سبتمبر 27, 2026
Screenshot

Screenshot

حين يتحول الدواء إلى سمّ في بعض الأنظمة العربية

الفوضى الإدارية بين كفاءة النص وفشل التطبيق

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

ليست كل منظومة إدارية فاشلة لأن فكرتها خاطئة، ولا كل مؤسسة غارقة في الفوضى لأن قوانينها سيئة. أحياناً تكون المشكلة في مكان آخر تماماً النظام قد يكون صالحاً ، لكن طريقة تشغيله تفسده.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر أزمات الإدارة انتشاراً : الخلط بين فشل النظام وفشل تطبيق النظام.
عند أول أزمة، تسارع مؤسسات كثيرة إلى تغيير القوانين والهياكل، واستبدال المسؤولين، وتشكيل اللجان، وإطلاق الخطط الجديدة، وكأن الحل دائماً في إنتاج نظام آخر. لكن السؤال الذي لا يُطرح بما يكفي هو: هل طُبّق النظام السابق أصلاً كما صُمّم؟

فالمنظومة الإدارية تشبه الدواء.

مضاد الالتهاب، مثلاً ، لا يشفي لمجرد وجوده داخل العلبة. له جرعة، ووقت، ومدة، وضوابط، وتحذيرات. وإذا استُخدم بطريقة خاطئة، فقد يفقد تأثيره، أو يسبب أضراراً ، وقد يتحول العلاج نفسه إلى مشكلة.

وهكذا هي الإدارة.

القانون لا يعمل وحده، والهيكل التنظيمي لا يصنع مؤسسة بمجرد رسمه، والخطة الاستراتيجية لا تنتج نتائج بمجرد اعتمادها. كل ذلك يحتاج إلى تشغيل منضبط: صلاحيات واضحة، ومسؤوليات محددة، وتدفق معلومات، وتوقيت، ورقابة، ومحاسبة.

المشكلة ليست دائماً في «الدواء»؛ أحياناً تكون في الجرعة وطريقة الاستخدام.

والأخطر أن بعض الأنظمة تحاول معالجة الفوضى بإنتاج فوضى جديدة.
تظهر مشكلة، فتُشكّل لجنة. تتعطل اللجنة، فتُشكّل لجنة أخرى. تتأخر المعاملة، فتُضاف توقيعات. تتداخل الصلاحيات، فتُضاف تعليمات. يزداد التعقيد، فتُنشأ وحدة جديدة لمتابعة التعقيد.
وفي النهاية تصبح المؤسسة جسداً مثقلاً بالأدوية، لا يعرف أحد أيها يعالج المرض وأيها أصبح جزءاً منه.

هذه ليست حوكمة؛ هذه بيروقراطية تتغذى على نفسها.
لقد تحولت في بعض البيئات الإدارية قيمة «الإجراء» إلى غاية مستقلة عن «النتيجة». أصبح نجاح الموظف يُقاس أحياناً بعدد الكتب التي يرفعها، والاجتماعات التي يحضرها، والتواقيع التي يجمعها، والتقارير التي ينتجها، بدلاً من قياس قدرته على حل المشكلة.
وحين يصبح الالتزام بالإجراء أهم من تحقيق الغاية، تبدأ المؤسسة بفقدان عقلها التشغيلي.
لكن الوجه الآخر لا يقل خطورة.
فالارتجال الكامل ليس مرونة، وتجاوز القواعد ليس سرعة، وتحويل القرارات إلى اجتهادات شخصية ليس قيادة. المؤسسة التي تعتمد على الأشخاص أكثر من اعتمادها على النظام قد تتحرك بسرعة في لحظة، لكنها تدفع ثمن ذلك لاحقاً ؛ لأن القرار يصبح مرتبطاً بمزاج المسؤول، والاستثناء يتحول إلى قاعدة، والقاعدة تصبح قابلة للتعطيل.

بين الجمود والارتجال تضيع الإدارة الرشيدة.
ولهذا فإن إصلاح المؤسسات لا يعني بالضرورة هدم الأنظمة وإعادة بنائها من الصفر. أحياناً المطلوب هو تشريحها بدقة:
أين تتعطل المعلومة؟
أين تتداخل الصلاحيات؟
أين تتكرر الإجراءات؟
أين تختفي المسؤولية؟
أين تتحول الرقابة إلى تعطيل؟
وأين تتحول المرونة إلى باب للفساد؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من السؤال السهل: من المسؤول؟

لأن المؤسسة قد لا تكون مريضة بسبب شخص واحد، بل بسبب منظومة كاملة تسمح للخطأ بأن يتكرر، وللمسؤولية بأن تتوزع حتى تضيع، وللقرار بأن يتأخر حتى تصبح الأزمة أكبر من الحل.
وهنا نحتاج إلى مفهوم أساسي: المعايرة المؤسسية.
أي أن تُراجع المؤسسة باستمرار «جرعاتها الإدارية»: حجم السلطة، وحدود التفويض، وسرعة القرار، ودرجة الرقابة، وعدد الإجراءات، وآليات المحاسبة.
فزيادة السلطة بلا رقابة قد تنتج فساداً.
وزيادة الرقابة بلا تفويض قد تنتج شللاً.
وكثرة الإجراءات قد تنتج بيروقراطية.
وغياب الإجراءات قد ينتج فوضى.
إذن، القضية ليست في زيادة القواعد أو تقليلها، بل في ضبط التوازن بينها.
العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى أنظمة إدارية أكثر عدداً ، بل إلى أنظمة أكثر ذكاءً وقدرة على التكيف؛ أنظمة تعرف متى تكون القاعدة حازمة، ومتى يكون الاستثناء مشروعاً ،ومتى تكون الرقابة حماية، ومتى تتحول إلى تعطيل، ومتى تكون المرونة كفاءة، ومتى تنقلب إلى فوضى.
فالمؤسسة القوية ليست المؤسسة التي لا تخطئ، بل التي تكتشف الخطأ مبكراً ، وتقيس أثره، وتصححه، وتمنع تكراره.
أما المؤسسة التي تخفي أخطاءها خلف مزيد من الأوراق واللجان والتعليمات، فهي لا تعالج مرضها؛ إنها تؤجل لحظة الانهيار.
وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما يحدث في الإدارة هو غياب النظام.
الأخطر أن يصبح النظام موجوداً ، لكن بلا روح تشغيلية.
عندها يتحول القانون من أداة لتنظيم الدولة إلى قيد عليها، وتتحول الإجراءات من وسيلة لحماية المؤسسة إلى جدار يمنعها من الحركة، ويتحول العلاج إلى سمّ.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى نظام جديد؟
بل:هل فشل النظام فعلاً… أم أننا فشلنا في استخدامه؟
فأحياناً لا يحتاج المريض إلى دواء جديد.
يحتاج فقط إلى جرعة صحيحة، وطبيب يعرف كيف يستخدمها.