
خريف ثورتي حرروا الحجر وبقي البشر
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
تأتي لحظة في عمر كل ثورة، كما تأتي لحظة في عمر كل إنسان، يصبح فيها الخريف أكثر صدقاً من الربيع تتساقط الأوراق واحدةً تلو الأخرى، لا لأن الشجرة ماتت، بل لأنها تواجه السؤال الأصعب: من بدأ؟ من دفع الثمن؟ من استشهد؟ ومن وصل في النهاية ليقطف الثمار؟
هذه هي السردية الكبرى التي تتكرر في تاريخ الثورات. يبدأ الثوار الحكاية، ويدفع الشهداء أثمانها، ويحمل المعتقلون ندوبها، ويعيش المهجّرون سنواتهم في المنافي، ثم يأتي زمن آخر تتغير فيه الوجوه والمواقع، ويصبح الذين دفعوا الثمن الحقيقي مجرد فصل قديم في كتاب الانتصار.
قد يختلف معي كثيرون في هذه الكلمات، وقد يقفون إلى جانبي. وهذا طبيعي.
أنا لا أتفق مع الجميع، لكنني أقف مع كل مظلوم؛ لأنني عرفت الظلم. وأقف مع كل صوت لم يُسمع؛ لأنني صرخت يوماً في سجن غربتي وفقدي، ولم أجد دائماً من يسمع.
أنا ابنة رجل شهيد فقدته في سجن صيدنايا، وابنة أم غابت في المعتقل. وهذه ليست جملة أضعها أمام القارئ لاستدرار التعاطف، بل حقيقة صنعت جزءاً من تكويني، وتركت في داخلي سؤالاً لا يهدأ:
كيف يمكن لمن ذاق الظلم أن يتجاهل مظلوماً آخر لمجرد أنه يختلف معه؟
لطالما كتبت عن الوطن والدولة والسياسة والإعلام والمجتمع وتصحيح المسار، وتحدثت عن قضايا الآخرين أكثر مما تحدثت عن نفسي.
نادراً ما كتبت عن غربتي، عن فقدي، عن طفليّ اللذين كانا لي وطناً حين خذلتني أوطان كثيرة، ولا عن السنوات التي عشت فيها وأنا أحاول أن أبدو قوية، بينما كان في داخلي إنسان يحاول فقط أن يجد مكاناً آمناً ليضع فيه تعبه كنت أظن أنني أستطيع أن أخفي حياتي الخاصة خلف عملي العام.
لكنني اكتشفت أن الإنسان قد يُعتقل مرتين.
الأولى خلف القضبان بسبب موقف.
والثانية داخل حياته، حين يصبح الفقد والغربة والصمت سجناً بلا جدران هناك سجون لا تحتاج إلى زنزانة يكفي أن تكون وحيداً في اللحظة التي تحتاج فيها إلى صوت، فلا تجد إلا الصمت ويكفي أن تتحول حياتك الخاصة إلى شأن عام، وأن تصبح الشائعة محكمة، والكلمة تهمة، والظهور الإعلامي سبباً لمراقبة كل خطوة تخطوها وأنا، كامرأة من بيئة محافظة، عرفت نوعاً آخر من المعارك.
لم تكن معركتي يوماً مع هويتي، ولا مع تربيتي، ولا مع قيمي، ولا مع مجتمع أنتمي إليه وأعتز بجذوره لم أطلب حريةً ضد مجتمعي كنت أطلب شيئاً أبسط بكثير:أن أعمل أن أبني مستقبلي بيدي أن أختار المجال الذي أحبه.
أن أُحاسَب على كفاءتي لا على كوني امرأة.
وأن يكون لي الحق في أن أقول: هذا رأيي، دون أن يتحول رأيي إلى ملف أخلاقي يُحاكم عليه صاحبه كنت أطلب حقاً إنسانياً بسيطاً: أن أصنع حياتي بدل أن تُصنع لي.
أنا ذلك العصفور الذي يتحدث عن جناح الحرية، ثم يكتشف أن القفص ليس دائماً من حديد أحياناً يكون القفص كلمة وأحياناً إشاعة.
وأحياناً حكماً إجتماعياً جاهزاً وأحياناً خوفاً من سؤال يتكرر حتى يصبح قانوناً:ماذا سيقول الناس؟وأحياناً يكون القفص عقلاً محدوداً لا يرى في المرأة إلا دوراً واحداً، وكأن طموحها يجب أن يتوقف عند حدود المطبخ.
لكنني لا أكتب لأعلن حرباً على المجتمع.
أنا أؤمن أن المجتمع القوي ليس الذي يسحق الاختلاف، بل الذي يستطيع أن يحفظ قيمه، وفي الوقت نفسه يترك لأبنائه وبناته مساحة لبناء مستقبلهم.فالمرأة لا تحتاج إلى أن تتخلى عن هويتها كي تكون فاعلة، والرجل لا يخسر مكانته حين تعمل المرأة إلى جانبه، والمجتمع لا يفقد قيمه حين يمنح أبناءه حق الاختيار.
واليوم، وأنا أقترب من خريف الأربعين، أجد نفسي واقفة بين ثلاث معارك: مع قضايا الوطن، ومع محاولة تصحيح المسار، ومع حرب نفسية صامتة ترافق كل موقف سياسي أو إعلامي أتخذه وأحياناً أسأل نفسي:
كم مرة يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد؟
لا أعرف الإجابة.لكنني أعرف أنني بدأت مرات كثيرة.بدأت بعد الفقد.وبعد الغربة وبعد الصمت وبعد الخيبات وبعد كل مرة حاول فيها الآخرون أن يختصروني في قصة واحدة، أو أن يجعلوا من حياتي الخاصة تعريفاً وحيداً لي.
ولذلك لا أريد أن أُقدَّم بوصفِي ضحية فالإنسان لا ينبغي أن يبقى أسير ما حدث له.
أريد أن أُقدَّم بوصفِي إنسانة نجت، وخسرت، وتعلمت، وأخطأت، وتألمت، ثم وقفت من جديد وربما هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للثوار جميعاً فالثورة ليست فقط لحظة إسقاط القديم؛ إنها اختبار لما سنفعله بعد سقوطه.
إذا كان الذين دفعوا أثمان الحرية سيُستبعدون من بناء المستقبل، فما الذي تغيّر؟
إذا كان أبناء الشهداء والمعتقلين والمهجّرين سيُطلب منهم الصمت بعدما دفعوا أثماناً لا تُقاس، فمن يكتب الفصل الجديد؟
وإذا كانت المرأة التي عملت وصبرت ودفعت ثمن خياراتها لا تزال مطالبة كل يوم بإثبات أنها تستحق أن يكون لها صوت ومكان في المجال العام، فأين ذهبت كل تلك الكلمات عن الكرامة؟أنا لا أطالب بمقعد ولا أستجدي اعترافاً.ولا أضع أوجاعي في ميزان المزايدات.
أريد فقط ألا تُنسى الأوراق التي سقطت قبل أن تزهر الشجرة.لأن الثورات لا تُقاس فقط بمن ظهر في الصورة الأخيرة، بل بمن بدأ الصورة الأولى.هناك من استشهد ومن اعتُقل ومن تهجّر ومن فقد بيته ومن دفن أحباءه ومن عاش سنوات الغربة ومن صمت لأنه لم يعد يملك طاقة للكلام وهناك من لا يزال يقاتل، لا بسلاح، بل بلقمة عيش، وبقلم، وبفكرة، وبمحاولة يومية كي لا يتحول الوطن إلى نسخة أخرى من السجن الذي هربنا منه وهنا تكمن المفارقة الكبرى قد تسقط سلطة، وتُرفع راية، وتتغير أسماء المؤسسات، وتتبدل الوجوه في المكاتب، ويُقال للناس إن عهداً جديداً قد بدأ.
لكن العهد الجديد لا يصبح جديداً لمجرد أن القديم رحل الجديد يبدأ عندما تتغير الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان عندما لا يصبح القرب من السلطة بديلًا عن الكفاءة ولا يصبح الولاء بديلاً عن العمل ولا تصبح الذاكرة الانتقائية معياراً للانتماء ولا تتحول الاختلافات إلى أبواب للإقصاء ولا يصبح الثائر القديم عبئاً على الدولة الجديدة، ولا يصبح ابن المعتقل رقماً في أرشيف الماضي، ولا تُختزل المرأة في حياتها الخاصة بينما يُغضّ الطرف عن عطائها العام فالثورة التي تغيّر السلطة ولا تغيّر عقلية الإقصاء، تكون قد غيّرت الباب فقط، وأبقت القفص في مكانه وأنا لا أريد قفصاً جديداً ولا أريد أن أعيش بقية عمري وأنا أشرح للناس من أنا لقد تعبت من فكرة أن الإنسان يجب أن يقدم ملفاً كاملاً عن معاناته كي يُسمح له بالكلام لماذا يجب على امرأة فقدت أباها في السجن أن تثبت كل يوم أنها تستحق أن تتحدث عن الكرامة؟
ولماذا يجب على من عاشت الغربة أن تعتذر عن سنواتها؟ولماذا يجب على من فشلت في زواج أو انتهت تجربتها الزوجية أن تُسحب منها أهليتها كإنسانة؟
ولماذا يصبح وجود طفلين في حياة امرأة سبباً لتقييد أحلامها، بدل أن يكونا سبباً إضافياً لكي تحاول بناء مستقبل أفضل؟أنا لا أطلب من أحد أن يحمل أوجاعي.ولا أطلب من أحد أن يصدق كل روايتي.أطلب فقط ألا يستخدم أحد أوجاعي سلاحاً ضدي فالإنسان ليس مجموع ما حدث له والمرأة ليست زواجها والأم ليست مطبخها والثائرة ليست صورة قديمة من مظاهرة والصحفية ليست حياتها الخاصة.
والباحثة ليست ملزمة بأن تكون بلا أخطاء كي تستحق أن تقول رأياً نحن بشر نخطئ نتعلم.
نسقط ننهض ونبدأ من جديد وربما لهذا السبب تحديداً أشعر أن خريف الأربعين ليس نهاية شيء إنه لحظة كشف.
لحظة ينظر فيها الإنسان إلى السنوات التي مضت، لا ليبكي عليها، بل ليسأل: ماذا سأفعل بما بقي؟لقد أخذ مني الفقد أشياء كثيرة.
وأخذت الغربة أشياء أخرى وأخذ الصمت بعضاً من العمر.وأخذت الأحكام الاجتماعية طاقة كان يمكن أن تذهب إلى العمل والبناء.
لكنني ما زلت هنا أكتب وأفكر وأحلم وأحاول.
وهذا وحده يعني أن الحكاية لم تنتهِ.
ربما تكون أوراق كثيرة قد سقطت لكن الشجرة لم تمت وهذا ما أريد أن أقوله لكل من بدأ الثورة، ولكل من دفع ثمنها، ولكل من وجد نفسه اليوم خارج الصورة:
لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم أنكم كنتم مجرد مرحلة وانتهت.
أنتم الذاكرة وأنتم السؤال و أنتم الثمن الذي لا يجوز أن يُمحى من الرواية لكن الذاكرة ليست امتيازاً والمعاناة ليست صكاً يمنح صاحبه حق ظلم الآخرين ولهذا فإن إنصاف الثوار الحقيقي لا يكون بإقصاء من جاء بعدهم، كما أن بناء الدولة لا يكون بمحو من سبقهم المطلوب هو دولة تتسع للجميع دولة تعرف أن النصر السياسي لا يكفي وأن العدالة ليست انتقاماً.
وأن الكرامة ليست شعاراً وأن الحرية لا تُختبر عندما نمنحها لمن يشبهنا، بل عندما نحمي حق من يختلف معنا.وهنا فقط يمكن للثورة أن تنتقل من ذاكرة الألم إلى مشروع الدولة.
أما إن بقيت الأوراق الساقطة تُنسى، وبقي الذين دفعوا الثمن خارج المشهد، فسنظل نكرر السؤال نفسه في كل جيل:من بدأ؟ ومن دفع الثمن؟ ومن قطف الثمار؟
أنا لا أكتب لأكون الورقة الأخيرة بل أكتب لأنني واحدة من أوراق كثيرة سقطت في الطريق.
ورقة تحمل في عروقها شيئاً من ربيعٍ بعيد، وشيئاً من وجع المعتقل، وشيئاً من غبار الغربة، وشيئاً من صمت امرأة حاول المجتمع أن يقنعها بأن سقف أحلامها منخفض.
لكنني تعلمت شيئاً:قد تسقط الورقة، لكنها لا تعني أن الشجرة ماتت.
وقد ينتهي الربيع، لكن الربيع الذي عاش فينا لا يستطيع أحد أن ينتزعه لذلك، حين أنظر اليوم إلى خريف عمري، لا أراه خريفاً للهزيمة.
أراه خريفاً للحقيقة حيث تتساقط كل الأوراق الزائدة، وتسقط معها الخوف، والتبرير، ومحاولات إرضاء الجميع، ويبقى الإنسان أمام نفسه عارياً من كل شيء إلا من قناعته.
وأنا، بعد كل ما حدث، لا أريد أكثر من حق بسيط:أن أعيش ما تبقى من عمري كما أراه أنا، لا كما يراه الآخرون أن أعمل أن أكتب أن أفكر.
أن أخطئ وأتعلم أن أربي طفليّ أن أحمل ذاكرة أبي وأمي دون أن تتحول ذاكرتي إلى سجن.
وأن أبقى قادرة على قول كلمة «لا» حين أرى ظلمًا، وكلمة «نعم» حين أرى حقًا، مهما كان صاحب الظلم أو صاحب الحق فأنا لا أبحث عن حرية بلا قيم أبحث عن كرامة داخل القيم.
ولا أبحث عن تمرد على المجتمع أبحث عن مجتمع لا يضطر أبناءه إلى التمرد كي يعيشوا.
ولا أبحث عن مكان فوق الآخرين أبحث عن مكان بين الآخرين مكان لا تمنحه الشفقة، ولا تصنعه الواسطة، ولا تحميه الضوضاء.
مكان تصنعه الكفاءة، ويحميه القانون، وتضمنه دولة عادلة وهذا، في النهاية، هو المعنى الذي أبحث عنه في كل ما كتبت عن الثورة والدولة والإنسان أن لا ننتقل من سجن إلى سجن أن لا نستبدل قيداً بقيد.
أن لا نحرر الوطن ونترك الإنسان أسيراً .
فما قيمة أن تتغير الخريطة، إذا بقيت الروح محاصرة؟وما قيمة أن يتغير الحاكم، إذا بقيت عقلية الإقصاء؟وما قيمة أن نحتفل بالربيع، إذا كنا ننسى كل خريفٍ سقطت فيه أوراقه؟
أنا واحدة من تلك الأوراق.لكنني لست نادمة على سقوطها فبعض الأوراق تسقط لتصبح ذاكرة وبعضها يسقط ليحمي جذور الشجرة.
وبعضها، حين تذروه الرياح، يحمل بذرة إلى مكان بعيد، فتبدأ هناك حكاية جديدة.
وربما كانت هذه حكايتي ورقة خريفٍ لم تنسَ الربيع ورقة خريفٍ لم تنسَ من بدأ ورقة خريفٍ لم تنسَ من استشهد ورقة خريفٍ لم تنسَ من اعتُقل ورقة خريفٍ لم تنسَ من تهجّر.
ورقة خريفٍ لم تنسَ امرأةً أرادت فقط أن تعمل، وأن تبني مستقبلها، وأن تكون إنسانة قبل أن تكون عنواناً في عيون الآخرين.
ورقة خريف جميع الثوار لأن بعض الثورات لا تحتاج إلى من يكتب نهايتها تحتاج فقط إلى من يتذكر أوراقها.




