
سجاد تقي كاظم
بسم الله الرحمن الرحيم
حين يصبح (الفساد وسيلة للنجاة) من دولة مهددة بالانقراض..ولماذا (اسقاط صدام ثم هزيمة القاعدة ثم داعش) لم يستقر العراق وتأزم اقتصاديا واجتماعيا؟ (الجميع يعرف الحلول والكل يخشاها)..
· هل الخلاص من الفساد وحده يجعل العراق جنة؟
التاريخ يجيب بالنفي.. فقد شهد العراق عقوداً بعد تأسيسه كانت نسبة الفساد فيها ضئيلة جداً.. ومع ذلك لم يستقر.. بل عانى من الانقلابات العسكرية المتتالية… وتغلغل الأحزاب الشمولية الأيديولوجية العابرة للحدود (قومية.. إسلامية.. وشيوعية).
وهذا يثبت أن مشكلة العراق الأزلية ليست مالية فقط.. بل هي مشكلة (أيديولوجية الهوية والدولة)..
– قالوا مشكلتكم صدام سقط صدام فجاء الزرقاوي..
– قالوا مشكلتكم الإرهاب رحل الزرقاوي والقاعدة ثم جاءت داعش..
– تتغير الوجوه والمسميات لكن الأزمة تظل واحدة غياب الدولة وانعدام الطمأنينة.. واستمرار منحنى الفساد يتصاعد..
· ليطرح سؤال (ما السبب) الجواب:
1. عندما تغيب الهوية الوطنية..
2. وتستبيح الولاءات العابرة للحدود مستقبل البلاد:
– يتحول الفساد من سلوك إلى وسيلة لتأمين النجاة الفردية ..
– وكأن كل فرد يسعى لحماية نفسه وسط دولة مهددة بالانهيار..
ولا ننسى..المراحلة القاسية من الحصار..والهجرة..والاضطهادات العرقية والطائفية..جعلت شرائح اجتماعية…تشرعن لنفسها الفساد..لتامين مستقبلها ومستقبل عوائلها..واشباع ما ضاع من سنوات..عمرها. .من الملذات..المادية والغرائزية..
1. فوجدت ما بعد ٢٠٠٣ فرصة..للثراء والنفوذ..
2. وتعويض سنوات الحرمان..
3. فبرروا ذلك..بمستحقات الجهاد والمقاومة والهجرة ووصلت لشرعنتها باموال الدولة مجهولة المالك..
· وتطورت الأزمة حتى صار السلاح غاية بحد ذاته لحماية المكونات من شرور بعضها..
1. حيث لدى الأكراد قوات البشمركة التي انقسمت بين مراكز نفوذ..
2. وبرز الحشد وفصائل المقاومة لدى الشيعة كل منها لمرجعيات متنافرة واحزاب متنافسة..
3. بينما عانى السنة من فرض تنظيمات متطرفة مثل داعش والقاعدة ..
· هذا التمزق جعل:
– كل طائفة وفصيل يحاول حماية نفسه ومكتسبات قياداته ..
– مما خلق شبكة من الولاءات الضيقة تستغلها طبقة سياسية فاسدة تابعة لأجندات خارجية لضمان بقاء كارتيلاتها المالية القائمة على تهريب النفط والعملة والمخدرات والتجارة غير المشروعة.
· إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب:
1. الانتقال من عقيلة (تأمين المكون والنجاة الفردية) إلى فرض مفهوم (الدولة الاحتكارية للشرعية والسلاح)..
2. وتطبيق حكم القانون الذي يوفر الأمان للجميع متساوين.. بحيث لا يعود الفرد بحاجة للجوء إلى العشيرة أو الحزب أو السلاح ليضمن لقمة عيشه وأمن عائلته.
· واذا طرحت هذه التساؤلات؟
1. هل الفساد منبع الارهاب والبطالة المليونية وتغول السلاح المنفلت وتهريب المخدرات والعملة الصعبة والنفط وانهيار الصناعة والتعليم والزراعة والصحة والخدمات ؟
– لأن الإرهاب كان تهديداً أمنياً صريحاً ومباشراً استدعى استنفاراً عسكرياً ودولياً لإسقاطه…
– بينما الفساد يُدار من داخل بنية النظام السياسي ذاته..
– حيث يُشرعن بالقوانين والمحاصصة.. ويتخذ كـ (وسيلة بقاء ونجاة)..تحميها القوى المتربصة بالدولة.
2. ام الفساد يتخادم مع السلاح المنفلت ومنها سلاح الارهاب؟
– الفساد لا يعمل في فراغ.. بل يتخادم عضوياً مع السلاح المنفلت (بما فيه سلاح الإرهاب)..
– فالسلاح يحمي كارتيلات الفساد..
– والفساد يمول السلاح واستمراريته.
3. وليفكك ذلك: لماذا هزمت القاعدة وداعش .. وبقى الفساد هو العامل المستمر بالعراق؟
4. ولماذا مهدد العراق بالبلقنة التي تختزل الياتها (بسلاح خارج اطار الدولة.. وتبعيتها لخارج الحدود)؟
– العراق مهدد بالتقسيم والبلقنة ليس بسبب تنوعه الاجتماعي.. بل لأن آليات البلقنة مفعلة بوجود (سلاح خارج إطار الدولة.. وتبعية متكاملة لخارج الحدود)..
5. واذا الفساد هو منبع كل ماسي العراق (وهو كذلك).. الفساد نفسه منبعه ماذا؟
6. وهل لو تخلص العراق من الفساد (يصبح العراق قمره وربيع) مثلا؟
7. فالم يكن العراق خالي من الفساد لعقود بعد تاسيسه.. بشكل كبير.. ومع ذلك عانى العراق الانقلابات العسكرية وتغلل الاحزاب الشمولية الاديولوجية العابرة للحدود القومية والاسلامية والشيوعية؟
· وننوه..عجبا ان يختزل المذهب بدولة دون اخرى؟ والقومية تختزل بدولة دون اخرى؟ ويهمش العراق بكلاهما؟
1. فاليوم نرى من يختزل المذهب بايران.. ويهمش العراق.. ويصور كتابع لطهران..
2. والبارحة نرى من يختزل القومية العربية بمصر.. ويهمش العراق.. ويصور كتابع للقاهرة..
– فمن سلطة قومية عابرة للحدود (القوميين العرب من ناصريين وبعثيين)..
– الى سلطة الاسلاميين العابرين للحدود (الاسلاميين الشيعة الولائية وفصائلها.. والمنظمات المتطرفة السنية كالقاعدة وداعش والاخوان)..
§ والخطورة اصبح مكافحة الفساد و حيتانها.. صورت بعقول شرائح عراقية اجتماعية:
تجلت الخطورة الكبرى في تمكن هذه الطبقة السياسية من زرع وهم زائف في أذهان الشرائح الاجتماعية العريضة… جعل من مكافحة الفساد ومحاسبة حيتانه تبدو وكأنها استهداف للمكون ذاته:
1. الشيعة: يصور لهم ان مكافحة الفساد باعتقال شخصيات تتزعم العملية السياسية.. يعني (سقوط المذهب والتشيع وانهاء نفوذ ايران).. والحقيقة الوحيدة فعلا (مكافحة الفساد بين الشيعة) يعني نهاية نفوذ ايران ووكلاءها بالعراق..
2. السنة العرب: يصور لهم ان اعتقال الفاسدين الذين يمثلون (كبار مسمياتهم المتصدية بالعمل السياسي.. يعني (تهميش اكبر للسنة)..
3. الاكراد: يصور لهم ان استهداف (كبار المسميات الحزبية المتحكمة بالاقليم) هو استهداف للقضية الكوردية ومؤامرة عليهم..
§ الحلول الحقيقية التي يخشاها زعماء المكونات والعقبات أمامها
إن معالجة هذا الانسداد التاريخي تتطلب جراءة في الطرح وتطبيق إجراءات حاسمة يتهرب منها أمراء الطوائف والسياسة
1. تفعيل قوانين الخيانة العظمى والتخابر:
§ المضمون :
– تجريم التخابر مع الجهات الأجنبية والولاء لزعماء وأنظمة خارجية على حساب المصلحة الوطنية ..
§ العقبة والمغالطة:
– يلتف القوميون والإسلاميون على هذا الإجراء بدعوى الوحدة الإسلامية أو القومية تحت شعارات مثل كلنا مسلمون أو كلنا عرب ..
– معطين لأنفسهم الحق في التبعية والتخابر مع دول خارجية وكأن الديمقراطية تحولت إلى غطاء لشرعنة الخيانة الوطنية باسم العقيدة
2. حظر الأحزاب الشمولية والأيديولوجيات العابرة للحدود:
§ المضمون :
– حظر الأحزاب القومية الإسلامية والشيوعية المستوردة من خارج الحدود والتي ساهمت تاريخيا في تشرذم المجتمع العراقي طائفيا وعرقيا وسياسيا..
§ العقبة والمغالطة :
– التحجج بأن هذا الحظر يمثل تراجعا عن الديمقراطية وكأن مفهوم الديمقراطية يعني إشاعة الفوضى وإثارة النعرات الطائفية والعنصرية في مجتمع متعدد القوميات والمذاهب والأديان
3. حظر الجماعات المسلحة وإنهاء السلاح خارج إطار الدولة:
§ المضمون:
– حصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية الشرعية ..
– وتفكيك كافة التشكيلات المسلحة..
– العقبة والمغالطة:
1. التذرع بكون السلاح سلاحا عقائديا كما كان الحرس القومي في زمن البعثيين والناصريين وكما هي الفصائل الولائية اليوم تحت مظلة المقاومة..
2. حيث يتذرعون بعدم إيمانهم بحدود الدولة الوطنية باعتبار العراق مشروعا استعماريا ..
3. التناقض الصارخ يكمن التناقض في يسر توجيه الاتهام للعراق بأنه صنيعة استعمارية بينما يوالون دولا إقليمية كإيران أو مصر متجاهلين أنها هي الأخرى نتاج وتشكيلات لخرائط وضعتها القوى الاستعمارية ذاتها في بداية القرن الماضي..
4. فليست هناك حجة منطقية تجعل العراق وحده مستهدفا بالتآمر والإلغاء دون غيره..
· الهندسة السياسية لـ (الوصم الجمعي).. كيف يعمل السلاح؟
1. وصم السنة بالارهاب لاقصاءهم من الحكم وتهميشهم..
2. ووصم الشيعة بالفساد.. والتبعية.. محاولة لازاحتهم من الحكم..
3. ووصم الاكراد بالتصهين.. محاولة لاضطهادهم مجددا..
· الهدف الأكبر من تعميم (الوصم) على مكون بكامله بدلاً من محاسبة الأفراد الفاسدين أو المجرمين بعينهم:
– هو سلب الشرعية السياسية والأخلاقية عن المكون ككل..
– وبالتالي شرعنة إقصائه أو سلب مكتسبات..
· التخادم المتبادل: كيف يستفيد (أمراء المكونات) من هذه التهم؟
المفارقة العجيبة في هذه المعادلة هي أن زعماء الأحزاب داخل المكونات يستفيدون من هذه التهم بدلاً من تفنيدها!
1. استغلال (عقدة الضحية والخوف):
– عندما يُقال للشيعي (أنتم فاسدون وتابعون)..
– يستخدم زعماء الأحزاب الشيعية هذا القول لترهيب جمهورهم: (أنظروا..إنهم يريدون سلب الحكم منكم وإعادتكم للظلم!)..
2. وعندما يقال للسني (انتم ارهابيين)..
– يستخدم السياسيون السنة هذا الخوف لرفع شعار: (أنظروا.. إنهم يستهدفون وجودكم.. وعليكم الالتفاف حولنا لنحميكم!)..
3. وعندما يقال للكردي (أنتم متصهينون وخونة)..
– يُصرّف الزعماء الأكراد هذا الخطاب للداخل الكردي: (أنظروا.. بغداد لا تؤمن بفيدراليتكم وتريد سحق التجربة الكردية مجدداً!).
سجاد تقي كاظم


