقصائي الذي يسعى لتأجيج الشارع العراقي وإسقاط التجربة السياسية لصالح أجندات خارجية أو بعثية سابقة. مفهوم الوطنية والمظلومية التاريخية: يشدد نعيم الخفاجي على أن الموقف الوطني ينبغي أن يبنى على حماية الدستور والاستقرار السياسي ومواجهة التكفير والفساد، مؤكداً أن تحميل طرف واحد مسؤولية كافة أزمات البلد يمثل خطاماً غير موضوعي ينطوي على تشويه وتحريض.
تزخر المأثورات والروايات المروية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام بتوجيهات تربوية وأخلاقية شديدة الوضوح في نهيها عن الضغينة والتعصب، وتأسيسها لخطاب القرب والتعايش: الدعوة لكون الصيانة زينًا لا شينًا: (كُونُوا لَنَا زَيْنًا وَلاَ تَكُونُوا عَلَيْنَا شَيْنًا، قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَكُفُّوهَا عَنِ الْفُضُولِ وَقَبِيحِ الْقَوْلِ) توجيه مباشر للضبط الأخلاقي للسان، والابتعاد عن الخطاب المثير للفتن أو المسيء للآخرين. خطورة العصبية والانحياز المذموم: (مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَهُ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِيمَانِ مِنْ عُنُقِهِ) تحذير صريح من الانحياز الأعمى والقائم على الكراهية أو الانتماء الفئوي والطبقي الذي يُفقد الإنسان جوهر دينه. الحث على التواصل ومعاملة المخالفين بأخلاق سامية: (صِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَعُودُوا مَرْضَاكُمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ… وَلاَ تَكُونُوا سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ) حثّ عملي على الانفتاح الاجتماعي والمشاركة في المناسبات العامة لإذابة الحواجز النفسية والبغضاء بين مختلف أبناء المجتمع. الحقد والكراهية يُذهبان بالإيمان: (إِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ) تأكيد على أن المشاعر العدائية الداخلية تنعكس خطاباً وسلوكاً مدمراً للفرد والمجتمع. تأليف القلوب ودفع الفتن باللطف: (صَلَاحُ حَالِ الْمَعَايِشِ وَالتَّعَاشُرِ مِلْءُ كَيْلٍ: ثُلُثَاهُ فِطْنَةٌ، وَثُلُثُهُ تَغَافُلٌ) منهج في التسامح والتغاضي عن الهفوات الصغيرة لمنع نشوء الكراهية واستمرار المودة والتآلف بين الناس.

