
رضا الحافظ
لم تكن الأحزاب والحركات الإسلامية في بدايات نشأتها مجرد مشاريع للوصول إلى السلطة أو الحصول على مقاعد في البرلمانات والحكومات .
كانت الفكرة في حقيقتها بناء الإنسان قبل الوصول للسلطة وتربية الفرد قبل إدارة الدولة وصناعة جيل يحمل الفكرة ويترجمها إلى مشروع اجتماعي وأخلاقي .
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو : ماذا بقي من تلك الوظيفة التربوية والفكرية والتنظيمية ؟ وهل ما زالت الأحزاب الإسلامية تنتج الإنسان والقيادي والمثقف، أم أصبحت تنتج المرشح والمسؤول والموظف ؟!
من التربية إلى السلطة
في التجارب الإسلامية العراقية كان الجانب التربوي والدعوي حاضرًا في تكوين الحركات الإسلامية . وتشير الكتابات و دراسات التي تناولت تاريخ الأحزاب في العراق إلى أن حزب الدعوة، مثلًا، نشأ في سياق كان فيه رفع الوعي الديني وإعادة بناء المجتمع ايماني جزءًا من المشروع كما ارتبطت بفكر المرجع الشهيد محمد باقر الصدر .
حين تتحول الأحزاب إلى ماكينات انتخابية يصبح السؤال مختلفًا : كم مقعدًا حصلنا عليه؟ كم وزارة ؟ كم منصبًا ؟ كم دائرة ؟
فالسلطة يمكن أن تمنح الحزب نفوذًا لكنها لا تمنحه بالضرورة هوية .
أين اختفى مشروع بناء الكوادر ؟
الحزب الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد نوابه ووزرائه ، بل بعدد العقول و الكوارد القيادية التي استطاع أن يبنيها .
الأحزاب التي تمتلك مشروعًا طويل الأمد تبدأ من القاعدة تربية و تثقيف و إعداد و صناعة وعي جديد
أما اختصار العمل الحزبي في الانتخابات والمناصب ، فيحوّل الحزب تدريجيًا من مؤسسة لإنتاج القيادات و نشر الفكر إلى كيان سلطوي يبحث عن النفوذ .
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة وصول أشخاص إلى مواقع المسؤولية من دون مروهم بالمسار التربوي و الفكري الطبيعي .
الأحزاب الإسلامية تمتلك ميزة لا تمتلكها بقية الأحزاب السياسية الاخرى ، أنها تستطيع أن تستند إلى منظومة أخلاقية ودينية واسعة .
لكن هذه الميزة يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف إذا أصبحت مجرد شعارا انتخابيا .
فإذا تحدث الحزب عن خدمة الناس فيجب أن تكون الوظيفة العامة عنده مسؤولية لا غنيمة .
وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين هوية تُمارس وهوية تستخدم للاستهلاك الانتخابي و الخطاب الإعلامي .
الحزب الذي لا يراجع تجربته و يستفد من اخطاء العمل سيتحول من حركة تحمل مشروعًا إلى كيان متهالك مهدد وجوده السياسي و الفكري بالتراجع و الانهيار ..!
و هنا يمكن أن يبرز سؤالًا بسيطًا لكنه عميق :
أين هي مؤسسات إعداد القيادات ؟
أين المدارس الحزبية ؟
أين برامج إعداد الشباب ؟
أين مراكز الدراسات ؟
أين برامج التدريب على الإدارة العامة ؟
أين المختبرات الفكرية التي تنتج السياسات و تصنع القرار ؟
الحزب الذي لا يسأل نفسه هذه الأسئلة مع الوقت قد يفقد البوصلة .
الأحزاب الإسلامية أمام مفترق مهم : إما أن تبقى أسيرة منطق السلطة والانتخابات والمواقع، أو تعيد اكتشاف وظيفتها الأعمق في بناء الإنسان والمجتمع و صناعة القادة في الأمة .
و لذلك فإن استعادة البوصلة لا تبدأ من سؤال من سيكون الوزير أو النائب القادم ؟
بل كيف نصنع الإنسان الذي نريد أن يكون وزيرًا أو نائبًا بعد عشر سنوات ؟
فإذا بقيت صناعة المناصب هي الأولوية قبل صناعة الإنسان فقد تجد نفسها أمام مفارقة قاسية ان تملك السلطة لكنها لا تملك المشروع و قد تفوز في الانتخابات، لكنها تخسر وظيفتها التاريخية في التربية وبناء المجتمع .
إن نقد الأحزاب الإسلامية لا يعني الدعوة إلى إقصائها كما أن المطالبة بمراجعتها لا تعني إنكار تاريخها أو تضحيات أجيال من أعضائها .
فالمطلوب هو المراجعة لا الهدم .
