أكتوبر 1, 2026
IMG_1484

ثقب السفينة السورية( أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

هناك لحظة في حياة الدول يصبح فيها الخلاف السياسي أقل خطراً من طريقة إدارة الخلاف وسوريا اليوم تقف أمام هذه اللحظة.
بعد سنوات الحرب والانقسام والدمار، لا تملك البلاد رفاهية الدخول في معارك جديدة تحت عناوين قديمة أو شعارات جديدة. ولا تملك ترف أن يتحول الغضب إلى سياسة، والانتقام إلى مشروع، والخصومة إلى محاولة لإضعاف الدولة نفسها من يريد تغيير السلطة فليغيّرها بالسياسة. ومن يريد محاسبة المسؤول فليحاسبه بالقانون. أما أن تُثقب السفينة لأن القبطان لا يعجبك، فهذه ليست معارضة… بل مقامرة بمصير الجميع.
هذه هي النقطة التي يجب أن تُقال بوضوح، بلا مواربة ولا مجاملات سوريا ليست ملكاً لحكومة، ولا لحزب، ولا لجماعة، ولا لمنطقة، ولا لمن يملك النفوذ اليوم. سوريا ملك السوريين، والدولة التي يجري بناؤها الآن يجب أن تكون أكبر من الأشخاص وأبقى من الحكومات وأقوى من المزاج السياسي العابر.
نعم، من حق السوري أن ينتقد ومن حقه أن يعترض ومن حقه أن يطالب بتغيير مسؤول أو حكومة أو سياسة ومن حقه أن يسأل: أين المال العام؟ أين الكفاءة؟ أين العدالة؟ أين المحاسبة؟ ولماذا تتخذ بعض القرارات بهذه الطريقة؟بل إن الصمت عن الأخطاء في مرحلة بناء الدولة قد يكون أكثر خطراً من الخطأ نفسه لكن هناك فاصلاً لا يجوز إسقاطه: انتقاد الدولة ليس هدم الدولة، ومحاسبة المسؤول ليست الانتقام من المؤسسة، ومعارضة الحكومة ليست إعلان حرب على الوطن وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة السورية فمنطق «إما أن تكون الدولة كما أريد، أو لا أريد لها أن تكون» هو منطق لا يبني جمهوريات، بل يصنع فراغات. والفراغ، في بلد خرج من حرب طويلة، لا يبقى فراغاً؛ تدخل إليه المصالح، وشبكات النفوذ، والتدخلات الخارجية، والاقتصاد غير الرسمي، والسلاح، والخوف، ثم يصبح إخراجها أكثر صعوبة من منعها في البداية لقد تعلم السوريون درساً قاسياً: عندما تضعف الدولة، لا يدفع الثمن السياسيون وحدهم يدفعه الموظف والعامل والطالب والجندي والتاجر والأم التي تريد مدرسة آمنة لأطفالها والعائلة التي تريد طريقاً آمناً ولقمة عيش وبلداً لا تضطر إلى الهروب منه.لذلك، فإن العبث بأمن الدولة أو مؤسساتها أو وحدتها الاجتماعية ليس بطولة سياسية، مهما كانت الشعارات التي تغطيه.
الوطن ليس ورقة ضغط ولا يجوز أن يصبح المواطن رهينة في صراع بين مراكز النفوذ.
ولا يجوز أن تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لتصفية الحسابات ولا يجوز أن يصبح التعيين والإقصاء والمعلومة والإعلام والمال العام أسلحةً في معركة سياسية مفتوحة.
الدولة التي تريد أن تعيش تحتاج إلى قاعدة بسيطة: المؤسسة فوق الشخص، والقانون فوق النفوذ، والمصلحة الوطنية فوق الخصومة.لكن حماية الدولة لا تعني منحها شيكاً على بياض وهذه أيضاً حقيقة يجب قولها بوضوح الدولة التي تطلب من المواطن أن يحميها، مطالبة بأن تحميه والدولة التي تطلب منه احترام القانون، مطالبة بأن تطبق القانون بعدالة والدولة التي تطلب منه الثقة، مطالبة بأن تقدم له أسباباً حقيقية للثقة.
لذلك فإن النقد المسؤول ليس عدواً للدولة؛ بل يمكن أن يكون إحدى أدوات تصحيحها. والخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول النقد إلى رغبة في الانهيار، أو عندما يتحول الدفاع عن الدولة إلى ذريعة لإسكات كل نقد.
بين الفوضى والاستبداد توجد دولة وهذه الدولة هي التي تحتاج سوريا إلى بنائها.
دولة تستطيع أن تسمع المعارض قبل أن يتحول إلى خصم، وتحاسب المسؤول قبل أن يتحول الفساد إلى منظومة، وتصحح الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة، وتفتح المجال أمام الكفاءة قبل أن تتحول المؤسسات إلى ساحات ولاء أما الانتقام، فإنه لا يبني دولة إنه يبني ضحايا جدداً وسوريا دفعت ما يكفي.
لقد حان الوقت لأن نفهم أن مرحلة ما بعد الحرب ليست مسابقة لمعرفة من سينتقم من الآخر، بل اختبار لمعرفة من يستطيع أن يمنع الماضي من ابتلاع المستقبل ولهذا، فإن رسالتي ليست إلى طرف سياسي بعينه، ولا إلى منطقة بعينها، ولا إلى مؤيدي السلطة أو معارضيها.
رسالتي إلى الجميع:لا تثقبوا السفينة.
اختلفوا.عارضوا.حاسبوا.اكشفوا الفساد.طالبوا بالإصلاح.اضغطوا من أجل العدالة.
لكن افعلوا ذلك وأنتم واقفون على أرض الدولة، لا وأنتم تحاولون إحراقها تحت أقدامكم.فالذين يظنون أنهم يستطيعون إغراق السفينة ثم الوقوف على الشاطئ مخطئون.
في سوريا، لا يوجد شاطئ منفصل لأحد.
إما أن نعبر هذه المرحلة بدولة تتسع للجميع، أو ندفع جميعاً ثمن إعادة إنتاج الفوضى وفي نهاية كل معركة سياسية، ستتغير الوجوه وتبقى البلاد وسيُنسى كثير ممن تصارعوا على السلطة لكن التاريخ لن ينسى من حافظ على السفينة حين كان البحر هائجاً، ومن قرر أن يجعل من الوطن دولةً قابلة للحياة، لا ساحةً مفتوحةً للانتقام سوريا لا تحتاج مزيداً من الثقوب سوريا تحتاج من يمسك بزمام السفينة.