
حين تُغتنم الدولة…النصر ليس صكّ ملكية للبعض
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
أخطر لحظة بعد سقوط نظام ليست لحظة سقوطه الأخطر هو اليوم الذي يقف فيه المنتصر أمام الدولة، لا ليسأل: كيف نبنيها؟ بل: ماذا سنأخذ منها؟هنا تبدأ الكارثة.
فالانتصار السياسي لا يمنح أحداً ملكية الدولة، والثورة لا تمنح أصحابها صكوكاً دائمة على مؤسساتها، والتضحيات ـ مهما عظمت ـ لا تعني أن الوظيفة العامة أصبحت مكافأة شخصية فالدولة ليست غنيمة.
لكنها قد تتحول إلى غنيمة عندما يصبح المنصب تعويضاً للبعض، والوظيفة مكافأة، والمؤسسة مساحة نفوذ، والقرار امتيازاً لمن وصل أولاً ومن بقي وهنا يبدأ الانحراف من مفهوم بناء الدولة إلى مفهوم اقتسام الدولة.
الفرق بينهما ليس لغوياً ،في بناء الدولة، تكون المؤسسة أقوى من الشخص، والقانون أعلى من الولاء، والكفاءة معياراً للتكليف، والمواطن صاحب حق ،أما في اقتسام الدولة، يصبح السؤال الأول: من معنا؟ ومن كان معنا؟ ومن يستحق لأنه ضحّى؟ ومن يجب أن يُقصى لأنه لم يكن في الصف نفسه؟
قد يبدو هذا المنطق مفهوماً في الأيام الأولى للتحول لكنه إذا تحول إلى قاعدة حكم، فإنه يعيد إنتاج المشكلة نفسها التي جاءت الثورة لتغييرها: احتكار القرار على أساس الانتماء.
فقد تسقط طبقة سياسية كاملة، ثم تظهر طبقة أخرى تستخدم الأدوات ذاتها، ولكن بأسماء جديدة وهنا يصبح أخطر ما في المرحلة الانتقالية ليس عودة الماضي كما كان، بل إعادة إنتاجه داخل الحاضر بصورة مختلفة ومن حق من ضحوا أن تُحفظ حقوقهم ومن حق المعتقلين والمهجرين وأسر الضحايا أن يحصلوا على العدالة ومن حق من تحملوا كلفة التغيير أن يُعترف بتضحياتهم.
لكن الدولة لا تستطيع أن تتحول إلى صندوق مكافآت فليس كل من ضحى يصلح لإدارة مؤسسة.
وليس كل من شارك في السياسة يصلح لإدارة الاقتصاد.
وليس كل من حمل مشروعاً وطنياً يمتلك بالضرورة الخبرة اللازمة لإدارة جهاز إداري معقد وهذا ليس انتقاصاً من أحد ! بل هو احترام للتضحية نفسها.
لأن أكبر إساءة لمن ضحوا هي أن يُستخدم تاريخهم ذريعة لبناء دولة ضعيفة.
الدولة القوية لا تسأل الموظف أولاً:مع من كنت؟بل تسأل:ماذا تعرف؟
ماذا تستطيع؟
ماذا قدمت؟
وهل تستطيع أن تعمل تحت القانون؟
هذه ليست أسئلة بيروقراطية إنها أسئلة تأسيسية فحين تتقدم الكفاءة، تبدأ المؤسسة.
وحين يتقدم الولاء على الكفاءة، تبدأ هشاشة الدولة وحين يصبح القرب من مركز القرار أهم من القانون، تبدأ صناعة طبقة جديدة من أصحاب الامتيازات ومع الوقت، تتحول الامتيازات إلى حقوق مكتسبة، ويتحول أصحابها إلى قوة تدافع عن مواقعها، وتصبح الدولة نفسها رهينة لمن كان يفترض أن يعمل من أجلها لهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي مرحلة انتقالية ليس عدد المناصب التي تغيرت، ولا عدد الوجوه الجديدة التي ظهرت.
الاختبار هو:هل أصبحت المؤسسة أقوى؟
هل يستطيع المواطن الوصول إلى حقه دون واسطة؟هل يستطيع الموظف الاعتراض دون خوف؟هل يستطيع الكفء الوصول إلى موقعه دون أن يكون جزءاً من شبكة نفوذ؟
هل يستطيع المختلف سياسياً أن يبقى مواطناً كامل الحقوق؟
وهل يستطيع المنتصر نفسه أن يقبل بأن القانون الذي يحميه اليوم قد يقيّده غداً؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام بداية دولة.
أما إذا أصبح شعار المرحلة: نحن انتصرنا، إذن لنا الدولة، فهذه ليست دولة جديدة.
إنها فقط غنيمة جديدة بأسماء جديدة.
الثورة قد تفتح باب التغيير لكن المؤسسات هي التي تمنع التغيير من التحول إلى فوضى.
والنصر قد يغيّر السلطة لكن القانون وحده يستطيع أن يغيّر الدولة.
لذلك، فإن السؤال الأخطر بعد كل انتصار ليس:من سيحكم؟
بل:هل سيحكم القانون الجميع؟
فالدولة التي تصبح غنيمة للمنتصر اليوم، قد تصبح غنيمة لمنتصر آخر غداً.
أما الدولة التي تصبح ملكاً للقانون، فلا يحتاج أحد إلى أن ينتصر عليها كي يعيش فيها.




