سبتمبر 29, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع صوت الأمة العراقية عن من البوعيثة إلى التجنيس والإيواء السياسي: حين تتحول بغداد إلى ساحة لمشاريع النفوذ للكاتب رياض سعد: لم تعد بعض التحركات السياسية التي تجري تحت عناوين المصالحة الوطنية، واستيعاب النازحين، ومنح الجنسية العراقية، تثير تساؤلات تتعلق بالسيادة والأمن الوطني فحسب، بل باتت تستدعي التوقف عند طبيعة المشاريع التي تقف وراءها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، ولا سيما حين تتزامن مع استقدام جماعات متشددة من خارج الحدود، وتوفير الغطاء السياسي والإداري لإسكانها في مناطق حساسة من البلاد. إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في استقبال السوريين أو منح الجنسية لمن يستحقها وفق القانون، فذلك شأن إنساني وقانوني تحكمه ضوابط الدولة ومصالحها، وإنما في احتمال استغلال هذه الملفات لأغراض سياسية وأمنية، من خلال توطين جماعات ذات ارتباطات أيديولوجية متطرفة، أو توفير بيئات حاضنة لها، أو توظيفها في إعادة تشكيل التوازنات السكانية والسياسية، بما يهدد أمن العراق واستقراره. ولعل ما أثير بشأن منطقة البوعيثة في بغداد، وما رافق الحادثة الأمنية فيها من اتهامات وتحذيرات، يعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية عن طبيعة التحركات التي تجري في محيط العاصمة، وعن دور بعض القوى السياسية في استقدام أشخاص وجماعات من مناطق سورية وعراقية مختلفة، وإيوائهم في مناطق زراعية وسكنية، بعيداً عن الرقابة الأمنية والإدارية الكافية. البوعيثة حين تتجاوز القضية حدود الحادثة الأمنية: لم تكن حادثة الاعتداء على القوات الأمنية في منطقة البوعيثة، في منطقة الدورة جنوبي بغداد، مجرد واقعة أمنية عابرة في نظر من أثاروا ملابساتها، بل تحولت إلى مدخل لطرح تساؤلات عن وجود تحركات منظمة، يُقال إنها استمرت سنوات، واستهدفت إيجاد بؤر سكانية ذات توجهات متشددة في محيط العاصمة. وقد تضمنت المعلومات المتداولة اتهامات لشخصيات سياسية، من بينها خميس الخنجر ويحيى العيثاوي، بالعمل على استقطاب أعداد من الأشخاص القادمين من الأنبار وتكريت والموصل، وإسكانهم في مناطق زراعية، مع الحديث عن استقدام مئات السوريين المنتمين إلى التيار الجولاني وتوطينهم في المنطقة ذاتها. كما أثيرت اتهامات بشأن دعم جماعات سلفية متشددة، وتوفير غطاء سياسي لتحركاتها، وإنشاء مؤسسات دينية يُخشى توظيفها في نشر خطاب تكفيري وإقصائي. وإذا صحت هذه المعلومات، فإننا لا نكون أمام مجرد تجاوزات عقارية أو مخالفات إدارية، بل أمام قضية تتصل مباشرة بالأمن الوطني، وباحتمال استغلال النفوذ السياسي لتأسيس تجمعات بشرية يمكن توظيفها في صراعات مستقبلية، أو تحويلها إلى حواضن للتطرف والعنف. ومع ذلك، فإن خطورة هذه الاتهامات تفرض على المؤسسات المختصة التحقيق فيها وإعلان نتائجها للرأي العام، بدلاً من تركها نهباً للشائعات أو التوظيف السياسي، فالأمن الوطني لا يُصان بالاتهامات المجردة، وإنما بالأدلة والإجراءات القانونية والمحاسبة القضائية.

ويستطرد الكاتب رياض سعد قائلا: إن تحويل مناطق بغداد وأطرافها إلى ساحات لتجميع جماعات ذات ولاءات أيديولوجية متشددة، إن ثبت وقوعه، يمثل تهديداً لا يمكن التعامل معه بوصفه خلافاً سياسياً عابراً، لأن العاصمة ليست ملكاً لحزب أو مكوّن أو شخصية سياسية، بل هي مركز الدولة ورمز وحدتها، وأمنها مسؤولية وطنية مشتركة. كما أن السماح لأي جهة سياسية باستغلال نفوذها لتأسيس بؤر نفوذ موازية لمؤسسات الدولة يفتح الباب أمام تكرار تجارب مؤلمة، عانى العراقيون من نتائجها، حين تحولت بعض المناطق إلى ملاذات للجماعات المسلحة، وممرات للعمليات الإرهابية، ومراكز لتجنيد المتطرفين. وليس من الحكمة انتظار وقوع الكارثة حتى تتحرك المؤسسات الأمنية، كما لا يجوز استخدام المخاوف الأمنية ذريعة لاستهداف الأبرياء أو التضييق على النازحين واللاجئين الذين لم يثبت تورطهم في أي جريمة؛ المطلوب هو دولة تميز بين الضحية والمجرم، وبين طالب الحماية وصاحب المشروع التخريبي، وتطبق القانون على الجميع دون استثناء.

الكاتب والباحث في الشأن العراقي رياض سعد يُعد من الأصوات الفكرية والسياسية النشطة التي تُعنى بتشخيص أزمات الدولة العراقية وبنية النظام السياسي في بغداد، وله سلسلة طويلة من المقالات والدراسات النقدية التي تنشر بشكل دوري في منصات ومواقع عربية وعراقية متعددة. تتمحور تحذيرات وطروحات رياض سعد المتعلقة بالوضع في بغداد والعراق عموماً حول عدة ثوابت ومفاهيم نقدية أبرزها:1. أزمة العلاقة بين المواطن والدولة: يُحذر رياض سعد باستمرار من تحوّل دور المؤسسة الحكومية في بغداد من “حاضنة وخدمة للمواطن” إلى جهة تشكل خصماً أو عبئاً عليه، منتقدًا سياسات التخطيط المرتبك وسوء الإدارة، وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات، فضلاً عن انعكاسات أزمات سلم الرواتب والبطالة والفقر على الشارع العراقي.2. نقد المحاصصة الحزبية وتهميش الكفاءاتيركز “سعد” في تحليلاته على خطورة تغليب الولاءات الحزبية والضيقة على حساب الكفاءة والخبرة الوطنية، وهو ما يرى أنه أسهم في تراجع الأداء المؤسساتي وهجرة العقول العراقية، وإضعاف هيبة الدولة لصالح مراكز قوى حزبية أو فئوية.3. إشكالية الهوية والتبعيةيطرح الباحث مقاربات عميقة حول مفهوم “الهوية الوطنية العراقية”، محذراً من مخاطر التبعية السياسية أو الأيديولوجية للخارج، وداعياً إلى ضرورة بناء مشروع وطني جامع يعيد للأغلبية العراقية والأصيلة دورها، ويرفض كل أشكال الاستلباب الفكري أو السياسي الذي يجعل القرار العراقي رهيناً لمعادلات إقليمية أو دولية.4. رفض الخطابات الاستبدادية والتبريرية في مقالاته ذات الطابع الفكري والاجتماعي (مثل نقده لمقولات من قبيل “العراقي لا ينفع معه إلا السوط”)، يحذر رياض سعد من ترسيخ ثقافة العنف أو القمع المجتمعي والسياسي، داعياً إلى تفكيك الخطابات التي تحاول شرعنة الاستبداد أو تبرير فشل الإدارات المتعاقبة على إدارة العاصمة بغداد ومدن العراق الأخرى.

يقدم الإمام أبو جعفر محمد بن الحسن الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتابه العمد (التبيان في تفسير القرآن) تحليلاً وافياً ومفصلاً لقوله تعالى في سورة النساء: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا” (النساء 71) ويمكن تلخيص أبرز ما ذكره الشيخ الطوسي في تفسير دلالات هذه الآية الكريمة وفك غامض ألفاظها وفق منهجه الأصولي والتفسيري كالتالي: 1. معنى “خذوا حذركم” يوضح الشيخ الطوسي أن “الحذر” هو التحرز والتوقي من الأعداء. المقصود به: أخذ الأسلحة والعدد والآلات التي يتقδى بها المسلمون من مكر عدوهم وغدرهم، لئلا يؤخذوا على غرة، وهو أمر بالحزم وتجنب التفريط. 2. تفسير “فانفروا ثبات” “النفر” هو الخروج للجهاد والحركة لقتال العدو. “ثبات” -بفتح الثاء وتشديد الباء أو تخفيفها بحسب القراءات واللغة- هي جمع “ثُبة”. يبين الطوسي ومن قبله أهل اللغويين أن “الثبة” هي الجماعة أو العصبة من الناس. وعليه يكون معنى الآية: اخرجوا إلى عدوكم جماعات متفرقة أو سرايا متساندة (فرقة بعد فرقة، أو سرية إثر سرية) بحسب ما تقتضيه مصلحة القتال والتدبير العسكري. 3. معنى “أو انفروا جميعًا” أي إن اقتضت الحاجة أو المصلحة العامة، فانفروا كتلّة واحدة وجيش مكثف مجتمع لا تفريق فيه؛ إيقاعاً للرهبة في نفوس الأعداء وتكثيفاً للسواد، ومبالغة في التحرز والحماية. من ملامح منهج الشيخ الطوسي في الآية: الاعتبار اللغوي والنحوي: يُعنى الطوسي ببيان أصل الألفاظ المفردة (مثل جمع “ثبة” وإرجاعها لمبانيها اللغوية) مستشهداً بشواهد العرب اللغوية والنحوية. الربط السياقي: يربط الآية بما بعدها من الآيات التي تكشف عن أحوال المناضِلين والمبطّئين (كقوله تعالى في الآية التي تليها: “وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ”)، ليوضح أن الخطاب يهدف إلى بناء اليقظة العسكرية والاحتراز الدائم للمجتمع الإسلامي الناشئ في وجه التربص والتآمر.