
حين تتحوّل الدعوة إلى حلبة…
خطر إدمان المناظرات والاشتغال الدائم بالمخالفين
بقلم : الأستاذ دريد ابراهيم الموصلي
ليس أخطر ما يصيب طالب العلم أن يجهل مسألة؛ فقد يتعلمها.
ولا أن يخطئ في جواب؛ فقد يرجع عنه.
لكن من أخطر ما قد يصيبه أن يتغيّر قلبه وهو يظن أنه ما زال يخدم الدِّين.
يبدأ الطريق أحياناً بنية صالحة: شُبهة تحتاج إلى جواب، باطل يحتاج إلى كشف، ومخالف يحتاج إلى بيان. فيقرأ الداعية، ويبحث، ويردّ، ويناظر.
ثم يكثر ذلك.
ثم يصبح الردُّ هو أكثر ما يقرأ من أجله، والمناظرة أكثر ما يستعد له، والمخالف أكثر من يشغل تفكيره.
حتى يستيقظ يوماً وقد تغيّرت خريطة اهتمامه كلها:
لم يعد يسأل: ما الذي يحتاجه الناس ليعرفوا الله؟
بل: ما الشُّبهة الجديدة؟
لا يسأل: كيف أزيد الإيمان في القلوب؟
بل: ماذا قال الخصم، وكيف أهدم كلامه؟
لا يفتش كثيراً عن باب يرقّق به القلوب، بقدر ما يفتش عن مقطع جديد يرد عليه.
وهنا تكمن المشكلة.
فالمناظرة قد تكون باباً من أبواب نُصرة الحق، ولكنها ليست الدِّين كله.
والرد على المخالف قد يكون واجباً في موضعه، ولكن الأمة لا تُبنى كلُّها في غرف الجدال.
هناك قرآن ينبغي أن يُعلَّم،
وقلوب ينبغي أن تُزكَّى،
وجاهل ينبغي أن يُرفق به،
وشاب ينبغي أن يُنتشل من الغفلة،
وأسرة تحتاج إلى إصلاح،
ومذنب يحتاج أن يعرف طريق العودة إلى الله.
فإذا ابتلعت المناظرات وقت الداعية وعقله وقلبه، وقع انقلاب خفي:
كان المخالف ملفّاً من ملفات دعوته، فأصبحت الدعوة كلها ملفّاً داخل معركته مع المخالف.
وهذا مرض نراه يتسع اليوم.
ظهر من المحاورين من يكاد يكون مشروعه كله:
مخالف، ورد، وتعقيب، ومناظرة، ومقطع جواب، ورد على الرد، وتعليق على التعقيب.
تنتهي مناظرة فتبدأ أخرى.
ويسكت خصم فيُبحث عن خصم جديد.
حتى يصبح الجمهور نفسه لا ينتظر من الداعية أن يزيده إيماناً، بل ينتظر: من الخصم القادم؟
وهنا ينبغي الخوف؛ ليس على الخصم وحده، بل على الداعية نفسه وعلى جمهوره أيضاً.
الخطر الأول: أن يتربّى القلب على الخصومة
من يكثر الوقوف في ساحة الجدال قد يدخل إليه شيء من أخلاقها دون أن يشعر.
يصبح سريع الاستنفار، شديد الترقب للزلات، حاضر الاعتراض، يبحث في الكلام عن الثغرة قبل أن يبحث فيه عن موضع الصواب.
ومع الزمن قد يصبح الانتصار في النقاش لذيذاً للنفس.
لذة أن يتوقف الخصم.
لذة أن يعجز عن الإجابة.
لذة أن ينتشر المقطع الذي ظهر فيه مرتبكاً.
لذة تعليقات الجمهور: أفحمته، أسكته، دمّر حجته.
وهذه منطقة شديدة الخطر على الإخلاص؛ لأن النفس تستطيع أن تختبئ خلف أقدس العبارات:
أنا أنصر الحق.
وقد يكون في عمله نصرة للحق فعلاً، ولكن السؤال الذي يحتاج شجاعة أشد من شجاعة المناظرة هو: كم في هذا العمل لله، وكم فيه للنفس؟
فالخصم قد يُهزم، بينما تكون النفس في الداخل قد انتصرت عليك.
الخطر الثاني: أن يتحول العلم من غذاء إلى ذخيرة
وهذا من أخفى الآفات.
يفتح كتاب التفسير، فتذهب عينه إلى ما يصلح حجة في المناظرة.
يقرأ العقيدة، فيجمع الإلزامات.
يدرس الحديث، فيحفظ مواضع الرد.
يطالع كلام العلماء، فيضع في ذهنه: هذه أحتاجها إذا قالوا كذا.
وهكذا، من غير أن يشعر، تتغير علاقته بالعلم.
كان يقرأ الآية ويسأل: ماذا يريد الله مني؟
فصار يقرأها ويسأل: كيف أستخدمها ضد غيري؟
كان العلم مرآة يرى فيها عيوب نفسه، فأصبح نافذة يراقب منها عيوب الآخرين.
وهذه خسارة عظيمة لطالب العلم؛ فقد يزداد علمه الذي على لسانه، بينما يقل نصيب قلبه منه.
الخطر الثالث: أن يصبح المخالف محوراً للدعوة
وهذه مفارقة مؤلمة:
قد يكره الإنسان فكراً ما، ثم يستهلك سنوات عمره كلها وهو يدور حوله.
يقرأ كتبه.
يتابع رموزه.
يشاهد مقاطعه.
يراقب حساباته.
يحلل كلماته.
ثم يرد عليه صباحاً ومساءً.
حتى يحتل المخالف مساحة من قلبه وعقله ربما لم يحتلها مشروعه الإيماني والتربوي نفسه.
فأي انتصار هذا إذا استطاع خصمك أن يحدد لك ماذا تقرأ، ومتى تتحدث، وفيم تفكر، وبماذا ينشغل جمهورك؟
الخطر الرابع: صناعة جمهور لا يعيش إلا على الصراع
وهذا ربما كان أخطر أثر على المشاهدين.
حين يتابع الشاب عشرات المناظرات، يتعلم من حيث لا يشعر أن التدين يعني امتلاك جواب لكل خصم.
فيعرف شبهات الملحدين، وطعون الطوائف، وخلافات الفرق، ومزالق الدعاة، وأخطاء الجماعات… لكنه قد لا يعرف كيف يخشع في ركعتين.
يعرف كيف يكتشف المغالطة المنطقية في كلام مخالفه، ولا يعرف كيف يكتشف الكِبر في قلبه.
يعرف عشر حجج يهزم بها خصمه، ولا يملك حجة واحدة يهزم بها شهوته.
يمضي ساعتين في مشاهدة مناظرة، ويثقل عليه أن يجلس عشرين دقيقة مع القرآن.
وهنا نكون أمام مفارقة مخيفة: عقل ممتلئ بالشُّبهات..



