
حين تتناقض الدولة في قراراتها
الشركة السورية للبترول وقبلاوي
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
ليست أخطر أزمات الدولة تلك التي تُرى في الشوارع، بل تلك التي تبدأ داخل المكاتب، خلف الأبواب المغلقة، حين يصدر القرار من جهة، ثم يصدر نقيضه من جهة أخرى، وحين تتحول المؤسسة من أداة لتنفيذ سياسة عامة إلى مساحة تتصارع فيها التعليمات والصلاحيات والتفسيرات.
هناك لحظة تصبح فيها الفوضى الإدارية أكثر من مجرد خلل في التنظيم؛ تصبح مشكلة دولة.
حين لا يعرف الموظف أي قرار يطبق، ولا يعرف المواطن أي جهة يصدق، ولا تستطيع المؤسسة نفسها تقديم رقم واحد معتمد عن واقعها، فإن المشكلة لم تعد في نقص التعليمات، بل في غياب البوصلة.
والأخطر أن هذا النوع من الفوضى لا يصدر ضجيجاً. لا يحتاج إلى أزمة سياسية كبرى كي يظهر. يكفي أن تتناقض تعاميم، وتتبدل التعليمات، وتتعدد المرجعيات، وتُستخدم الأرقام مرة لإثبات النجاح ومرة لنفيه، حتى تبدأ الثقة بالمؤسسة بالتآكل بصمت.
الدولة لا تنهار فقط عندما تفقد السيطرة؛ قد تبدأ بالضعف عندما تفقد اتساقها.
المشكلة ليست أن تخطئ الإدارة. الأخطاء جزء من أي عمل بشري. المشكلة أن يتحول الخطأ إلى نمط، والتناقض إلى ممارسة، والاجتهاد الفردي إلى بديل عن السياسة العامة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من يملك القرار النهائي؟ ومن يراجع القرار؟ ومن يحاسب عندما تتناقض القرارات؟ ومن يملك الرقم الرسمي الذي تُبنى عليه السياسات؟
لا يمكن بناء إدارة حديثة بعقلية «كل جهة تعرف ما تفعله» بينما لا تعرف الجهات نفسها ما تفعله الجهة الأخرى.
الأرقام تحديداً ليست مادةً للمواجهة الإعلامية ولا وسيلةً لتجميل الأداء. الرقم قاعدة قرار. وإذا اختلفت المؤسسات على الرقم، فإنها ستختلف بالضرورة على تشخيص المشكلة، ثم على الحل، ثم على تقييم النتائج.
ولهذا فإن إصلاح الإدارة يبدأ من توحيد الحقيقة قبل توحيد التعليمات.
نحن بحاجة إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة، ومرجعيات واضحة، وسجل قابل للتدقيق للقرارات الحكومية، وآلية تمنع صدور قرارات متعارضة، ونظام مساءلة يربط الصلاحية بالمسؤولية والنتيجة.
لكن الرقابة لا تعني أن تتحول الدولة إلى مركز واحد يخنق كل مؤسسة. المركزية المطلوبة هي مركزية المعايير والبيانات والرقابة الاستراتيجية، لا مركزية كل تفصيل إداري. يمكن توزيع الصلاحيات، لكن لا يجوز توزيع الحقيقة.
يمكن أن تتعدد المؤسسات، لكن لا ينبغي أن تتعدد الدولة داخل الدولة.
فاللامركزية التي لا تحكمها قواعد موحدة قد تتحول إلى فوضى، والمرونة التي لا ترافقها مساءلة قد تتحول إلى اجتهادات، والاستقلال الإداري الذي لا تضبطه استراتيجية وطنية قد ينتج قرارات متعارضة باسم المؤسسة نفسها.
وهنا تحديداً تظهر قيمة الرقابة: ليس دورها أن تبحث عن المخطئ فقط، بل أن تمنع تكرار الخطأ، وأن تكشف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة عامة.
المواطن لا يحتاج إلى إدارة تدّعي الكمال. يحتاج إلى إدارة واضحة.
يريد أن يعرف: من يقرر؟ من ينفذ؟ من يراقب؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
وحين تصبح هذه الأسئلة بلا إجابة، فإن المشكلة لا تكون في الموظف وحده، ولا في المدير وحده، بل في منظومة تحتاج إلى إعادة ضبط.
الدولة القوية ليست التي تصدر أكبر عدد من القرارات، بل التي تجعل قراراتها مفهومة، متسقة، قابلة للتنفيذ، وقابلة للمساءلة.
فالقرار المتناقض لا يربك ورقةً في مكتب فقط؛ قد يربك مؤسسة، ويهدر مورداً، ويعطل مشروعاً، ويضعف ثقة مواطن.
ولهذا، فإن الإصلاح الإداري لم يعد ترفاً ولا ملفاً مؤجلاً.
إما أن نضبط الفوضى قبل أن تصبح نظاماً، أو يصبح النظام نفسه اسماً آخر للفوضى.




