
د. فاضل حسن شريف
تتجلى مفاهيم القوة في القرآن الكريم عبر منظومة تجمع بين القوة المادية الصلبة، القوة الاستراتيجية والعسكرية، والغايات الإيمانية الأخلاقية التي تُوجَّه إليها هذه القوة. وتُعد مادتَا (الحديد) و(الخيل) من أبرز النماذج القرآنية الدالة على مقومات العزة والإعداد. أولاً: الحديد (قوة التصنيع والبأس الشديد) ورد ذكر الحديد في القرآن الكريم ليعبر عن الأساس المادي للصناعات الثقيلة والتسلح والتمكين الدفاعي والأمني. الإنزال والتسلح (سورة الحديد): يقول تعالى: “وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ” (الحديد 25). البأس الشديد: إشارة إلى القوة العسكرية، والردع، والتصنيع الحربي كالدروع والأسلحة وأدوات الحماية. المنافع: الاستخدامات المدنية في العمران والبناء والصناعة التي تقوم عليها حضارات الأمم. التكامل الحضاري: جاء ذكر إنزال الحديد بعد ذكر الكتاب والميزان: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ”، مما يوضح أن القسط والعدل (الكتاب والميزان) يحتاجان إلى قوة تحميهما وترد العدوان (الحديد). التشكيل الهندسي والتصنيع الحربي (داوود عليه السلام): يقول تعالى: “وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ” (سبأ 10-11). تسهيل تشكيل الحديد لداوود عليه السلام كان لصناعة “الدروع السابغات” لحماية المقاتلين. وقوله “وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ” توجيه لإتقان الصنعة والهندسة الدقيقة في إحكام حلقات الدروع، مما يربط الإتقان التقني بالتسلح الدفاعي. الهندسة الإنقاذية والسدود (ذو القرنين): يقول تعالى: “آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا” (الكهف 96). استخدام كتل الحديد (الزُّبَر) مع صهر النحاس (القطر) لإنشاء حاجز هندسي صلب يمثل ذروة استخدام التكنولوجيا المعدنية لحماية الشعوب المستضعفة وبناء البنية التحتية الدفاعية. ثانياً: الخيل (قوة الإعداد والردع التكتيكي) تمثل الخيل في النظرة القرآنية رمزاً للجاهزية العسكرية، والسرعة، والردع النفسي للأعداء. مبدأ الإعداد الاستراتيجي والردع (سورة الأنفال): يقول تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ” (الأنفال 60). رباط الخيل هو حبس الخيل وتربيتها وتدريبها للجهاد، وهي رمز لوسائل الحركة السريعة والمناورة. والغاية منها هي الردع النفسي (“تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ”)، حيث إن امتلاك القوة الجاهزة والمعدّة بمهارة يمنع وقوع الحرب ابتداءً عبر ردع المعتدين. الإغارة والتكتيك الميداني (سورة العاديات): يقول تعالى: “وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا” (العاديات 1-5). أقسم الله تعالى بفرسان الخيل في حالة الهجوم الميداني: العاديات ضبحاً: الجري السريع المنظم مع صوت أنفاس الخيل. الموريات قدحاً: تطاير الشرار من احتكاك حوافرها بالحجارة لصلابتها وسرعتها. المغيرات صبحاً: المباغتة والتكتيك في أوقات غير متوقعة. فأثرن به نقعاً: إثارة الغبار دليل على الكثافة والحركة السريعة التي تربك صفوف الخصم. العناية بأدوات القوة (سليمان عليه السلام): يقول تعالى: “إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ” (ص 31). إظهار الاهتمام باستعراض الخيل الأصيلة والمعدّة للمهام الكبرى، باعتبارها جزءاً من أسباب التمكين والحفاظ على أمن الدولة. خلاصة المنظومة القرآنية للقوة: يجمع القرآن الكريم بين الحديد كركيزة للصناعة الصلبة والتسلح والبنية التحتية، والخيل كرمز للسرعة والمناورة والجاهزية الميدانية والردع النفسي. ومجموعهما يُشكّل رؤية متكاملة، حيث لا تُبتغى القوة للبطش أو الطغيان، بل لحماية العدل، وتحقيق السلم، وردع المعتدين.
تتجلى مكانة الحديد كأداة قوة وركيزة للتمكين في الفكر والإرشادات المنسوبة إلى آل البيت عليهم السلام في التراث الشيعي، حيث يُنظر إلى الحديد ليس فقط كعنصر صناعي وعسكري، بل كنموذج إلهي يربط بين التصنيع المادي والعدل الإلهي ونصرة الحق. تتعدد أبعاد التعامل مع الحديد كأداة قوة في التراث الشيعي عبر عدة محاور: 1. الحديد في تفسير الآية القرآنية (البأس الشديد والنصرة): تستند النصوص والرويات الشيعية في تفسير قوله تعالى: “وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ” (الحديد 25) إلى ربط الحديد بصون الحق ونصرة أئمة العدل: السلاح والدفاع: يُفسَّر “البأس الشديد” بكونه الأداة والعتاد الذي يُستعان به في دفع الظلم وحماية حياض الأمة والمقدسات. اقتران السيف بالكتاب: تركز المرويات على أن إقامة العدل والقسط (المشار إليه بالكتاب والميزان) لا تدوم دون قوة ردع مادية (الحديد) تحمي المظلومين وتمنع المعتدين. 2. الحديد و”قائم آل محمد” عجل الله فرجه (أخبار آخر الزمان)، يحضر الحديد كرمز للتمكين والسيطرة على مقاليد القوة إبان قيام الإمام المهدي: خروج السلاح والتمكين: ورد في مأثور الروايات (كما في غيبة النعماني وبحار الأنوار) أن الإمام المهدي يعتمد على القوة المادية المنظّمة وإعداد السلاح لفرض العدل. البأس الشديد في وجه الظلم: يُذكر الحديد كأداة لإزالة الجور ومحاربة قوى الاستكبار، حيث تشير النصوص إلى أن قيام القسط يحتاج إلى قوة صارمة لا مهادنة فيها مع الظالمين. 3. داوود عليه السلام والتصنيع الحربي في المأثور عن الأئمة: تحظى قصة إلانة الحديد للنبي داوود عليه السلام باهتمام خاص في روايات آل البيت (كما في الكافي للكليني): الاعتماد على النفس والعمل اليدوي: تُبرز الروايات أن داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده في صناعة الدروع، مما يكرس مفهوم أن قوة الأمة تبدأ من التصنيع الذاتي. الدمج بين العبادة والحرفة الدفاعية: إلانة الحديد تُعد كرامة إلهية تُوظّف لحماية الفرسان والمقاتلين (صناعة الدروع والسابغات)، مما يعكس أهمية تطوير الصناعات الوقائية والعسكرية. 4. الفقه والأحكام المتعلقة بالحديد والتسلح: تناول الفقهاء على مر العصور (في أبواب الجهاد والمكاسب) الأحكام المتعلقة بالحديد والتسلح: إعداد القوة وامتلاك أسباب المنعة: وجوب إعداد العدة والعتاد الدفاعي لحماية بلاد المسلمين، معتبرين أن امتناع الأمة عن امتلاك الصناعات الحديدية والتسلح يؤدي إلى الارتهان للغير. كراهة حظر أو احتكار الأدوات الأساسية: حثّ الفقه الشيعي على تيسير استغلال المعادن والصناعات القائمة على الحديد لما فيها من صلاح معاش الناس وعمران البلاد. خلاصة الرؤية: تتفق الرؤية الشيعية مع السياق القرآني العام في اعتبار الحديد سلاحاً ذا حدين، فهو أداة بأس وردع وقوة تُستعمل في وجه الظلم لإقامة القسط لحماية المجتمع، وفي الوقت نفسه مصدر منافع وازدهار مدني وعمراني للأمة.
تحظى الخيل في تراث وأحاديث أهل البيت عليهم السلام بمكانة رفيقة لمكانة الحديد، فإذا كان الحديد يمثل القوة المادية الصلبة والتصنيع العسكري، فإن الخيل تمثل القوة الاستراتيجية التكتيكية، وسرعة المناورة، والردع النفسي، وفروسية القيم. تتحدد معالم قوة الخيل وأبعادها في مدرسة آل البيت عبر المحاور التالية: 1. رباط الخيل والردع الاستراتيجي: في تفسير قوله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ” (الأنفال 60)، تركز الروايات المأثورة عن الأئمة (كما في الكافي وتهذيب الأحكام) على أهمية الإعداد الوقائي: القوة الوقائية: يُشدد آل البيت على أن اتخاذ الخيل وتربيتها وربطها ليس لغاية الخوض في الحروب بذاتها، بل لإظهار الجاهزية والهيبة التي تمنع الأعداء من التجرؤ على أمن الأمة. البركة والإعداد: ورد في الحديث الشريف عن النبي وآله: “الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”، حيث تُربط بركة الخيل بإعدادها لصون الحق والدفاع عن حياض الدين والمظلومين. 2. أخلاقيات الفروسية وإعداد الفارس: لم ينظر آل البيت إلى الخيل كأداة عسكرية مجردة، بل قرنوها بـ المنظومة الأخلاقية للفروسية: الرفق بالحيوان في ميدان القوة: تزخر كتب الأحكام والروايات الشيعية بتوجيهات حاسمة في عدم إرهاق الخيل، والرفق بها في السير، وحرمة ضربها في وجوهها، فالأداة التي تُستعمل لإقامة العدل لا يجوز أن تُمارس عليها صور الظلم. الفروسية المقترنة بالشجاعة: كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يمثل الذروة في التكتيك العسكري والفروسية، حيث يُنقل عنه في المأثور اعتلاؤه للفرس والرباط في الثغور، متكاملاً مع قيم العفة والعدل وعدم الإجهاز على مُدبر.



