سبتمبر 29, 2026
رياض

قراءة تاريخية ـ اقتصادية في سياسة المنح والقروض والتدخلات الخارجية لنظام البعث من عام 1968 إلى عام 2003.

رياض سعد

# تمهيد: هل كان العراق ضحية المؤامرات وحدها؟

«ما دمّر العراقَ وأوصلَه إلى هذا المصير سوى المؤامرات الأمريكية والخليجية، وما تعرّض له من حروب وحصار وتآمرٍ استهدف شعبه وكرامته وسيادته…!» ؛ عبارة تتكرر كثيراً في الخطاب الذي يستعيد حقبة نظام البعث، وكأن تاريخ العراق الحديث لا يتضمن سوى مؤامرات خارجية، وكأن الحكام الذين تولوا السلطة لم يكونوا مسؤولين عن قراراتهم، وحروبهم، ومغامراتهم، والطريقة التي تصرفوا بها في ثروات البلاد ومقدراتها.

لا شك في أن الدول تتحرك وفق مصالحها، وأن التدخلات الخارجية والحسابات الإقليمية والدولية أسهمت في تشكيل مصير العراق، لكن اختزال الكارثة العراقية في العامل الخارجي وحده لا يمثل تفسيراً تاريخياً كافياً، بل قد يتحول إلى وسيلة لإعفاء السلطة من مسؤولياتها، وتبرئة سياساتها من النتائج التي ترتبت عليها.

فإذا كان من حق العراقيين مساءلة الولايات المتحدة ودول الخليج وسواهما عن تدخلاتهم ومواقفهم، فمن حقهم، بالقدر نفسه، مساءلة نظام البعث الخائن عن مليارات الدولارات التي أنفقها خارج الحدود، وعن الحروب التي خاضها، وعن الأموال التي وظفها في بناء التحالفات وشراء الولاءات وتصدير أيديولوجيته المنكوسة ، وعن الأولويات التي جعلت طموحات السلطة الهجينة تتقدم على احتياجات المجتمع والامة العراقية العظيمة .

والسؤال الذي نطرحه هنا ليس ما إذا كان العراق قد قدم مساعدات للدول والشعوب الأخرى؛ فهذا أمر تؤكده الوثائق الدولية، بل ما مقدار تلك المساعدات؟ وما طبيعتها؟ وما الذي عاد منها على العراق؟ وهل كانت جميعها تعبيراً عن التضامن الإنساني والقومي، أم أن بعضها كان استثماراً سياسياً في نفوذ النظام وبقائه؟

إن هذه الأسئلة تكتسب أهميتها من حقيقة بسيطة: أموال العراق لم تكن ملكاً لصدام أو أحمد حسن البكر أو حزب البعث، وإنما كانت أموال العراقيين، وكان ينبغي أن تخضع أولاً وأخيراً لمقتضيات المصلحة الوطنية، ولرقابة مؤسسات الدولة، ولحق الشعب في معرفة أوجه إنفاق ثروته.

# أولاً: الطفرة النفطية وبداية سياسة الإنفاق خارج الحدود

شكّل تأميم شركة نفط العراق عام 1972، ثم الارتفاع الكبير في أسعار النفط خلال سبعينيات القرن الماضي، نقطة تحول في الإمكانات المالية للدولة العراقية… ,  فقد تدفقت الإيرادات النفطية بصورة غير مسبوقة، وأصبح العراق يمتلك فائضاً مالياً أتاح له تمويل بعض مشاريع التنمية الداخلية، وتوسيع قدراته العسكرية، والانخراط في برامج مساعدات خارجية واسعة... ؛ وكان فقراء العراق ومساكينه أَولى بها.

وفي عام 1974، أنشأ النظام الصندوق العراقي للتنمية الخارجية ليكون إحدى الأدوات المؤسسية لتقديم القروض والمساعدات والمساهمة في المشاريع الاقتصادية خارج البلاد… ؛  ولم تكن هذه السياسة مقتصرة على الدول العربية، بل امتدت إلى دول أفريقية وآسيوية وبلدان نامية أخرى.

كان في هذا التوجه جانب اقتصادي معلن، يتمثل في دعم التنمية والتعاون التجاري، وجانب سياسي واضح، يتمثل في تعزيز مكانة نظام البعث الإقليمية والدولية، وتوسيع دائرة الدول المرتبطة به اقتصادياً ودبلوماسياً.

ولا يمكن إنكار أن بعض هذه المساعدات حقق منافع للدول المستفيدة، أو أسهم في تمويل مشاريع تنموية حقيقية… ؛  لكن ذلك لا يمنع من التساؤل عن مدى ارتباط الإنفاق بالمصلحة العراقية، ولا عن طبيعة الرقابة التي خضع لها، ولا عن مدى شفافية الاتفاقيات التي أبرمتها السلطة البعثية الهجينة باسم الشعب... ؛ والعجيب في الأمر أن العراق كان يعاني من شتّى المشكلات والأزمات، فيما كانت مدن وقرى الوسط والجنوب تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة… ؛  ومع ذلك، حقّق نظام البعث نجاحًا لافتًا في دعم الأجانب والغرباء، في الوقت الذي أخفق فيه إخفاقًا واضحًا في الارتقاء بالمستوى المعيشي والصحي والثقافي والتعليمي للعراقيين، ولا سيما أبناء الطبقات والفئات الأكثر حاجة.

# ثانياً: الأرقام التي تكشف حجم العطاء العراقي

تُعد دراسة صندوق النقد الدولي المعنونة The Composition and Distribution of Financial Assistance from Arab Countries and Arab Regional Institutions، المنشورة عام 1990، من أهم المراجع التي يمكن الاستناد إليها في دراسة المساعدات العراقية خلال حقبة الطفرة النفطية.

وتكشف بيانات الدراسة أن العراق قدم مساعدات رسمية صافية بلغت نحو 2.957 مليار دولار بين عامي 1973 و1989، وفق الجداول الإحصائية التي جمعت التدفقات الثنائية ومتعددة الأطراف، والمنح والقروض الميسرة، بعد احتساب التدفقات العكسية.

وهذا الرقم لا يمثل مجموع كل الأموال التي أنفقها النظام خارج العراق؛ إذ لا يشمل بالضرورة جميع النفقات العسكرية والأمنية والسياسية، كما أنه لا يساوي مجموع التعهدات المالية أو القروض التي أُعلن عنها ولم تُصرف بالكامل.

ولإيضاح حجم المساعدات، يمكن مراجعة البيانات السنوية للمساعدات الرسمية العراقية الصافية (1973–1989) بملايين الدولارات الأمريكية الجارية، وفق جدول صندوق النقد الدولي – المصدر: صندوق النقد الدولي، الجدول الخامس: Iraq: Aid, 1973–89… , الأرقام السالبة تعني أن التدفقات العكسية تجاوزت المساعدات الجديدة في تلك السنة، ولا تعني أن العراق تلقى تبرعات سالبة... – .

وتظهر هذه الأرقام أن المساعدات العراقية بلغت ذروتها عام 1980، حين وصلت إلى نحو 864.6 مليون دولار، وهو مبلغ يعادل 2.44% من الناتج القومي الإجمالي في ذلك العام… ,  كما قدم العراق نحو 658 مليون دولار عام 1979، و414.3 مليون دولار عام 1974.

أما بين عامي 1975 و1978، فقد بلغ متوسط المساعدات السنوية نحو 215 مليون دولار، قبل أن يرتفع إلى متوسط يقارب 760 مليون دولار سنوياً في عامي 1979 و1980.

إنها أرقام ذات دلالة اقتصادية وسياسية كبيرة، لا لأنها تثبت أن كل تلك الأموال أُهدرت، وإنما لأنها تؤكد أن النظام البعثي الهجين خصص موارد معتبرة للإنفاق الخارجي في وقت كان يفترض فيه أن تكون التنمية الداخلية وحماية الثروة الوطنية في صدارة الأولويات.

# ثالثاً: الصندوق العراقي للتنمية الخارجية… بين التعهدات والصرف الفعلي

تُظهر بيانات الصندوق العراقي للتنمية الخارجية أن حجم الالتزامات الائتمانية التي أعلنها أو تعاقد عليها بين عامي 1973 و1987 بلغ نحو 2.139 مليار دولار، منها 1.926 مليار دولار قروض ميسرة، و212.9 مليون دولار قروض غير ميسرة.

لكن المبالغ المصروفة فعلياً من الصندوق، وفق الجدول نفسه، بلغت نحو 337.5 مليون دولار حتى نهاية عام 1987، مع استثناء القروض والمنح التي أدارها الصندوق نيابة عن الحكومة العراقية.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور كثيراً ما تختلط في النقاشات السياسية:

* التعهد المالي: مبلغ تعلن الدولة استعدادها لتقديمه.

* الالتزام الائتماني: مبلغ يرتبط باتفاق أو عقد تمويلي.

* الصرف الفعلي: الأموال التي خرجت من الخزينة أو حُولت إلى الجهة المستفيدة.

إن الخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى تضخيم الأرقام، ويجعل من الصعب تحديد حجم الأموال التي خرجت فعلاً من العراق، أو الأموال التي استُردت لاحقاً، أو المشاريع التي نُفذت.

ومع ذلك، فإن هذه الفوارق المحاسبية لا تنفي اتساع سياسة الإنفاق الخارجي، بل تساعد على فهمها بصورة أدق، وتمنع تحويل الأرقام إلى شعارات دعائية أو اتهامات غير مستندة إلى الحسابات.

# رابعاً: مساعدات الدول العربية… التضامن أم صناعة النفوذ؟

كانت الدول العربية في مقدمة الجهات التي تلقت الدعم من النظام البعثي ، ولا سيما في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، والتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال السبعينيات.

ومن أبرز الوقائع الموثقة تعهد العراق بتقديم 520 مليون دولار لدول المواجهة العربية في قمة بغداد المنعقدة في تشرين الثاني 1978… ؛ وقد كان هذا التعهد أحد الأسباب التي تفسر الارتفاع الكبير في المساعدات العراقية خلال عامي 1979 و1980.

كما امتدت المساعدات إلى دول عربية أخرى، في إطار اتفاقيات ثنائية ومؤسسات مالية مشتركة، وشملت القروض الميسرة والاستثمارات والمساهمات في الصناديق الإقليمية.

ومن الضروري هنا ألا نخلط بين التضامن العربي الانساني وبين توظيفه سياسياً… ؛  فمساعدة دولة عربية تواجه أزمة اقتصادية أو حرباً قد  لا تكون  في مصلحة العراق والامة العراقية … ؛ كما ان تحويل المال العراقي العام إلى وسيلة لشراء الولاءات أو فرض الزعامة أو تمويل صراعات لا تخدم الأمن الوطني هو أمر مرفوض تماماً.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت تلك المساعدات خاضعة لتقييم دوري يحدد مكاسب العراق منها؟ وهل امتلك المواطن العراقي حق الاطلاع على الاتفاقيات ومناقشة جدواها؟ أم أن القرار ظل محصوراً في دائرة القيادة السياسية البعثية الهجينة ، التي كانت تتعامل مع المال العام باعتباره امتداداً لسلطتها الغاشمة ؟

# خامساً: أفريقيا وآسيا… قروض بلا فوائد وأموال تتجاوز الحدود

امتدت السياسة المالية العراقية إلى دول نامية عديدة في أفريقيا وآسيا، وكان من أبرز أشكالها تقديم قروض طويلة الأجل بلا فوائد، ولا سيما للدول التي ارتبطت بعقود مباشرة لشراء النفط العراقي.

ووفق دراسة صندوق النقد الدولي، قدم العراق قروضاً من هذا النوع إلى اثنتي عشرة دولة نامية، بهدف تعويضها عن ارتفاع أسعار النفط… ,  وقد وُقعت عشرة اتفاقيات عام 1980 بقيمة إجمالية بلغت 210 ملايين دولار، ثم وُقعت اتفاقيتان إضافيتان عام 1981 بقيمة ثمانية ملايين دولار.

وتوضح الدراسة كذلك أن ما يقرب من نصف الالتزامات الائتمانية للصندوق حتى نهاية عام 1987 كان مخصصاً لمشاريع البنية التحتية، فيما توزعت بقية الالتزامات على قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة، إلى جانب قروض تعويض ارتفاع أسعار النفط.

لكن يبقى السؤال عن مدى نجاح هذه السياسة في تحقيق مصالح العراق: هل أسهمت في فتح أسواق دائمة أمام النفط والمنتجات العراقية؟ وهل أنتجت علاقات اقتصادية متوازنة؟ وما حجم الأموال التي استُردت من تلك القروض؟

إن الإجابة تحتاج إلى مراجعة حسابات كل دولة مستفيدة، ولا يجوز افتراض أن جميع القروض ضاعت أو أن جميعها استُردت… ؛  غير أن غياب المعلومات المنشورة عن مصير قسم من هذه الالتزامات يظل سبباً مشروعاً للمطالبة بكشف الأرشيف المالي العراقي.

# سادساً: تبرع صدام لفقراء الولايات المتحدة… مفارقة الحصار

المبلغ الذي أعلن العراق تخصيصه لفقراء الولايات المتحدة في كانون الثاني 2001… ؛ ما يعادل 100 مليون يورو وفق سعر الصرف الذي أوردته وكالة الأنباء العراقية آنذاك -المصدر: تقرير وكالة رويترز المنشور في صحيفة لوس أنجلوس تايمز، 16 كانون الثاني 2001.– .

ولعل من أكثر الوقائع دلالة على مفارقات سياسة النظام الصدامي، ما نشرته الصحافة الأمريكية في 16 كانون الثاني 2001، حين أعلنت الحكومة العراقية، في اجتماع ترأسه صدام ، تخصيص 100 مليون يورو، أي نحو 94 مليون دولار آنذاك، لمساعدة الفقراء في الولايات المتحدة الأمريكية.

ووفق تقرير لوكالة رويترز نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز، جاء الإعلان على لسان وكالة الأنباء العراقية الرسمية، التي ذكرت أن مجلس الوزراء قرر تخصيص المبلغ لأسباب إنسانية، وأنه سيُخطر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بالقرار… ,  كما أشارت الوكالة العراقية إلى أن نحو ثلاثين مليون أمريكي كانوا يعيشون تحت خط الفقر آنذاك.

وتناول تقرير آخر لصحيفة الغارديان البريطانية الواقعة في اليوم نفسه، مشيراً إلى أن النظام العراقي كان يعلن عن تقديم المساعدة للفقراء الأمريكيين في وقت كان فيه العراق يعاني من الفقر والحرمان بفعل سنوات الحصار والأزمة الاقتصادية.

كيف يمكن تبرير تخصيص أموال عراقية لمساعدة الفقراء في الخارج، بينما كان أبناء العراق أنفسهم بحاجة إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية؟

# سابعاً: من مساعدة الشعوب إلى تمويل الحركات والتدخل في الصراعات

لم تقتصر سياسة النظام على المساعدات الاقتصادية، بل شملت أشكالاً أخرى من النشاط الخارجي، ارتبط بعضها بدعم الحركات السياسية، أو التدخل في النزاعات الإقليمية، أو تعزيز حضور حزب البعث المجرم خارج العراق.

# ثامناً: هل أنفق البعث 35 مليار دولار على شكل قروض وتبرعات؟

من أكثر الادعاءات تداولاً في هذا السياق القول إن العراق أنفق 35 مليار دولار على مساعدات وقروض لدول مختلفة بين عامي 1974 و1990، وإن هذه القيمة تعادل نحو 1.8 تريليون دولار وفق القيمة الشرائية الحالية.

لكن مراجعة بيانات صندوق النقد الدولي لا تقدم دليلاً كافياً على صحة هذا الرقم بصيغته المتداولة.

فالدراسة توثق نحو 2.957 مليار دولار من المساعدات الرسمية الصافية خلال الفترة 1973–1989، كما تسجل التزامات ائتمانية للصندوق العراقي للتنمية الخارجية بنحو 2.139 مليار دولار خلال الفترة التي يغطيها جدوله، مع وجود قروض ومنح أخرى أديرت نيابة عن الحكومة ولم تدخل في حسابات الصندوق نفسها.

ولا يجوز اعتبار هذه الأرقام سقفاً نهائياً لجميع النفقات الخارجية؛ فالمساعدات العسكرية والأمنية والسياسية قد تكون مدرجة في أبواب مختلفة من الموازنة، كما أن بعض الأموال الحكومية قد لا تكون قد مرت عبر الصندوق.

لكن في المقابل، لا يجوز اعتماد رقم 35 مليار دولار لمجرد تداوله، ما لم يُرفق ببيانات أصلية تشرح مصادره ومكوناته، وتفصل بين القروض والتبرعات والنفقات العسكرية والتعهدات المالية.

أما تحويل المبالغ التاريخية إلى قيمتها الحالية، فيتطلب تحديد سنة الأساس ومؤشر التضخم وطريقة الحساب… ؛  فالقيمة الشرائية للدولار ليست هي نفسها قيمته النسبية إلى الناتج المحلي أو حجم الاقتصاد، ولا يصح تقديم أي رقم معاصر بوصفه حقيقة نهائية من دون بيان منهجيته.

إن قوة النقد لا تكمن في تضخيم الأرقام، بل في تقديم الوقائع الصحيحة التي لا يستطيع المدافع عن السلطة إنكارها أو الالتفاف عليها.

# تاسعاً: الحرب العراقية الإيرانية… نهاية مرحلة الدولة المانحة

مثلت الحرب العراقية الإيرانية، التي اندلعت عام 1980 واستمرت حتى عام 1988، منعطفاً حاسماً في السياسة المالية العراقية.

فقد استنزفت الحرب الموارد النفطية، ورفعت الإنفاق العسكري، ودفعت العراق إلى الاقتراض، وأضعفت قدرته على مواصلة تقديم المساعدات الخارجية.

وتشير دراسة صندوق النقد الدولي إلى أن العراق تحول، ابتداءً من عام 1983، من دولة مانحة إلى دولة مدينة على أساس صافي التدفقات المالية، وأن برنامجه للمساعدات الخارجية تقلص بشدة بعد عام 1982.

وبحلول نهاية عام 1987، بلغت الالتزامات التراكمية للقروض التي قدمها الصندوق نحو 1.9 مليار دولار وفق عرض الدراسة، موزعة على قرابة ثلاثين دولة نامية، بينما كانت المبالغ المصروفة فعلياً أقل بكثير من إجمالي الالتزامات.

وهنا تتجلى المفارقة: نظام أنفق الأموال في الخارج، وسعى إلى بناء نفوذ إقليمي واسع، وجد نفسه بعد سنوات قليلة غارقاً في الديون، عاجزاً عن مواصلة سياسته المالية السابقة، ومثقلًا بتكاليف حرب كان قراره السياسي والعسكري أحد العوامل الرئيسية في اندلاعها واستمرارها.

ولم تكن هذه النتيجة منفصلة عن الخيارات التي اتخذتها القيادة؛ فالحرب لم تكن كارثة طبيعية حلت بالعراق، وإنما صراع سياسي وعسكري ترتبت عليه كلفة بشرية واقتصادية هائلة.

ومع ظروف الحرب القاسية، لم يتوقف نظام البعث وصدام عن تقديم الهبات والمساعدات للغرباء والأجانب...!!

# عاشراً: الحصار والتبرعات المعلنة… أي أولوية للإنسان العراقي؟

بعد معركة استرجاع الكويت عام 1990، دخل العراق مرحلة العقوبات الدولية والحصار الاقتصادي، وتراجعت موارده وقدرته على توفير الخدمات الأساسية، وواجه المجتمع أزمات معيشية وصحية واسعة.

وفي هذه المرحلة، ازدادت أهمية التمييز بين موارد الدولة التي خُصصت للاحتياجات الإنسانية، وبين ما أُنفق على الأجهزة الأمنية والقصور والأنشطة السياسية الخارجية.

وتظهر الوثائق الأمريكية المنشورة عام 1998 أن برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي أُقر بموجب قرار مجلس الأمن 986، بدأ تنفيذه في كانون الأول 1996، وأن الأموال الناتجة من بيع النفط كانت تودع في حساب خاضع لإشراف الأمم المتحدة، وتخصص لشراء الغذاء والدواء والمواد الإنسانية وفق آليات محددة.

وفي كانون الثاني 2001، أشار تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية، مستنداً إلى رسالة أممية، إلى أن العراق لم يقدم طلبات شراء تغطي كامل الأموال المتاحة له ضمن المرحلة المعنية من البرنامج؛ إذ كانت هناك 7.8 مليارات دولار متاحة للمشتريات، في حين بلغت الطلبات المقدمة نحو 4.26 مليارات دولار، أي ما يقارب 54% من الأموال المتاحة.

ومع ضرورة التعامل النقدي مع الرواية الحكومية الأمريكية، فإن هذه الأرقام تظل جديرة بالفحص في ضوء الوثائق الأممية الأصلية، لأنها تثير مسألة جوهرية تتعلق بأولويات الإنفاق والتأخير في توفير الاحتياجات الإنسانية.

وفي هذا السياق، يصبح إعلان التبرع لفقراء الولايات المتحدة عام 2001 أكثر إثارة للأسئلة، لا لأن مساعدة الفقراء في بلد آخر فعل غير مشروع، بل لأن السلطة التي أعلنت ذلك كانت تدير بلداً يعاني شعبه من أزمة اقتصادية وإنسانية حادة.

كذلك قدّم نظام البعث هباتٍ للجرحى وذوي الشهداء الفلسطينيين، وهو ما قيل إنه دفع بعض الفلسطينيين إلى إحداث جروح طفيفة بأنفسهم، ثم الادعاء بأنها ناجمة عن مواجهات مع جنود الكيان الصهيوني، بهدف الحصول على عشرات الآلاف من الدولارات، في وقتٍ كان فيه أطفال العراق يموتون بسبب الجوع ونقص الحليب وانعدام الأدوية...!!

فهل كان من الأجدر أن تُوجه تلك الأموال إلى برامج التغذية والصحة والتعليم داخل العراق؟ وهل كان بالإمكان الجمع بين مساعدة الآخرين وتوفير احتياجات العراقيين؟ ولماذا لم تُعرض هذه القرارات على مؤسسات مستقلة تملك حق الاعتراض والمساءلة؟

إن هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة العمل الإنساني، وإنما تضعه في سياقه الصحيح: لا يجوز أن يتحول التضامن مع فقراء العالم إلى واجهة دعائية تخفي إهمال فقراء الوطن.

# حادي عشر: تبديد الثروة لا يقل خطورة عن الاستيلاء عليها

كثيراً ما ينحصر الحديث عن فساد الأنظمة في سرقة الأموال أو اختلاسها، لكن ثمة شكلاً آخر من أشكال الإضرار بالمال العام يتمثل في سوء تخصيصه، وإنفاقه على مشروعات أو مغامرات لا تحقق عائداً يتناسب مع كلفتها، أو توظيفه في خدمة مصالح السلطة بدلاً من مصالح المجتمع.

فقد لا يكون المال الذي يُمنح لدولة أخرى مسروقاً بالمعنى الجنائي، لكنه قد يكون إنفاقاً غير رشيد إذا لم يستند إلى دراسة جدوى، أو لم يحقق منفعة وطنية واضحة، أو جاء على حساب احتياجات أساسية للمواطنين.

ومن هنا، فإن المساءلة عن سياسة المساعدات الخارجية لا ينبغي أن تقتصر على سؤال: هل سُرقت الأموال؟ بل يجب أن تشمل أسئلة أخرى:

* من اتخذ قرار الإنفاق؟

* ما الأساس القانوني والاقتصادي الذي استند إليه؟

* هل كانت المساعدات منحاً أم قروضاً؟

* ما نسبة الأموال التي صُرفت فعلياً؟

* هل استُردت القروض المستحقة؟

* ما العائد الاقتصادي أو السياسي الذي تحقق للعراق؟

* هل كانت هناك بدائل أقل كلفة وأكثر نفعاً؟

* لماذا لم تُنشر حسابات تفصيلية تتيح للشعب تقييم تلك السياسة؟

* هل هناك مشاريع وطنية معطّلة بسبب نقص التمويل، وكان من الأولى تمويلها قبل تقديم المساعدات لهذه الدولة أو تلك؟

إن غياب الإجابة عن هذه الأسئلة يحول المال العام إلى أداة طيعة بيد السلطة، ويجعل المواطنين مجرد متفرجين على ثروة تُدار باسمهم من دون أن يمتلكوا حق الرقابة عليها.

# ثاني عشر: من يفسر خراب العراق؟ الخارج أم الداخل؟

إن الدفاع عن العراق لا يكون بتبرئة حكامه، كما أن نقد الحكام لا يعني تبرئة القوى الخارجية… ؛  فالمسؤولية التاريخية لا تُختزل في طرف واحد، ولا يجوز أن تتحول إلى معركة شعارات بين من يحمّل الخارج كل شيء، ومن ينسب إليه كل ما جرى.

لقد تعرض العراق لتدخلات وضغوط وصراعات دولية وإقليمية، لكن نظام البعث اتخذ بدوره قرارات سياسية وعسكرية واقتصادية كان لها أثر سلبي مباشر في مصير البلاد.

وكان بإمكانه أن يختار سياسة خارجية أكثر توازناً، وأن يوجه فوائض النفط إلى تنمية وطنية مستدامة، وأن يجعل المساعدات الخارجية جزءاً بسيطا من استراتيجية اقتصادية واضحة، لا أداة لاستعراض القوة أو تعزيز الزعامة أو خدمة الأيديولوجيا.

وكان بإمكانه أيضاً أن يضع الإنسان العراقي في صدارة أولوياته، بدلاً من إخضاع المجتمع لمتطلبات الحرب والحزب والسلطة الغاشمة .

إن تحميل الخارج مسؤولية كل شيء لا يفسر لماذا اندلعت الحروب، ولا لماذا أُنفقت الأموال بهذه الطريقة، ولا لماذا تحولت دولة غنية إلى بلد يعاني من الديون والعقوبات والدمار.

وفي المقابل، فإن الاعتراف بمسؤولية النظام البعثي لا يلغي ضرورة دراسة التدخلات الخارجية وأدوارها، بل يجعل فهم التاريخ أكثر اكتمالاً وموضوعية.

# خاتمة: ثروة العراق ليست ملكاً للحكام

لقد أظهرت الوثائق المالية أن العراق كان، في سبعينيات القرن الماضي ومطلع الثمانينيات، دولة مانحة ، وأنه قدم مليارات الدولارات من المساعدات والقروض، وأسهم في مشاريع تنموية خارج حدوده، وخصص أموالاً لدعم دول عربية ونامية، بل أعلن في عام 2001 تخصيص نحو 94 مليون دولار لمساعدة الفقراء في الولايات المتحدة .

لكن هذه الوقائع لا تصلح لتبرئة النظام أو تمجيده، مثلما لا يصح إنكارها أو التقليل من شأنها… ؛  إنها جزء من تاريخ العراق، ويجب أن تُقرأ في سياقها الاقتصادي والسياسي، وأن تخضع للأدلة والمقارنة والمساءلة.

لقد كانت المأساة الكبرى أن ثروة العراق لم تُدار دائماً بوصفها أمانة للأجيال، بل تحولت في مراحل عديدة إلى أداة في خدمة مشروع السلطة الغاشمة ، وإلى وقود للحروب والمغامرات، وإلى وسيلة لشراء النفوذ والولاءات.

والأوطان لا تُقاس بما يقدمه حكامها من هبات خارج الحدود، ولا بما يرفعونه من شعارات عن العظمة والمجد، وإنما بما يوفرونه لمواطنيهم من أمن وحرية وعدالة وكرامة، وبما يتركونه للأجيال من مؤسسات راسخة واقتصاد منتج ومجتمع متماسك.

فالمباني يمكن إعادة تشييدها، والجسور يمكن ترميمها، والمؤسسات يمكن إعادة بنائها، أما الإنسان الذي يُقتل أو يُهجّر أو يُحرم من فرص الحياة الكريمة، والنسيج الاجتماعي الذي تمزقه الحروب والكراهية، فلا يمكن تعويضهما بسهولة.

ولذلك، فإن السؤال الأجدر بأن يواجه به المدافعون عن نظام البعث ليس: لماذا تتحدثون عن الأموال التي أنفقها خارج العراق؟ بل: لماذا لم تكن مصلحة العراقيين هي المعيار الأول والأخير لكل دولار أُنفق باسمهم؟

فليس عيباً أن يساعد العراق شعوب العالم الفقيرة بالمقدار البسيط – إن كانت ثرواته هائلةً وفائضةً عن احتياجات العراقيين – ، بل العيب أن يُترك شعبه في مهب الحروب والأزمات، فيما تُستنزف ثروته في مغامرات لا يملك قرارها ولا يجني ثمارها.