
رياض سعد
في الوقت الذي تبحث فيه الدولة العراقية عن مخارج لأزمتها المالية، وتواجه الموازنة العامة ضغوطاً متزايدة تتصل بحجم الإنفاق العام والاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، تبرز بين حين وآخر مقترحات تستهدف تقليل النفقات من خلال إعادة تنظيم أوضاع الموظفين، ومن بينها مشروع منح الموظف إجازة طويلة الأمد تصل إلى خمس سنوات.
وقد ناقشت اللجنة المالية النيابية في تموز/يوليو 2026 مشروع قانون منح الموظف إجازة لمدة خمس سنوات، وأشارت صراحة إلى أن من أهدافه تخفيف الأعباء عن الموازنة العامة وإتاحة الفرصة للموظفين للعمل في القطاع الخاص. وهذا يعني أن البعد المالي والاقتصادي حاضر بوضوح في فلسفة المشروع.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق التصويت على أي تشريع من هذا النوع هو: هل نحن أمام سياسة إصلاح إداري واقتصادي حقيقية، أم أمام محاولة لمعالجة اختلالات الموازنة من خلال تحميل الموظف جزءاً من كلفة الأزمة؟
أولاً: الإجازة الطويلة ليست مشكلة في ذاتها
من الناحية الإدارية، لا يمكن القول إن فكرة الإجازة الطويلة للموظف سيئة بالضرورة.
فالموظف الذي يرغب في التفرغ مؤقتاً لمشروع خاص، أو للعمل في القطاع الخاص، أو لأسباب شخصية وعائلية، قد يجد في هذه الإجازة فرصة لإعادة ترتيب حياته المهنية من دون أن يقطع علاقته نهائياً بالوظيفة العامة.
كما أن الدولة قد تستفيد، في بعض الحالات، من خروج موظفين من الملاك الفعلي مؤقتاً، ولا سيما عندما تكون بعض المؤسسات تعاني تضخماً في أعداد العاملين أو عندما يكون الموظف غير مستثمر بصورة كافية في موقعه الوظيفي.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تكون الإجازة الطويلة أداة من أدوات الإصلاح الإداري إذا صُممت بطريقة صحيحة.
لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ الإجازة الطويلة، وإنما في شروطها وآثارها وغاياتها الحقيقية.
ثانياً: بين الإصلاح الإداري والضغط المالي
عندما يكون الهدف المعلن هو تخفيف العبء عن الموازنة، يصبح من الضروري أن نعرف بدقة: كم ستوفر الدولة؟ وما حجم الموظفين المتوقع شمولهم؟ وما الكلفة المالية التي ستنخفض فعلياً؟ وهل سيؤدي خروج الموظفين إلى معالجة بنيوية في الإنفاق العام، أم إلى توفير محدود لا يمس جوهر المشكلة؟
فالسياسة المالية الرشيدة لا تقوم على اتخاذ إجراء واحد تجاه شريحة واسعة من الموظفين، وإنما على مراجعة شاملة لبنية الإنفاق الحكومي.
وإذا كانت الدولة تعاني عجزاً مالياً، فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نقلل دخل الموظف؟ وإنما: كيف نعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام ونمنع الهدر ونرفع كفاءة الإيرادات ونقلل الإنفاق غير الضروري؟
وهنا ينبغي أن تكون المعالجة شاملة لا انتقائية.
ثالثاً: الموظف ليس المسؤول الوحيد عن الأزمة المالية
من غير الموضوعي تحميل الموظفين وحدهم مسؤولية الاختلال المالي للدولة.
فالإنفاق العام العراقي يرتبط بمنظومة واسعة تشمل الرواتب والأجور والتقاعد والدعم والتحويلات والمشاريع الاستثمارية والنفقات التشغيلية والإنفاق الحكومي بمختلف أشكاله.
كما أن معالجة الفساد والهدر الإداري والإنفاق غير الكفوء يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من أي خطة للإصلاح المالي، لا مجرد شعار سياسي.
ولهذا فإن اختزال الأزمة المالية في رواتب الموظفين يمثل تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً.
وفي المقابل، ينبغي أيضاً ألا تتحول هذه الحقيقة إلى ذريعة لرفض أي إصلاح يتعلق بالجهاز الحكومي؛ فالجهاز الإداري العراقي يحتاج بالفعل إلى إصلاحات جدية، من بينها ربط التعيين بالحاجة الفعلية، وتحسين الإنتاجية، وإعادة توزيع الموارد البشرية، وتقوية القطاع الخاص، ومنع تضخم الجهاز الحكومي.
رابعاً: مشكلة تخفيض الراتب
من أبرز النقاط التي تستحق المناقشة موضوع المقابل المالي الذي يحصل عليه الموظف أثناء الإجازة.
فإذا كان الموظف سيُمنح نسبة محددة من راتبه الاسمي فقط، مع فقدانه بعض المخصصات المرتبطة بممارسة العمل الفعلي، فإن عليه أن يتحمل انخفاضاً ملموساً في دخله.
وهنا تظهر مسألة العدالة.
فالراتب بالنسبة إلى الموظف ليس رقماً مجرداً في جدول مالي، وإنما هو المورد الذي يعتمد عليه في إعالة أسرته ودفع الإيجار والنفقات التعليمية والصحية والمعيشية وسائر الالتزامات.
لذلك فإن أي تشريع يترتب عليه خفض دخل الموظف ينبغي أن يراعي بصورة واضحة القدرة الشرائية، ومعدل التضخم، وحجم الالتزامات العائلية، والحقوق المكتسبة، والآثار التقاعدية والخدمية.
ولا يجوز النظر إلى الموظف باعتباره مجرد رقم في كشف الرواتب.
خامساً: تقييد حق قطع الإجازة
من المسائل التي تحتاج إلى نقاش قانوني وإداري دقيق أيضاً مسألة تقييد قدرة الموظف على قطع الإجازة والعودة إلى الوظيفة قبل انقضاء مدة معينة منها.
فإذا كان الموظف قد اختار الإجازة طوعاً، ثم تغيرت ظروفه الاقتصادية أو العائلية أو المهنية، فإن تقييد عودته ينبغي أن يستند إلى مبرر إداري واضح ومحدد.
صحيح أن الإدارة تحتاج إلى الاستقرار وعدم التعامل مع الوظيفة العامة باعتبارها باباً دواراً يدخل منه الموظف ويخرج متى شاء من دون تنظيم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تكون القيود مطلقة.
والحل الأفضل هو إيجاد توازن بين مصلحة الإدارة وحق الموظف، من خلال تحديد حالات وشروط واضحة للعودة، بدلاً من وضع قيود قد تتحول إلى عبء غير مبرر على الموظف.
سادساً: هل الإجازة الطويلة توفر فرصاً للآخرين؟
هذه من أهم الحجج المؤيدة للمشروع.
فإذا كان خروج الموظف في إجازة طويلة يؤدي فعلياً إلى عدم الحاجة إلى شغل موقعه الوظيفي مؤقتاً، فقد يتيح ذلك إعادة توزيع الملاكات واستثمار الموارد البشرية بصورة أفضل.
لكن ينبغي الحذر من القول إن كل موظف يأخذ إجازة يخلق بالضرورة فرصة عمل لشخص آخر.
فهذا يعتمد على طبيعة الوظيفة، وحاجة المؤسسة، والملاك الوظيفي، وآلية التعويض عن الموظف، ومدى وجود خريجين أو عاطلين مؤهلين لشغل تلك الوظائف.
وبالتالي فإن هذه النتيجة ليست تلقائية، وإنما تحتاج إلى سياسة توظيف وإدارة موارد بشرية متكاملة.
سابعاً: الخطر الأكبر هو تحويل الإجازة إلى تسريح مقنع
هنا تكمن أخطر نقطة في المشروع.
إذا أصبحت الإجازة الطويلة وسيلة لإخراج الموظفين من الخدمة العامة تحت ضغط الظروف الاقتصادية، فإنها قد تتحول عملياً من إجازة اختيارية إلى نوع من التسريح غير المباشر.
وهذا يثير أسئلة قانونية واجتماعية مهمة:
هل الاختيار حقيقي أم أن الموظف قد يجد نفسه مضطراً إليها بسبب ظروف اقتصادية أو إدارية؟
هل يستطيع الموظف العودة إلى وظيفته بصورة مضمونة وفق شروط واضحة؟
كيف تُحتسب مدة الإجازة لأغراض الخدمة والتقاعد والعلاوة والترفيع؟
ماذا يحدث للموظف إذا فشل في العثور على عمل في القطاع الخاص؟
وماذا يحدث إذا تغيرت ظروف سوق العمل بعد عام أو عامين؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تكون في صلب التشريع، لا أن تترك للتعليمات اللاحقة.
ثامناً: الموظف يحتاج إلى تحسين المعيشة لا إلى تحميله وحده فاتورة الإصلاح
كان الأولى، بالتوازي مع أي مشروع لإعادة تنظيم الإجازات، أن تعمل الدولة على إصلاح نظام الرواتب والمخصصات بصورة أكثر عدالة، وربط الأجور بمستوى المعيشة والإنتاجية، ومعالجة الفوارق غير المبررة بين فئات العاملين.
فالحديث عن إصلاح مالي من دون الحديث عن إصلاح منظومة الأجور والامتيازات والإنفاق الحكومي سيظل إصلاحاً ناقصاً.
ومن غير المنطقي أن تطلب الدولة من الموظف أن يتحمل وحده تبعات الأزمة، بينما لا يرى المواطن إصلاحاً شاملاً في أبواب الإنفاق الأخرى.
تاسعاً: لا ينبغي إطلاق اتهامات مالية بلا أرقام موثقة
أما القول إن المسؤولين ورواتبهم وامتيازاتهم تبلغ رقماً محدداً مثل «ترليوني دينار شهرياً» وإنها تمثل ثلث رواتب ومخصصات بقية موظفي الدولة، فهو ادعاء مالي يحتاج إلى مصدر رسمي واضح حتى يصبح صالحاً للاستناد إليه في مقال تحليلي.
بل إن مجلس النواب نفى في حزيران/يونيو 2026 بعض الأرقام المتداولة إعلامياً بشأن أعداد موظفيه ورواتبهم، ما يؤكد ضرورة التعامل بحذر مع الأرقام المالية المتداولة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل.
ومن الناحية المهنية، فإن قوة المقال لا تأتي من ضخامة الرقم، وإنما من صحة الرقم ومصدره وطريقة احتسابه.
لذلك من الأفضل القول إن هناك حاجة إلى مراجعة شاملة وشفافة للرواتب والامتيازات والمخصصات العليا، بدلاً من تثبيت رقم غير موثق.
عاشراً: ما الإيجابيات المحتملة للمشروع؟
إذا صيغ التشريع بصورة سليمة، فقد يحقق عدداً من الفوائد، منها:
تخفيف جزء من النفقات الحكومية المرتبطة بالوظائف غير الضرورية.
منح الموظف فرصة للعمل المؤقت في القطاع الخاص أو تأسيس مشروع اقتصادي.
تقليل التضخم الوظيفي في بعض المؤسسات.
تشجيع الانتقال التدريجي من الاقتصاد الحكومي إلى اقتصاد أكثر تنوعاً.
إعادة النظر في توزيع الموارد البشرية داخل مؤسسات الدولة.
منح الموظف خياراً مرناً بدلاً من الاستقالة النهائية.
وهذه نقاط لا ينبغي تجاهلها عند تقييم المشروع.
حادي عشر: وما سلبياته المحتملة؟
في المقابل، توجد مخاطر جدية إذا لم يحسن المشرع صياغته، أبرزها:
انخفاض دخل الموظف بصورة قد تؤثر في أسرته ومعيشته.
احتمال تحول الإجازة إلى وسيلة لتقليص أعداد الموظفين بصورة غير مباشرة.
احتمال تضرر الموظفين الذين لا يجدون فرصاً حقيقية في القطاع الخاص.
الغموض المحتمل بشأن الخدمة والتقاعد والعلاوات والترفيعات.
احتمال زيادة البطالة المقنّعة خارج القطاع الحكومي بدلاً من حلها.
تحميل الموظف جزءاً من كلفة أزمة لم يكن هو صانعها.
خلق تفاوت بين موظفين قادرين على استثمار الإجازة اقتصادياً وموظفين لا يملكون رأس المال أو المهارات اللازمة لذلك.
إمكانية استخدام المشروع بصورة انتقائية إذا لم توضع ضوابط شفافة.
ثاني عشر: ما البديل الأفضل؟
الإصلاح المالي الحقيقي لا ينبغي أن يكون حرباً على الموظف، كما أنه لا ينبغي أن يكون حماية مطلقة للوظيفة الحكومية.
المطلوب هو بناء معادلة أكثر توازناً:
موظف يحصل على أجر عادل، ودولة تحصل على إنتاجية حقيقية، وقطاع خاص قادر على استيعاب العمالة، وموازنة تخضع للرقابة، وإنفاق عام يقوم على الأولويات، ومكافحة فعلية للفساد والهدر.
كما ينبغي أن تسبق أي سياسة واسعة للإجازات الطويلة دراسة مالية وإدارية معلنة توضح مقدار الوفر المتوقع، وعدد الموظفين المستهدفين، وتأثير المشروع في الموازنة، وآثاره في سوق العمل، والضمانات القانونية للموظف.
الخلاصة: الإصلاح لا يبدأ من جيب الموظف
إن فكرة الإجازة الطويلة ليست فاشلة بالضرورة قبل إقرارها، كما أن نجاحها ليس مضموناً لمجرد أنها قد تخفف بعض النفقات.
الحكم عليها يجب أن يكون وفق نصوصها النهائية، وآثارها المالية، وضماناتها القانونية، وآليات تنفيذها، ومدى عدالتها.
أما إذا كان الهدف الحقيقي هو معالجة العجز المالي، فإن اختزال الإصلاح في تقليل دخل الموظف سيكون معالجة لجزء صغير من المشكلة.
العجز المالي لا تصنعه شريحة واحدة، ولا تعالجه التضحية بشريحة واحدة.
وإذا كانت الدولة تريد من الموظف أن يشارك في تحمل أعباء الإصلاح، فعليها في المقابل أن تقنعه بأن الإصلاح شامل وعادل، وأن أبواب الهدر والامتيازات والإنفاق غير المنتج تخضع للمراجعة نفسها.
فالعدالة المالية لا تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، وإنما تعني أن يتحمل كل طرف نصيبه العادل من كلفة الأزمة، وأن تكون القواعد واحدة، والرقابة واحدة، والمساءلة واحدة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نمنح الموظف إجازة خمس سنوات؟
بل:
هل نريد إصلاحاً إدارياً يعيد بناء الدولة، أم مجرد تقليص للنفقات يبدأ من الموظف وينتهي عنده؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي تشريع يتعلق بمستقبل الوظيفة العامة في العراق.



