
صباح البغدادي
في البداية يجب أن نوضح مسألة محورية وحيوية، وأن نحاول أن نرسّخها في العقل الجمعي للرأي العام قدر الإمكان لإنارة العقل البشري من خمول عدم التفكير والتأمل , مفادها : ” إنّ جميع ما كُتب ويُكتب وسيُكتب مستقبلًا حول ألغاز الحضارة المصرية الفرعونية، وبناء الإهرامات، وحتى ترجمة حجر رشيد، يجب أن يُنظر إليه بوصفه «تأويلات ظنية الدلالة» لا «تأويلات قطعية صارمة»، ما لم يظهر دليلٌ علميٌّ جديد يغيّر المعادلة ويثبت العكس بصورة لا تقبل الجدل أو الشك أو التأويل . فالمراجعة البسيطة والمتأنية ومتابعة الأفلام الوثائقية , تكشف لنا أن معظم علماء الآثار والمستشرقين والخبراء يحملون نظريات وفرضيات وتأويلات متضاربة فيما بينهم، بل إنّك تشعر – إذا تابعت أي برنامج وثائقي حول ألغاز الحضارة الفرعونية وبناء الأهرامات – بأنّ كل عالم آثار يُستضاف من دولة مختلفة يقدّم رؤيةً تناقض ما قبلها، ويفنّد بصورة غير مباشرة ما طرحه غيره من الباحثين، وكأنّهم في معركة حامية الوطيس يسعى كلٌّ منهم لإثبات أنّ تأويله هو الأصح والأكثر وجاهة من غيره لكي تسلط عليه الاضواء كممثل سينمائي او عارض ازياء لا كباحث في التاريخ ؟ .
هذه المعضلة ما تزال قائمة حتى اليوم، بل تتفاقم مع كثرة المواد الوثائقية التي تُنتج سنويًا، ومع تصاعد موجة «الخيال العلمي» التي تتسلّل أحيانًا إلى الخطاب الأثري، خصوصًا في ما يتعلق بالخرافات والأساطير وعلى كيف يمكن للخيال العقلي أن يتقدّم على العلم حين تغيب الأدلة القطعية الصارمة. والأهم من ذلك – وهو ما يستحق الوقوف عنده طويلًا – عدم وجود أي دليل أثري قاطع حتى اللحظة يشير إلى آثار واضحة لأنبياء الله الذين عاشوا في مصر، مثل يوسف الصديق وكليم الله موسى عليهما السلام، رغم كثرة الرسومات والنقوش التي خلّفتها الحضارة المصرية. وهذا الغياب يفتح بابًا واسعًا للأسئلة التي يجب أن تُناقش علميًا في المستقبل القريب، بعيدًا عن التفسيرات المتعجلة أو القراءات المتحيّزة.
وإذا انتقلنا إلى مثال آخر، فإنّ صورة التمثال النصفي للملكة “نفرتيتي” تكشف بوضوح ملامح حادة وبارزة : ” عظام وجنتين مرتفعتين، رقبة طويلة، وخطوط نحتية حادة تمنح التمثال حضورًا قويًا قد يراه البعض أقرب إلى الملامح الرجولية منه إلى الأنثوية” ويُشاع أن هذا الأسلوب كان متّبعًا في تلك الفترة لإظهار القوة والجمال «الإلهي»، وهي فرضية ظنية لا قطعية، لكنها تُظهر كيف أن الفن الفرعوني كان يحمل رمزية تتجاوز الشكل إلى ما وراء المعنى الحقيقي.
وبما أن المصريين القدماء عرفوا وجود الممارسات الجنسية المتنوعة كظاهرة بشرية، دون امتلاكهم مصطلحات حديثة لتصنيف «الهويات الجنسية»، فقد ظلت تلك العلاقات – سواء بين الرجال أو النساء – ممارسات فردية غير معلنة، ومسكوته عنها اجتماعيًا، وربما كانت تُمارس خلف أبواب القصور أو في سياقات خاصة لا تظهر في السجل الأثري. وهذا لا يعني الجزم بانتشارها، بل يعني أن التاريخ لا يقدم لنا صورة واضحة وكاملة لها ، وأن ما نعرفه اليوم هو مجرد شذرات من عالمٍ نعتقده بانه أوسع بكثير مما كتب عنه .
وإذا أردنا تتبّع السلوك نفسه تاريخيًا بعيدًا عن المصطلحات العربية الحديثة، فإنّ الأمر يختلف بين الرجال والنساء. فالتاريخ المدون يربط قصة قوم لوط بمنطقة سدوم وعمورة، في الفترة الزمنية المتعارف عليها – العصر البرونزي المتوسط حوالي 2000 إلى 1900 قبل الميلاد – وهي فترة ما نزال في شكّ كبير حول تفاصيلها، لكننا مضطرون للتعامل معها لأنها الإطار الزمني المتاح في السرديات الدينية والتاريخية. ووفقًا لهذه السردية، فإن تلك المنطقة شهدت أول ظهور جماعي علني لهذا السلوك في التاريخ المدون.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: من هم الملوك الفراعنة الذين عاصروا تلك الحقبة؟ وكيف وصلت إليهم الأخبار؟ فالمسافة الجغرافية بين وادي النيل ومنطقة سدوم ليست بعيدة، والأخبار في تلك الأزمنة – خصوصًا الأحداث المثيرة أو غير المألوفة – كانت تنتشر عبر القوافل والتجار والرحّالة. ومن الطبيعي أن الفضول البشري قد يدفع بعض المجتمعات القريبة إلى اختبار ما يسمعونه، سواء بدافع اللهو أو المتعة أو التجربة، خصوصًا في مجالس الشراب والثمالة التي كانت شائعة في بعض الثقافات القديمة.
أما ما يتعلق بالممارسات بين النساء، فإن أقدم توثيق تاريخي شهير يعود إلى الحضارة اليونانية في القرن السادس قبل الميلاد، في جزيرة لسبوس، على يد الشاعرة صافو التي كتبت قصائد حب وغرام موجّهة للنساء. ومن اسم الجزيرة اشتُق المصطلح الغربي المعاصر للمثليات (Lesbian). كما ظهرت هذه الظاهرة في حضارات أخرى آسيوية وأوروبية وأميركية قديمة، ما يدل على أنها ظاهرة بشرية عامة وليست حكرًا على ثقافة دون أخرى.
ما نريد توضيحه هنا وضمن السياق , هو أن كل ما قيل ويُقال عن كتابة التاريخ القديم – سواء من علماء آثار أو مؤرّخين أو باحثين في الحضارات – ما يزال في إطار «الظنّي» لا «القطعي». والدليل الأكبر على ذلك هو استمرار الجدل المحتدم حتى اليوم حول أول ظهور للإنسان على الأرض: هل كان فعلًا النبي آدم عليه السلام كما تذكر السرديات الدينية؟ أم أن هناك قراءات أخرى في الأنثروبولوجيا وعلم الإنسان القديم؟ هذا الجدل نفسه يثبت أن التاريخ ليس نصًا مغلقًا، بل مشروعًا مفتوحًا لإعادة القراءة والاكتشاف من جديد .
لأننا نؤمن بان مشروعية إعادة قراءة وكتابة التاريخ ؟ ولماذا يحقّ لنا مساءلة السرديات الراسخة ؟ لان كتابة التاريخ نعتبره بدورنا ليس نصًا مغلقًا لا يجوز الاقتراب منه وإنّ التاريخ، على الرغم من هيبته الظاهرة، ليس كتابًا مُحكم الإغلاق، ولا سردية مكتملة الأركان، ولا حقيقة نهائية تُتلى كما تُتلى النصوص المقدّسة. التاريخ مشروعٌ مفتوح، يتغيّر بتغيّر الأدلة، ويتحوّل بتغيّر المناهج، ويتبدّل بتبدّل زاوية النظر. وما نعدّه اليوم «حقائق تاريخية» قد يصبح غدًا مجرّد فرضيات أولية، وما نراه اليوم «تأويلات ظنية» قد يتحوّل لاحقًا إلى حقائق صلبة لا تقبل الجدل.
ولذلك فإنّ طرح أي فكرة جديدة – مهما بدت غريبة أو غير مألوفة – هو حقٌّ مشروع، بل ضرورة معرفية، لأنّ الجمود هو العدو الأول للبحث العلمي، ولأنّ التاريخ لا يتقدّم إلا حين يجرؤ أحدهم على كسر السردية السائدة، وفتح نافذة جديدة على الماضي ولذا ومن هذا المنطلق نستطيع ان نضع بعض من هذه السرديات التاريخية ونوضحها على شكل النقاط التالية على سبيل المثال وليس الحصر , لان اي فكرة يجب ان لا تموت وتدفن بل يجب اعادة احياءها ومناقشتها بأسلوب علمي اكاديمي حتى وان يراها البعض فكرة مجنونة :
أولًا: لماذا يجب أن نتعامل مع التاريخ القديم بوصفه «ظني التأويل»؟:
الحضارات القديمة، ومنها الحضارة المصرية الفرعونية، لا تقدّم لنا سجلًا كاملًا، بل شذرات متفرّقة: نقوش، رموز، تماثيل، بقايا معمارية، نصوص ناقصة، وأحيانًا إشارات مبهمة لا نعرف سياقها. هذه الشذرات تُجبر الباحثين على بناء فرضيات ظنية ، لا حقائق قطعية ، وعلى صياغة تأويلات، لا يقينيات. ولهذا السبب سوف نجد :” اختلافًا جذريًا بين علماء الآثار حول تفسير النقوش وتضاربًا بين المدارس الأكاديمية في قراءة الرموز وتناقضًا صارخا بين الوثائقيات التي تُعرض على الجمهور وتحولا مستمرًا في النظريات كلما ظهرت قطعة أثرية جديدة ” إنّ هذا التناقض نفسه دليلٌ على أن ما نعرفه ليس «قطعًا»، بل «ظنًا»، وأنّ كل قراءة قابلة للمراجعة، وكل فرضية قابلة للنقض، وكل سردية قابلة لإعادة البناء من جديد .
ثانيًا: حقّ الباحث في مساءلة السرديات السائدة:
حين يطرح الباحث سؤالًا جديدًا، فهو لا يعتدي على التاريخ، بل يحرّره من الجمود. وحين يشكّك في تفسيرٍ قديم، فهو لا يهدم المعرفة، بل يفتح بابًا لمعرفة أعمق. وحين يقول: «ربما أخطأنا في فهم هذا النقش أو هذا الحدث»، فهو يمارس أرقى أشكال التفكير العلمي. لانّ مشروعية إعادة قراءة التاريخ تقوم على ثلاثة أسس راسخة ومن خلال تبيان :” نقص الأدلة فلا توجد حضارة قديمة مكتملة الوثائق والابحاث ؟ بالإضافة الى تعدّد التأويلات لان كل نقش يمكن أن يُقرأ بأكثر من طريقة مغايرة وتغيّر المناهج العلمية لان ما كان مقبولًا قبل خمسين عامًا لم يعد مقبولًا اليوم ” وبناءً على ذلك، فإنّ طرحنا لفكرة جديدة حول الحضارة المصرية، أو حول غياب آثار الأنبياء، أو حول طبيعة الممارسات الاجتماعية في تلك الأزمنة، ليس خروجًا عن العلم، بل امتدادًا طبيعيًا له.
ثالثًا: التاريخ ليس ملكًا للمؤرخين فقط … بل ملكٌ اجمع للعقل الإنساني :
هناك خطأ شائع في الثقافة العامة: الاعتقاد بأنّ المؤرخين وعلماء الآثار يمتلكون الحقيقة المطلقة دون غيرهم ، وأنّ ما يقولونه هو الفصل الختام النهائي. ولكن الحقيقة أن المؤرخين أنفسهم يختلفون، ويتجادلون، وينقضون بعضهم بعضًا، ويعيدون كتابة التاريخ كلما ظهرت معلومة جديدة. ولذلك فإنّ التاريخ ليس ملكًا لهم، بل ملكٌ للعقل الإنساني كلّه. ومن حقّ أي باحث أو مفكّر أو قارئ أن يسأل، وأن يشكّ، وأن يعيد النظر، وأن يطرح فرضيات جديدة، ما دام يفعل ذلك ضمن إطار الاحترام العلمي، ودون ادّعاء القطع.
رابعًا: لماذا تبدو بعض الأفكار «مجنونة» في البداية؟:
لأنّ العقل الجمعي يميل إلى الراحة، ويخشى التغيير، ويحبّ السرديات الجاهزة التي لا تتطلب جهدًا. ولذلك فإنّ أي فكرة جديدة تُقابل أولًا بالرفض، ثم بالدهشة، ثم بالنقاش، ثم بالقبول التدريجي، ثم تتحوّل لاحقًا إلى جزء من المعرفة السائدة.
هكذا حدث مع:
نظرية دوران الأرض حول الشمس.
اكتشاف القارة الأميركية.
فكّ رموز اللغات القديمة.
إعادة قراءة تاريخ الشرق الأدنى القديم.
كل هذه الأفكار كانت تُعدّ «جنونًا» في بداياتها، ثم أصبحت اليوم بديهيات.
خامسًا: لماذا يحقّ لنا طرح مثل تلك الفكرة حول المثلية الجنسية للمكلة نفرتيتي؟
لأنّ فكرة بحد ذاتها لا تدّعي القطع، ولا تفرض نفسها على أحد، ولا تتجاوز حدود العلم، بل تقول ببساطة: «دعونا نعيد التفكير… دعونا نعيد القراءة… دعونا نعيد النظر في ما اعتُبر حقائق نهائية.»وهذا هو جوهر البحث العلمي ويحقّ لنا طرح هذه الفكرة , لأنّ التاريخ ليس مكتملًا , والأدلة ليست نهائية والسرديات ليست مقدّسة , والبحث العلمي يقوم على الشكّ قبل اليقين “
ويحقّ لك طرح فكرتك حتى انته أيها القارئ أذا كنت مهتم في مثل تلك المواضيع , لأنّك لا تهدم المعرفة، بل توسّعها. ولا ترفض التاريخ، بل تعيد قراءته. ولا تتجاوز العلم، بل تمارس العلم في أعلى درجاته ويتمثل بـ : السؤال ؟ كيف ولماذا وما السبب ؟
سادسًا: إعادة قراءة التاريخ ليست ترفًا… بل ضرورة حضارية :
الأمم التي لا تعيد قراءة تاريخها تبقى أسيرة الماضي، والأمم التي تقبل السرديات دون مساءلة تبقى رهينة الروايات التي كتبها الآخرون. أما الأمم التي تجرؤ على إعادة التفكير، فهي الأمم التي تصنع مستقبلها بوعي، وتبني هويتها على أساس متين، لا على روايات متوارثة بلا فحص.
ولذلك فإنّ مشروعنا الفكري – مهما بدا غير مألوف او مجنونا – هو جزء من حركة معرفية عالمية تسعى إلى: ” تفكيك السرديات القديمة وإعادة بناء التاريخ على أسس علمية وتحرير العقل من التلقّي السلبي , وفتح باب جديد لفهم الحضارات القديمة بعيدًا عن الأساطير والخرافات والخيال غير المنضبط , ولان التاريخ يولد من جديد كلما وُلد سؤال جديد ؟ مفاده : إنّ التاريخ لا يعيش في الماضي، بل يعيش في السؤال. وكل سؤال جديد هو ولادة جديدة للتاريخ. ولذلك فإنّ فكرتنا ليست مجرّد رأي، بل هي خطوة في مشروع أكبر: مشروع إعادة قراءة الماضي، وتحرير الوعي من السرديات الجاهزة، وفتح بابٍ واسع أمام العقل ليبحث، ويحلّل، ويعيد البناء”.
إنّ مشروعية الفكرة ليست بحاجة إلى دفاع، بل إلى استمرار. وما دمنا نبحث، ونسأل، ونعيد النظر، فأننا نمارس العلم في أرقى صوره.
إنّ طرح مثل هذه الفكرة ليس خروجًا عن إطار البحث العلمي، بل هو ممارسة مشروعة وضرورية لإعادة فحص المسلّمات التاريخية التي ترسّخت عبر عقود من التكرار دون تمحيص كافٍ. فالتاريخ القديم، بما فيه تاريخ الحضارات الكبرى كالمصرية الفرعونية، ما يزال حقلًا مفتوحًا للتأويل، تتداخل فيه الفرضيات مع القراءات، وتتنازع فيه المدارس الفكرية حول تفسير الأدلة الناقصة والمتشظّية. ومن حق أي باحث أو مفكّر أو قارئ أن يسائل أين الحقيقية من شيوع مثل تلك السرديات، وأن يضعها تحت مجهر النقد، وأن يطرح فرضيات جديدة مهما بدت غير مألوفة أو حتى جنونية لدى البعض ، ما دامت لا تدّعي القطع ولا تتجاوز حدود الاحترام العلمي. إنّ إعادة التفكير في ما اعتُبر «حقائق» هو جوهر التقدّم المعرفي، وهو ما فعله كبار العلماء عبر التاريخ حين تجرّأوا على مساءلة ما كان يُظنّ أنه ثابت لا يتغيّر. ولذلك فإنّ طرحنا لهذه الفكرة ليس مجرّد رأي، بل هو مساهمة في فتح أفق جديد للنقاش، وتذكير بأنّ التاريخ ليس نصًا مقدّسًا منزل من السماء ، بل مشروعًا مستمرًا لإعادة القراءة والاكتشاف والبحث وتقصي الحقائق ، وأنّ كل فرضية – مهما بدت غريبة – تستحق أن تُناقش ما دامت تستند إلى عقلٍ يبحث، لا إلى ادّعاءٍ يجزم بصورة قطعية الدلالة ؟
يتبع لمزيد من البحث والتوثيق …
