
Screenshot
متلازمة الخشخاش الطويل السوري
و مِنْجَلُ الْفَشَلِ
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
حين يصبح التميّز تهمة… وتتحول الكفاءة إلى هدف
في بعض البيئات السورية، لا يُعاقَب الفشل دائماً ،وأحياناً قد يصبح النجاح مصدراً للمساءلة أو الاستهداف.
لا يحتاج صاحب الكفاءة بالضرورة إلى ارتكاب خطأ كي يصبح هدفاً ؛ فقد يكفي أن يعلو قليلاً فوق السائد، أو أن ينجح حيث تعثّر الآخرون، أو أن يمتلك شجاعة المبادرة في بيئة اعتادت طويلاً على التعايش مع العجز.
هنا تظهر «متلازمة الخشخاش الطويل السوري»؛ حين يصبح التميّز تهديداً ، والنجاح مناسبة للسؤال عن صاحبه بدل تقييم إنجازه.
في الحقول، تكون الزهرة الأطول أكثر عرضة للمنجل.
وفي المجتمعات، قد يصبح الإنسان الأكثر كفاءة أكثر عرضة للاستهداف، خصوصاً عندما تضعف معايير التقييم المؤسسي أو تتداخل الاعتبارات المهنية مع السياسية والشخصية.
وتكشف المؤشرات السورية خلال العقد الأخير حجم البيئة التي تُستنزف فيها الكفاءات. فقد اضطر ملايين السوريين إلى مغادرة البلاد منذ عام 2011، فيما تراجعت أعداد المعلمين والأطباء والباحثين والعاملين في قطاعات حيوية بسبب تداخل الهجرة والاعتقال والفصل وتقييد الحركة وتدهور شروط العمل.
ولا تعني هذه الأرقام أن كل من غادر كان ضحية استهداف مباشر، لكنها تكشف نتيجة أوسع: حين تعجز بيئة ما عن حماية أصحاب الخبرة أو الاحتفاظ بهم، فإنها تضعف قيمة الكفاءة، حتى لو لم تعلن ذلك صراحة.
وهذه المفارقة أكثر خطورة في بلد يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته واستعادة طاقاته البشرية؛ إذ لا يمكن لدولة تحتاج إلى كل عقل قادر على البناء أن تحول الكفاءة إلى عبء أو المبادرة إلى تهمة.
عندما يصبح النجاح سؤالاً عن صاحبه
في المؤسسة التي تعمل وفق معايير مهنية واضحة، يكون السؤال:
ماذا أنجزت؟
أما حين تعمل «متلازمة الخشخاش الطويل»، فقد يتغير السؤال:
من يدعمك؟
من أوصلك؟
لماذا أنت؟
من يقف خلفك؟
وهكذا ينتقل النقاش من الإنجاز إلى النوايا، ومن تقييم المشروع إلى تفتيش صاحبه.
وقد وثقت تقارير حقوقية سورية ودولية حالات لفصل موظفين أو إبعادهم من مواقعهم بسبب مواقف سياسية أو أمنية، لا بسبب تقييم مهني معلن. كما أشارت تقارير عن جامعات سورية إلى تدخلات في التعيين والترقية والقبول، وإلى أن الانتماء السياسي أو الحصول على «موافقة أمنية» قد يكونان، في بعض الحالات، أكثر تأثيراً من السجل الأكاديمي أو الخبرة المهنية.
لكن هذه الأنماط لا تنطبق بالدرجة نفسها على جميع المؤسسات أو المناطق والقطاعات. فقد ينجح شخص في إدارة مؤسسة متعثرة، فيُبحث عن سر نجاحه بدل دراسة تجربته، أو يقدم باحث فكرة جديدة، فيُناقش انتماؤه بدل مناقشة فكرته، أو يبادر شاب إلى مشروع، فيُسأل عن علاقاته قبل نتائجه.
هنا قد تتحول الكفاءة من قيمة وطنية إلى مصدر إزعاج نتيجة ممارسات تضعف التقييم المهني وتخلط بين الأداء والولاء.
المنجل لا يأتي دائماً بصورة قرار
أخطر أشكال الإقصاء ليست دائماً صريحة.
قد يأتي المنجل في صورة تأخير، أو ملف يعود، أو توقيع يتعطل، أو صلاحية تُسحب، أو إشاعة تنتشر، ثم تبدأ رحلة طويلة من استنزاف الوقت والطاقة.
وقد وثقت منظمات حقوقية حالات من الاعتقال التعسفي والفصل من العمل والمنع من السفر واستخدام قوانين فضفاضة لإسكات أصحاب الرأي والمبادرة. كما جعل الاعتماد الواسع على الموافقات الأمنية بعض المسارات المهنية أقل ارتباطاً بالكفاءة وحدها.
وعندما يصبح مستقبل الموظف معلقاً على رضا جهات غير مهنية أو على معايير غير معلنة، تصل الرسالة إلى العاملين: لا تكن لافتاً، ولا مستقلاً ولا مختلفاً أكثر مما ينبغي.
يصبح المتميز مضطراً إلى شرح نفسه بدل تطوير مشروعه، وإثبات نزاهته بدل إنتاج المزيد، والرد على الشائعات بدل بناء المؤسسات.
وهكذا لا يُهزم الكفء بالضرورة بإسقاطه؛ أحياناً يكفي إنهاكه ليبتعد ويتوقف عن التفكير والإنتاج
حين يصبح المتوسط معياراً للأمان
ليست المشكلة في تفاوت القدرات، بل في أن تصبح البيئة منحازة إلى المتوسط الآمن ضد التميز المزعج.
حين يصبح الصامت أكثر أماناً من صاحب الرأي، والمنفذ بلا نقاش أكثر قبولاً من صاحب المبادرة، وتُكافأ القدرة على البقاء داخل النظام أكثر من القدرة على تطويره، يتغير سلوك المجتمع تدريجياً .
يتردد الباحث.
يصمت الموظف.
يخفض الشاب سقف طموحه.
ويتعلم صاحب الموهبة أن إظهارها قد يكون مكلفاً.
وتظهر هذه الخسارة في التعليم والصحة والبحث العلمي؛ فقد أدى النزوح والهجرة والاعتقال والفصل وتدهور الأجور إلى فقدان أعداد كبيرة من المعلمين والكوادر الأكاديمية والعاملين الصحيين، مع تفاوت التأثير بين المناطق والمؤسسات.
وحين يغادر الأستاذ أو الطبيب أو الباحث، يغادر معه جزء من خبرته وشبكة علاقاته وقدرته على تدريب جيل جديد. وحين يبقى لكنه يتجنب المبادرة، تصبح الخسارة أقل ظهوراً وأكثر عمقاً.
وبمرور الوقت، قد لا يعود المجتمع بحاجة إلى منجل يقطع الخشخاش.
فالخشخاش نفسه قد يتعلم ألا يرتفع.
أخطر الهجرات لا تمر عبر المطارات
نتحدث كثيراً عن هجرة العقول، لكن هناك هجرة أكثر صمتاً:
هجرة الطموح.
لا تقيس أرقام اللاجئين والنازحين حجم الخسارة المهنية كاملة؛ فهي لا تخبرنا كم طبيباً ترك اختصاصه، أو كم أستاذاً توقف عن البحث، أو كم شاباً غيّر طموحه لأن فرص التقدم لم تعد مرتبطة بالجدارة وحدها.
كما يعمل كثير من أصحاب الشهادات السوريين في وظائف أدنى من مؤهلاتهم بسبب صعوبة الاعتراف بالشهادات واللغة والقيود القانونية. وهكذا لا تخسر سورية من يغادرها فقط، بل قد تخسر أيضاً القيمة الكاملة لكفاءته بعد مغادرته.
وقد يبقى الطبيب في وطنه لكنه يتوقف عن البحث، أو يبقى الباحث فيكتب ما لا يزعج أحداً، أو يبقى الإداري لكنه يقرر ألا يقترح.
وهكذا لا يغادر الإنسان الوطن بجسده فقط؛ قد يغادره بفكرته وحماسه وإيمانه بقدرته على التغيير.
فالدولة لا تخسر فقط من غادرها؛ قد تخسر أيضاً من بقي فيها ولم يعد يؤمن بأن بإمكانه أن يصنع فرقاً.
«قيامة الأقزام» ليست ضد الأشخاص
لا تعني العبارة السخرية من أصحاب القدرات المحدودة، بل تشير إلى لحظة يصبح فيها خفض القامة العالية أسهل من رفع مستوى الحقل كله.
فبدل أن نسأل: لماذا نجح هذا الشخص؟ ينبغي أن نسأل: كيف نجعل نجاحه قابلاً للتكرار؟
وإذا ظهر خبير متميز، فلماذا لا نصنع عشرة مثله؟ وإذا نجح إداري في إصلاح مؤسسة، فلماذا لا تصبح تجربته نموذجاً؟
الدولة الحديثة لا تخاف من القامات العالية.
الدولة الحديثة تصنعها القامات العالية.
الكفاءة ليست فوق القانون
حماية الكفاءة لا تعني منحها حصانة. فالتميز لا يعني العصمة، والكفاءة لا تمنح أحداً حق تجاوز القانون.
المعادلة الصحية واضحة:
إنجاز يُقاس.
وقانون يُطبَّق.
ومساءلة عادلة.
وفرص متكافئة.
أما تحويل المنافسة المهنية إلى تصفية حسابات، والنقد إلى تشويه، والمساءلة إلى انتقام، والاختلاف إلى تهمة، فذلك ليس بناءً للمؤسسات، بل استنزاف لرأس المال البشري.
وينبغي التمييز بين النقد المهني المشروع والاستهداف السياسي أو الشخصي؛ فليس كل خلاف إداري دليلاً على «متلازمة الخشخاش الطويل»، كما أن الحالات الفردية لا تكفي لإثبات نمط مؤسسي عام. لكن تكرار الممارسات، وغياب المعايير المعلنة، وعدم استقلال لجان التقييم، وربط المسار المهني بالولاء أو العلاقات والمعرفة المسبقة بصاحبها كلها مؤشرات تجعل الحديث عن استهداف الكفاءات أكثر من مجرد استعارة أدبية.
السؤال السوري الأكثر قسوة
السؤال ليس فقط:
لماذا تهاجر الكفاءات السورية؟
بل: لماذا قد يشعر بعض أصحاب الكفاءة أن نجاحهم داخل وطنهم أكثر كلفة من فشلهم؟
تتداخل في ذلك عوامل عدة: ضعف استقلال المؤسسات، وتدني الأجور، وتراجع الخدمات، والقيود الأمنية، والفساد الإداري، وغياب الشفافية في التعيين والترقية. وقد تدفع هذه الظروف أصحاب الخبرة إلى البحث عن بيئة أكثر قابلية للتنبؤ.
لكنها لا تفسر كل قرارات الهجرة أو الانسحاب المهني؛ فبعض الكفاءات غادرت بسبب الحرب وانعدام الأمان، وبعضها بسبب الظروف الاقتصادية أو بحثاً عن فرص علمية ومهنية أفضل، فيما تعرض آخرون لضغوط مباشرة أو غير مباشرة.
إذا لم نطرح هذا السؤال بجرأة ودقة، فسوف نستمر في بناء الحجر بينما نخسر الإنسان، ونرمم المؤسسات ثم نكتشف أن بعض أفضل من يستطيع تشغيلها غادر.
ارفعوا الحقل بدل قطع الزهرة
لا يمكن لسورية أن تدخل المستقبل بعقلية تخاف من القامة العالية.
فالبلدان لا تنهض لأن الجميع متشابهون، بل لأن المختلف والمبدع والخبير والباحث وصاحب المبادرة يجدون مساحة للعمل والمنافسة والاختلاف.
المشكلة ليست أن هناك خشخاشاً طويلاً.
المشكلة أن المنجل يصبح أحياناً أسرع من الاعتراف بالإنجاز.
والحل ليس قطع الزهرة.
الحل أن يصبح الحقل كله قادراً على النمو.
وهذا يتطلب إجراءات واضحة: إعلان معايير التعيين والترقية، فصل التقييم المهني عن الولاء السياسي، حماية الموظفين والباحثين من الانتقام، استقلال الجامعات والنقابات، وتوفير آليات تظلم فعالة.
فلا دولة حديثة تُبنى بعقول تخاف من الظهور، ولا اقتصاد جديد بأيدٍ تخشى المبادرة، ولا مستقبل بأجيال تعلمت أن أفضل وسيلة لحماية نفسها هي ألا ترتفع كثيراً.
إن أردنا وطناً يصعد، فعلينا أن نميز بين النقد المشروع والاستهداف، وبين الخطأ الفردي والنمط المؤسسي، وأن نهيئ للكفاءة شروطاً عادلة للعمل والمساءلة.
فالمعركة ليست بين طويل الخشخاش وقصيره.
إنها معركة بين ثقافة تقطع القامة العالية، وثقافة ترفع الحقل كله.
وسورية، في لحظة إعادة بناء تاريخية، لا تحتاج إلى منجل جديد.
تحتاج إلى أن تترك كفاءاتها تنمو، وأن تهيئ شروطاً عادلة لاختبارها ومساءلتها والاستفادة منها.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن ليس أن يخسر بعض كفاءاته.
بل أن يتعلم أبناؤه الأكفاء أن أفضل طريقة للنجاة هي ألا يظهروا كفاءتهم أصلاً يكتفون بالصمت فقط والمراقبة عن كثب






