
من إيقاف الطيران الإيراني إلى أزمة شارع تقترب من المطارات
شاكر النابلسي
في السياسة، لا يكون التناقض بين الخطاب والممارسة خطأً لغويًا عابرًا، بل يصبح مؤشرًا على حقيقة القرار السياسي. وحين يطالب رئيس الحكومة الدول الأخرى باحترام سيادة العراق، ثم تُغلق المطارات العراقية استجابةً لعقوبات أمريكية أحادية، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالطيران وحده، بل بمن يملك القرار داخل العراق.
لقد تحولت قضية الرحلات الجوية بين العراق وإيران خلال أيام قليلة من مشكلة تشغيلية محدودة إلى أزمة سياسية وشعبية مرشحة للتصاعد. والخطر اليوم لا يكمن في إيقاف عدد من الرحلات فقط، بل في بقاء الحكومة مترددة حتى تنتقل الاحتجاجات من الشوارع إلى المطارات، فتدخل البلاد في استقطاب إعلامي واحتكاك أمني وفوضى كان يمكن منعها بقرار سياسي واضح.
كيف بدأ القرار وكيف تحول إلى منع شامل؟
تكشف متابعة تسلسل الأحداث أن توقف الرحلات لم يكن في بدايته قرارًا عراقيًا شاملًا. فقد امتنعت شركتا الخدمات الأرضية «مينزيس» و«ناس» عن خدمة الطائرات الإيرانية في مطار بغداد، خشية العقوبات الأمريكية، بينما استمرت الرحلات عبر مطار النجف؛ لأن خدماته الأرضية كانت تُقدَّم من جهة أخرى.
وفي الرابع والعشرين من أيلول، كان مطار النجف لا يزال يستقبل خمس عشرة رحلة بين العراق وإيران، وأكد مسؤولوه أنهم لم يتلقوا قرارًا بإيقافها. لكن في اليوم التالي صدر توجيه رسمي بإيقاف جميع الرحلات من إيران وإليها حتى إشعار آخر.
وهذه الوقائع مهمة في فهم الأزمة؛ لأنها تثبت أن المشكلة لم تكن استحالة فنية مطلقة. فقد كانت الرحلات مستمرة في النجف رغم العقوبات، وكانت الطائرات الإيرانية تحمل وقودًا يكفي لرحلتي الذهاب والعودة، وتُدفع أجور بعض الخدمات بالدينار العراقي. أي إن بدائل التشغيل كانت موجودة، قبل أن يأتي القرار الرسمي بالإيقاف.
ثم اتسع الحظر ليشمل بغداد والنجف وأربيل والسليمانية، وهي المطارات العراقية الأربعة التي كانت تستقبل الرحلات الإيرانية. وأعلن مدير مطار النجف أن الإيقاف جاء بتوجيه من مكتب رئيس الوزراء إلى محافظ النجف.
وبعد إيقاف الرحلات، أعلنت الحكومة أنها تجري حوارًا مباشرًا مع واشنطن من أجل السماح باستئناف بعض الرحلات لأغراض العلاج والدراسة والزيارات الدينية ومصالح المدنيين.
وهنا يظهر التناقض الذي لا يمكن تجاوزه: الحكومة تعترف بأن الرحلات تخدم المريض والطالب والزائر والمواطن، لكنها أوقفتها أولًا، ثم ذهبت تطلب من الدولة التي فرضت العقوبات السماح لها بإعادة بعضها.
فهل أصبحت حرية سفر العراقي، وفتح مطار عراقي، وتحديد الدول التي يزورها المواطن، أمورًا تنتظر موافقة وزارة الخزانة الأمريكية؟
واشنطن تمارس سياستها… فأين السياسة العراقية؟
فرضت الولايات المتحدة عقوبات واسعة على شركات الطيران الإيرانية، وهددت المطارات وشركات الوقود والخدمات الأرضية وبيع التذاكر بإجراءات قد تصل إلى عزلها عن النظام المالي القائم على الدولار.
واشنطن تمارس سياستها وفق مصالحها في صراعها مع إيران، ولا تنتظر من أحد أن يدافع عن مصالح العراق. ولذلك فإن موضع النقد الحقيقي ليس استخدام الولايات المتحدة أدوات قوتها، بل غياب الإرادة العراقية في التعامل معها.
كان أمام الحكومة أكثر من خيار: أن ترفض الحظر الشامل، أو تميز بين الرحلات المدنية وأي نشاط يثير مخاوف أمنية، أو تنقل الخدمات الأرضية إلى جهة حكومية، أو تعتمد الدفع بالدينار، أو تستمر بتجربة مطار النجف التي نجحت فنيًا قبل صدور قرار الإيقاف.
لكن الحكومة اختارت الطريق الأسهل والأشد ضررًا على مواطنيها: تنفيذ المنع أولًا، ثم البحث عن موافقة أمريكية لتخفيفه.
العقوبات الأمريكية ليست قانونًا عراقيًا، ولا قرارًا صادرًا عن مجلس الأمن. وسيادة العراق لا تُمارس بانتظار الإذن، وإنما باتخاذ القرار العراقي، ثم التفاوض مع واشنطن على منع الإجراءات الانتقامية التي قد تستهدف المؤسسات العراقية.
الفارق كبير بين أن تقول بغداد لواشنطن: «اسمحي لنا بإعادة الرحلات»، وبين أن تقول: «لقد قرر العراق استمرار الرحلات المدنية، وعلينا أن نتفاهم على عدم الإضرار بالمؤسسات العراقية».
الأولى طلب إذن، والثانية تفاوض بين دولتين.
دول لم تسلّم مفاتيح مطاراتها لواشنطن
لم يتحول القرار الأمريكي إلى حظر عالمي، ولم تتعامل جميع الدول معه بوصفه أمرًا واجب التنفيذ.
فالصين أعلنت صراحة أن العقوبات الأمريكية غير قانونية، واستمرت في استقبال الطائرات الإيرانية؛ إذ هبطت رحلة لشركة «ماهان» في مدينة غوانغجو بعد دخول العقوبات حيّز التنفيذ، كما بقيت رحلة إلى شنغهاي مدرجة في جداول الطيران.
واستمرت رحلات إيرانية إلى روسيا والصين وتايلند، وبقيت خطوط أو رحلات مجدولة إلى أفغانستان وأرمينيا وباكستان وطاجيكستان. أما تركيا فلم تفرض حظرًا شاملًا، بل استمرت بعض الرحلات إلى إسطنبول رغم تقييد رحلات شركات أخرى.
ولا يعني ذلك أن هذه الدول تتخذ موقفًا سياسيًا واحدًا أو أنها جميعًا أعلنت تحدي الولايات المتحدة. لكنه يثبت وجود خيارات أخرى غير الإغلاق الكامل، وأن الدولة تستطيع أن ترفض، أو تفاوض، أو تضيق نطاق الإجراءات، أو تحافظ على الرحلات المدنية.
إن السيادة لا تعني غياب الضغط الخارجي؛ فجميع الدول تتعرض للضغط. السيادة هي قدرة الدولة على حماية مصالح شعبها تحت الضغط.
وإذا استطاعت دول أقل ارتباطًا بإيران أن تحتفظ بجزء من قرارها، فلماذا أغلق العراق جميع مطاراته أمام الرحلات الإيرانية، وهو البلد الأكثر اتصالًا بإيران من حيث الجغرافيا والعلاج والدراسة والتجارة والزيارات الدينية؟
المواطن هو الذي عوقب
لم يعاقب القرار مسؤولًا إيرانيًا، ولم يغير ميزان الحرب، وإنما عاقب مواطنًا عراقيًا يريد الوصول إلى طبيبه أو جامعته أو مكان زيارته.
هناك مرضى عراقيون يقصدون إيران للعلاج، وطلبة يدرسون في جامعاتها، وزائرون يتوجهون إلى مشهد وقم، وتجار ترتبط أعمالهم بالأسواق الإيرانية، وعائلات موزعة بين البلدين.
كما تضررت مكاتب السياحة وشركات النقل والفنادق والمطاعم والأسواق المرتبطة بحركة الزائرين، ولا سيما في النجف وكربلاء. ويكفي أن رئيس مجلس محافظة النجف قدّر أن الطيران الإيراني يمثل نحو ٨٥٪ من نشاط مطار النجف، لندرك حجم الضرر الذي سيصيب اقتصاد المحافظة والعاملين في هذا القطاع.
وقد أكد السفير العراقي في طهران أن توقف الرحلات يمس أعدادًا كبيرة من الطلبة والجالية والزائرين، فضلًا عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين البلدين.
وإذا كانت لدى الدولة مخاوف من شركة أو رحلة محددة، فإن واجبها أن تراقب وتفتش وتمنع المخالفة بالدليل. أما إيقاف الرحلات المدنية بأكملها، فهو نقل لكلفة الصراع الأمريكي الإيراني إلى المواطن العراقي.
تصرف يذكّرنا بالطاغية صدام
إن هذا التصرف يذكّر العراقيين بما فعله الطاغية صدام، حين منع التواصل والزيارة بين الشعبين العراقي والإيراني، وقطع الطريق أمام العراقيين الراغبين في زيارة مراقد أهل البيت عليهم السلام أو التواصل مع أقاربهم ومصالحهم في إيران.
لقد ظن العراقيون أن زمن منع الناس من الزيارة والتواصل قد انتهى، وأن المواطن بعد سقوط الطاغية أصبح حرًا في سفره وعلاجه ودراسته وزياراته المشروعة.
لذلك فإن إغلاق الطريق مرة أخرى أمام المريض والطالب والزائر يوقظ ذاكرة عراقية مؤلمة، ويمنح القرار بعدًا دينيًا واجتماعيًا ونفسيًا يتجاوز حسابات شركات الطيران.
من أزمة طيران إلى أزمة شارع
الأزمة لم تعد محصورة في البيانات السياسية. فقد نُظمت وقفة احتجاجية في البصرة، وتجمع عشرات المسافرين المتضررين أمام بوابات مطار النجف بعد إلغاء رحلاتهم، وصدر موقف احتجاجي عن جمع من طلبة الحوزة العلمية في النجف.
كما دعا الأمين العام لحركة النجباء أكرم الكعبي إلى الاستعداد للاعتصام داخل المطارات العراقية إذا لم تُعالج القضية وتُستأنف الرحلات.
ولا يصح علميًا الجزم بأن الفوضى ستقع حتمًا، لكن شروط التصعيد بدأت تتكون: مواطنون متضررون، وتظاهرات أولية، ودعوات معلنة إلى الاعتصام، وخطاب سياسي مرتفع، وانقسام إعلامي آخذ بالاتساع.
والمسار المتوقع إذا استمر الجمود واضح: تتوسع الوقفات، ثم تنتقل إلى اعتصامات عند المطارات، ثم تفرض القوات الأمنية أطواقًا لحماية المنشآت، وقد يقع احتكاك بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية. وفي الوقت نفسه سينقسم الإعلام بين من يتهم المحتجين بتهديد الدولة، ومن يتهم الحكومة بالخضوع لواشنطن، فتتحول قضية حقوق مدنية وسيادة وطنية إلى صراع داخلي.
المطارات منشآت سيادية وأمنية، وليست ساحات تظاهر اعتيادية. وأي تجمع كبير داخل محيطها التشغيلي قد يعطل رحلات لا علاقة لها بإيران، ويضر بآلاف المسافرين، ويفتح الباب أمام استغلال الأزمة من جهات تريد دفع العراق إلى الفوضى.
ولهذا فإن مسؤولية الحكومة ليست قمع المحتجين، ومسؤولية القوى الرافضة ليست اقتحام المطارات. المسؤولية المشتركة هي منع وصول الأزمة إلى تلك المرحلة عبر حل سياسي سريع وواضح.
ما الذي ينبغي فعله الآن؟
أولًا، على مجلس الوزراء أن يصدر فورًا قرارًا عراقيًا بإلغاء الحظر الشامل وإعادة الرحلات المدنية وفق ضوابط أمنية وفنية عراقية. ولا يحتاج العراق إلى إذن خارجي لفتح مطاراته، بل يحتاج إلى إرادة سياسية تتحمل مسؤولية القرار.
ثانيًا، يجب تكليف جهة حكومية عراقية بتقديم الخدمات الأرضية بصورة مؤقتة، واعتماد الدفع بالدينار، وتأمين الوقود والخدمات الضرورية بعيدًا عن الشركات الخاصة التي تخشى النظام المالي الأمريكي. وقد أثبتت تجربة مطار النجف قبل الإيقاف أن هذا المسار ممكن من الناحية التشغيلية.
ثالثًا، ينبغي الفصل بين الطيران المدني وأي نشاط غير مدني. فتُخضع الرحلات للتفتيش الدقيق، وتُراجع قوائم الركاب والشحنات، ويُمنع أي استخدام يخالف القوانين العراقية، من دون معاقبة المرضى والطلبة والزائرين.
رابعًا، تفتح وزارة الخارجية حوارًا مع واشنطن، لا لطلب الإذن أو الاستثناء، بل لإبلاغها بالقرار العراقي والتفاوض على منع استهداف المؤسسات العراقية بسبب استمرار الرحلات المدنية. فالحوار هنا لإدارة النتائج، لا للتنازل عن أصل القرار.
خامسًا، تُشكّل خلية أزمة تضم رئاسة الوزراء والخارجية والنقل والمالية وسلطة الطيران المدني والأمن الوطني وإدارات المطارات، وتصدر تقريرًا يوميًا يوضح عدد الرحلات، ومصير الحجوزات، ونتائج الاتصالات، حتى لا تترك الساحة للشائعات والفوضى الإعلامية.
سادسًا، يجب تعويض المسافرين الذين أُلغيت رحلاتهم، وإلزام شركات الحجز بإعادة الأموال أو تثبيت حجوزات بديلة، وفتح مسارات نقل بري منظمة ومخفضة الكلفة إلى حين عودة الرحلات بصورة كاملة.
ما الذي يجب على قادة الإطار فعله فورًا؟
الإطار التنسيقي هو الذي رشح علي فالح الزيدي لرئاسة الحكومة ومنحه الغطاء السياسي والنيابي؛ ولذلك لا يستطيع قادته التنصل من نتائج قراراته.
وعليهم فورًا، لا بعد توسع التظاهرات، عقد اجتماع طارئ يصدر عنه قرار سياسي موحد، لا بيان استنكار جديد. ويجب أن يتضمن القرار مطالبة الحكومة بإعادة الرحلات المدنية ضمن سقف زمني معلن، وتشكيل وفد سياسي وفني لمتابعة التنفيذ.
كما ينبغي الدعوة إلى جلسة استثنائية لمجلس النواب، واستضافة رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير النقل ورئيس سلطة الطيران المدني، للكشف عن الجهة التي أصدرت قرار الإيقاف، وأساسه القانوني، والخسائر الناجمة عنه، وخطة الحكومة لإعادة الرحلات.
وعلى قادة الإطار التواصل مباشرة مع القوى الداعية إلى الاعتصام، وإقناعها بإبقاء الاحتجاجات السلمية خارج الحرم التشغيلي للمطارات، مقابل تعهد حكومي مكتوب ومحدد زمنيًا.
فوظيفة القيادة السياسية أن تنقل غضب جمهورها إلى المؤسسات وتنتزع الحل، لا أن تترك الجمهور يتجه إلى المطارات ثم تقف متفرجة على احتمال وقوع الاحتكاك.
وإذا رفضت حكومة الزيدي التراجع عن الحظر الشامل، فعلى الإطار استخدام أدواته النيابية والدستورية لمساءلتها وسحب الغطاء السياسي عن القرار. فلا يمكنه أن يكون شريكًا في الحكومة عند توزيع المناصب، ثم يتحول إلى معارضة إعلامية عند الأزمات.
ما زالت هناك فرصة… لكنها تضيق
ما زالت الأزمة قابلة للاحتواء، لكن الوقت ليس مفتوحًا. فالاحتجاجات بدأت، والمسافرون متضررون، والخطاب السياسي يتصاعد، ودعوات الاعتصام في المطارات أصبحت معلنة.
إذا تحركت الحكومة وقادة الإطار سريعًا وأعادوا الرحلات المدنية بقرار عراقي، يمكن إنهاء الأزمة قبل تحولها إلى مواجهة داخلية.
أما إذا استمر الغموض والتأخير، فستتوسع الاحتجاجات، وتشتد المعركة الإعلامية، وقد تنتقل الاعتصامات إلى المطارات، وعندها لن يعود الخلاف على رحلة بين النجف ومشهد، بل سيتحول إلى اختبار لسلطة الدولة ووحدة المجتمع وقدرة النظام السياسي على إدارة جمهوره.
ليس مطلوبًا من العراق أن يدخل الحرب إلى جانب إيران، ولا أن يجعل أرضه ساحة للصراع مع الولايات المتحدة. المطلوب أن يحمي مواطنيه وألا يسمح بتحويل مطاراته إلى أداة لتنفيذ حصار فرضته دولة أخرى.
فالسيادة ليست كلمة يقولها رئيس الحكومة في الأمم المتحدة، وإنما قرار يحمي به المريض والطالب والزائر والتاجر داخل العراق.
ومن يطالب الآخرين باحترام سيادة العراق، عليه أن يبدأ باحترامها في حكومته وقراراته.
٢٧ أيلول ٢٠٢٦
د.شاكر النابلسي
