سبتمبر 27, 2026
LOGO

حسين الذكر

نشرت جريدة الصباح الغراء عمودا سياسيا للكاتب الاستاذ ابراهيم العبادي بتاريخ 21-9-2026 بعنوان ( كيف تنزلق الدول الى الفوضى ) .. هنا كتبت ليس تعارضا او اختلافا مع ما طرحه الاستاذ العبادي بقدر ما هي آراء لتجارب وخبرات ودراسات خضناها كل بطريقته وظروفه وخلفيته الخاصة .. جاء فيه :

مقدمة :-

قبل 36 سنة تقريبا وبعد تدمير العراق وبدأ فعالية الحصار نهاية عام 1991 تحديدا كنت اتمشى في شارع المتنبي حينما سالني احد مراسلي قناة اجنبية لا اتذكر اسمها عن امنياتي بمناسبة عيد ما مر بذلك التاريخ الاسود الذي كان الشعب يتلوى جراء مرارة الاحداث ووقع الحصار واستبدادية الاجراءات .. وقد قلت للمراسل ما نصه : ( اتمنى ان اكون على بينة من امري وان ينتفي الالم العام عن العالم ) .. لم يفهم المراسل ما قلت ولم يوصل المترجم مرادي وانتهى الموضوع بحدوده الاستطلاعية . بعد كل هذه العقود والسنون وما قراته ودرسته وتعلمته وعجنتني به التجارب وما حدث من تغيرات جذرية في العراق بعد 2003 واحداث المنطقة والاقليم والعالم .. لم اجد جواب جديد لأمنيتي التي لم يتغير فيها شيء يذكر .. كأن القواعد العامة التي تتحكم في الشعوب – سيما الشعب العراقي – لا علاقة لها بالاشخاص والانظمة والعناوين .. وانما حالها مخطط  له من جهات ذات قدرة متمرسة تقود العالم والشعوب المقهورة منذ الاف السنين بسنن لم يصبها التغيير في  جزيئية واحدة عن المضمون وان تبدلت الاساليب والاشكال والصور فالمستهدف هو خيرات الشعوب لا غيرها .

في السياق :-

( لا تنزلق الدول إلى الفوضى دفعة واحدة وإنما تبدأ بتراكم : أزمة مالية، فساد مستفحل، ضعف في سيادة القانون، تعدد مراكز صنع القرار، وجود قوى مسلحة خارج الإطار المؤسسي، نفوذ خارجي متعارض، انسداد سياسي، تآكل المؤسسات، واحتقان اجتماعي يتزايد معه الاستعداد الشعبي للاحتجاج) . مشيرا ضمنا الى امكانية استثمار القوى السياسية للغضب الاجتماعي في صراعاتها . هذه بعض النماذج التاريخية التي ساقها الاستاذ ابراهيم العبادي لاثبات ما مضمونه : ان العامل الداخلي والحراك الاجتماعي هو المصدر الاساس والرئيس والمعول عليه في تغيير مسارات الدول وتبديل انظمتها .. ثم استعرض عدد من الاحداث المستلة من التاريخ الحديث مثل جمهورية  فايمر الألمانية بتشكلها بعد الحرب العالمية الاولى وكيفية اسقاطها بعد تضخم الازمات وكذا انفجار الأزمة في روسيا القيصرية واندلاع الثورة الشيوعية اثناء الحرب عالمية الاولى  1917 كما ذكر ما حدث في اسبانيا اثناء ما سمي بالحرب الاهلية عام 1936 . مشيرا الى محصلة نهائية تمثل نتاج وحراك الداخل وازماته التي تؤدي التغيير حسب وجهة نظره .. ثم ربطها الكاتب في الواقع العراقي الحالي محذرا مما هو فيه وضرورة انتباه المؤسسات والقوى السياسية لتحسين الاداء وتجاوز نتائج متوقعة .

خيوط ادبية :-

 في حفل توقيع كتابي ( قبس في مدن عاهرة ) الذي اقامته مستشارية رئيس الوزراء عام 2018 تحدثت فيه عن جزء من فصول الرواية التي اشير فيها الى مخالفتي لراي الفيلسوف العربي ( ابن خلدون ) الذي يؤكد على ان كل تغيير يصيب الامم سيما العربية منها اساسه صراع البداوة والحضارة .. بمعنى ان تدني حضارة الشعوب وتخلفها هو من يؤدي الى حتمية تغييرها وقرار مصيرها .. مستبعدا في ذلك اي تدخل خارجي وان اكد وتوافق مع الاستاذ العبادي بان القوى الخارجية والداخلية تستفيد وتستغل وتستثمر هذه الازمات في صراعاتها .. وهنا اذهب الى راي مغاير تماما لما ذكره المفكر بن خلدون وما وافقه عليه – بغير اتفاق – الاستاذ العبادي .

استلال معاصر :-

اذكر هنا عدد من الامثلة المعاشة من التاريخ المعاصر .. اذ كما يعلم الجميع بان الشعب العراقي انتفض بعدد من الثورات قبل 2003 سيما ثورته الشعبانية الكبيرة عام 1991 التي كانت مؤشراتها تشير الى امكانية نجاحها وقدرة تغير النظام انذاك لتوفر عدد من الظروف الداخلية والخارجية الموضوعية … لكن ذلك لم يحدث لان القرار الخارجي بالتغيير لم يكن حاصل ومستخلص برغم توفر كل مقومات الفعل والقرار والحاجة الداخلية .. بعد ثلاثة عشر سنة لاحقة من تدبيرات داخلية وخارجية تنظيمية وامنية وعسكرية … حدث التغيير بفعل القوة والاداة الخارجية . وهذه ليست المرة الاولى التي يحدث التغيير بالقوة في العراق اذ يحدثنا التاريخ القديم والحديث عن امثلة ونماذج متعددة للتدخل الخارجي بصورة مباشرة او غير مباشرة .

كذلك ما حصل في سوريا اذ انتفض السوريون عام 2011 وتم السيطرة على المدن والمؤسسات ولكن لم يحدث التغيير الا في 2024 بعد اجتماع ما يسمى بدول ( مسار استانا ) الذي يضم دول اقليمية ودولية ( روسيا وتركيا وايران ) بما لها قدرة التاثير بالملف السوري وظلت الاجتماعات قائمة كل ستة اشهر للتقييم وتقارب وجهات نظر الاطراف المؤثرة بالملف السوري وتدبيراتها ومشاوراتها الدولية والاقليمية .. حتى اذن قرار التغيير بعد اكثر من عشر سنوات  .. فبعد ليلة واحدة من حصول التوافق بعد اجتماع اعضاء ذلك الاتفاق في الدوحة 2024 تقرر مصير الاسد ونظام الحكم الذي يحكم سوريا .. فتحركت القوات السورية المعارضة نهاية 2024 من ادلب وبقية مواقعها المقررة والمحددة سلفا لتستلم  مقاليد الدولة بكاملها خلال ساعات في وقت لم يطلق الجيش العربي السوري اي رصاصة برغم حكم تنظيمه وحسن تسليحه وقوته .

الحال هو المعيار :-

في الختام ان اغلب ان لم يكن اكثر ما موجود باسم الازمات الداخلية  بمختلف عناوينها هي نتاج تاثير وتنظيم اجندة خارجية تستثمرها عند بلوغ الذروة وكما تخطط وتقرر هي . وهذا لا يعني اطلاقا ان السلطات الحاكمة تسير  على نهج صحيح وانه لا توجد ازمات وان الداخل لا يملك قوة تاثير .. لكن ما اريد ان اصل اليه ان اغلب التغيير الحاصل هو استثمار للداخل بتاثير خارجي فاعل مؤثر لا مناص منه .. مما يجعل الامور الشعبية والمجتمعية تسير بوتيرة واحدة من المعاناة سواء كانت الانظمة شمولية او ديمقراطية ، علمانية او دينية ، ملكية او جمهورية .. بمعنى ان معاناة الشعوب وان بدت هي صاحبة التغيير او اداته بالمحصلة النهائية سوف لن تحصل على شيء من كعكته وهذا يدحض نظرية البداوة والحضارة تماما . لان اساس التغيير لم يقم على تبديل الاسماء والعناوين والمسميات بغيرها … بل ان فلسفة التغيير الجماهيرية قائمة على التغيير الجذري من اجل الاصلاح والعدالة الاجتماعية لتحسين احوال المجتمعات المضطهدة … وهذا لم يحصل للاسف حتى الان في اي بلد عربي قبل الربيع العربي او بعده .