
رياض سعد
وكما عوّدناكم، ضمن سلسلة «مقولة وتعليق» ، نتوقف في كل حلقة عند مقولة أو بيت شعري، نحاول أن نقرأ ما وراء الكلمات من دلالات نفسية واجتماعية وفلسفية، وأن نربطها بتجربة الإنسان وتحولاته الداخلية؛ فالكلمات الجميلة ليست دائماً تلك التي تقول لنا شيئاً جديداً، وإنما قد تكون تلك التي تجعلنا نرى شيئاً قديماً في داخلنا بطريقة جديدة.
وفي هذا السياق، نتوقف اليوم عند مقولة تُنسب إلى الروائي الياباني العالمي هاروكي موراكامي: «أخطاؤك القديمة لا تخصّك، هي تخصّ نسخةً قديمةً منك.. , نسختك الحالية واعيةٌ أكثر، وناضجةٌ أكثر، وجميلةٌ أكثر… ؛ لا تُعكّر صفوها باجترار الماضي وهفوات الماضي.»
قد تبدو هذه العبارة، للوهلة الأولى، دعوةً بسيطة إلى نسيان الماضي وعدم جلد الذات، لكنها في حقيقتها تطرح سؤالاً بالغ الأهمية: هل الإنسان هو الشخص نفسه الذي كانه بالأمس؟
من الناحية الجسدية نحن نتغير باستمرار، ومن الناحية النفسية والفكرية نحن أيضاً لسنا الكائن نفسه الذي كان قبل عشر سنوات، بل ربما لسنا الشخص نفسه الذي كان قبل عام واحد.
نحن نتعلم، ونخطئ، ونندم، ونكتشف، ونفقد، ونحب، ونُخذل، ونكبر.
وكل تجربة تترك شيئاً فينا، فتضيف إلى شخصيتنا طبقة جديدة، أو تزيل منها طبقة قديمة.
ولهذا فإن الإنسان الذي ينظر إلى صورته القديمة قد يتعرف إلى وجهه، لكنه قد لا يتعرف بالضرورة إلى الشخص الذي كان يسكن ذلك الوجه.
*من هو هاروكي موراكامي؟
هاروكي موراكامي روائي وكاتب ياباني معاصر، وُلد في كيوتو عام 1949، وأصبح واحداً من أكثر الأدباء اليابانيين حضوراً في الأدب العالمي الحديث.
تميّزت أعماله بمزج الواقع بالغرائبي، واليومي بالوجودي، والذاكرة بالوحدة والحب والفقدان… , وتظهر في رواياته شخصيات تعيش كثيراً من الوقت داخل عالمها الداخلي، تبحث عن معنى لحياتها، أو تحاول فهم نفسها وعلاقاتها والغياب الذي يحيط بها.
ومن أشهر أعماله : «كافكا على الشاطئ» و«الغابة النرويجية» و«1Q84» و«ما بعد الظلام» ، وقد ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة وأصبح اسمه من أبرز الأسماء في الأدب العالمي المعاصر.
ولعل الاهتمام بالوحدة والذاكرة والهوية والتحولات الداخلية في أدبه يجعل هذه المقولة منسجمة مع عالمه الأدبي؛ عالم الإنسان الذي يحاول أن يفهم نفسه، لا أن يبقى أسيراً لصورته القديمة.
* أنت لست الشخص الذي أخطأ
أقسى ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يحاكم حاضره بعقل ماضيه.
قد يرتكب الإنسان في العشرين خطأً لا يرتكبه في الثلاثين.
وقد يتخذ في الثلاثين قراراً لا يمكن أن يتخذه في الأربعين.
ليس لأن الإنسان كان سيئاً بالضرورة، وإنما لأنه لم يكن يعرف آنذاك ما يعرفه الآن.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
نحن نميل إلى النظر إلى الماضي بعقل الحاضر، ثم نسأل أنفسنا: كيف فعلت ذلك؟
كيف صدقت ذلك الشخص؟
كيف اتخذت ذلك القرار؟
كيف سمحت لنفسي أن أعيش بهذه الطريقة؟
لكن السؤال الأكثر عدلاً هو: ماذا كنت أعرف آنذاك؟
ربما لو كنت تمتلك الوعي الذي تمتلكه اليوم، لما ارتكبت الخطأ نفسه.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يمنح نفسه معرفة المستقبل.
ولهذا فإن كثيراً من أخطائنا لم تكن نتيجة رغبة في الخطأ، بل نتيجة وعي ناقص في لحظة معينة من حياتنا.
* الماضي معلّم جيد… لكنه سجان سيئ
لا ينبغي أن ننسى الماضي... ؛ فالنسيان ليس دائماً فضيلة، كما أن التذكر ليس دائماً مرضاً.
الماضي يمكن أن يكون معلماً عظيماً إذا تعلمنا منه.
لكنه يتحول إلى سجان عندما نسمح له بأن يحدد صورتنا عن أنفسنا إلى الأبد.
هناك فرق كبير بين أن تقول: لقد أخطأت … ؛ وأن تقول: أنا إنسان سيئ لأنني أخطأت.
الجملة الأولى اعتراف بالفعل... ؛ أما الثانية فهي تحويل الخطأ إلى هوية.
وهذا من أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه... ؛ فالإنسان قد يكذب مرة، لكنه ليس بالضرورة «كذاباً» إلى الأبد.
وقد يفشل مرة، لكنه ليس «فاشلاً».
وقد يتخذ قراراً سيئاً، لكنه ليس «قراراً سيئاً يمشي على قدمين»... ؛ فالفعل شيء، والهوية شيء آخر.
* لماذا نعيد اجترار أخطائنا؟
لأن العقل البشري لا يتعامل مع الذاكرة باعتبارها أرشيفاً محايداً.
هناك أخطاء معينة تبقى عالقة في الرأس سنوات طويلة.
نستعيدها قبل النوم.
نتذكر الكلمات التي قلناها وكان ينبغي ألا نقولها.
نتذكر الأشخاص الذين فقدناهم.
الفرص التي أضعناها.
القرارات التي نتمنى لو اتخذنا غيرها.
ونعيد المشهد في أذهاننا كما لو أننا نستطيع تغيير نهايته.
لكن الماضي لا يستجيب لإعادة المحاكمة.
يمكنك أن تعيد المشهد ألف مرة، لكنك لن تستطيع العودة إلى اللحظة نفسها.
وهنا يتحول التفكير في الماضي من تعلم إلى اجترار .
والاجترار لا يصحح الماضي؛ إنه يستنزف الحاضر.
* هناك فرق بين الندم وجلد الذات
الندم يمكن أن يكون صحياً... ؛ فالإنسان الذي يندم على خطئه قد يكون قد اكتسب وعياً جديداً... ؛ لكن الندم يصبح مدمراً عندما يتحول إلى عقوبة دائمة.
أن تقول: لقد أخطأت، ولن أكرر الخطأ… ؛ هذا نضج.
أما أن تقول: لقد أخطأت، ولذلك لا أستحق أن أكون سعيداً… ؛ فهذه ليست حكمة، وإنما عقوبة لا نهاية لها.
بعض الناس يعيشون وكأن عليهم أن يدفعوا ثمن خطأ قديم طوال حياتهم، حتى بعد أن تغيروا وأصبحوا أشخاصاً آخرين.
يغفرون للآخرين، لكنهم لا يغفرون لأنفسهم.
يفهمون ظروف الناس، لكنهم لا يفهمون ظروف نسخهم القديمة.
وكأن الإنسان مطالب بأن يكون حكيماً منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها التعلم...!!
* لو عاد بك الزمن…
هناك سؤال مغرٍ وخطير: ماذا كنت سأفعل لو عاد بي الزمن؟
غالباً سنجيب: كنت سأفعل كذا… ؛ ولما وثقت بفلان… ؛ ولما تزوجت… ؛ ولما تركت ذلك العمل… ؛ ولما قلت تلك الكلمة… الخ .
لكن الحقيقة أن العودة إلى الماضي ليست ممكنة، والأهم من ذلك أن الشخص الذي يتخيله الإنسان عائداً إلى الماضي ليس هو الشخص نفسه الذي كان هناك.
أنت تريد أن تعود إلى الماضي بعقل الحاضر… ؛ وهذا مستحيل.
لذلك فإن السؤال الأكثر فائدة ليس: لماذا فعلت ذلك؟
وإنما: ماذا علّمني ما فعلته؟
السؤال الأول يعيدك إلى الوراء… ؛ أما الثاني فيأخذ منك الماضي ويضعه في خدمة المستقبل.
*الإنسان مشروع مستمر
ربما أجمل ما في الإنسان أنه ليس شيئاً مكتملاً... ؛ إنه مشروع مفتوح... , كل يوم يمكن أن يضيف شيئاً إلى شخصيته... , قد يكون الإنسان غاضباً ثم يتعلم الهدوء... , وقد يكون متسرعاً ثم يتعلم التروي... , وقد يكون ساذجاً ثم يصبح أكثر وعياً... , وقد يكون أنانياً ثم يتعلم العطاء... , وقد يكون خائفاً ثم يكتشف شجاعته… الخ .
وهذا يعني أن الخطأ، على الرغم من ألمه، يمكن أن يصبح جزءاً من عملية التكوين.
ليس الخطأ جميلاً في ذاته، ولا ينبغي تبريره، لكن الإنسان يستطيع أن يحوّل نتائجه إلى معرفة.
وهنا يصبح الماضي مادةً لبناء الشخصية، لا سجناً لها.
* لا تكره نسختك القديمة
هناك ميل غريب لدى بعض الناس إلى كراهية أنفسهم القديمة.
يقول: كنت غبياً.. , كنت ساذجاً.. , كنت ضعيفاً.. , كنت أحمق... الخ .
لكن ربما تستحق تلك النسخة القديمة منك شيئاً من الرحمة... ؛ فهي لم تكن تعرف ما تعرفه الآن... ؛ كانت تحاول أن تعيش بما تملك من وعي، حتى لو أخطأت الطريق... ؛ كانت تبحث عن الحب، ولو بطريقة خاطئة... ؛ وتبحث عن النجاح، ولو بوسائل ناقصة... ؛ وتحاول حماية نفسها، ولو بأساليب لم تكن ناضجة... ؛ ولذلك ربما لا تحتاج إلى أن تكره الشخص الذي كنت عليه... ؛ ربما تحتاج فقط إلى أن تفهمه… ؛ فالفهم لا يعني التبرير، لكنه يحرر الإنسان من الكراهية.
* وماذا لو كان الخطأ كبيراً؟
قد يقول قائل: وماذا عن الأخطاء الكبيرة؟ ماذا عن الخيانة؟ الظلم؟ القرارات التي دمرت حياة إنسان؟ الفرص التي لا يمكن تعويضها؟
هنا ينبغي ألا تتحول فكرة «أنا نسخة جديدة» إلى ذريعة للهروب من المسؤولية.
النضج لا يعني أن نمحو الماضي.
ولا يعني أن نقول: ذلك شخص آخر، فلا علاقة لي بما فعل.
بل يعني أن نعترف بما حدث، ونتحمل نتائجه، ونعتذر حين يكون الاعتذار ممكناً، ونصلح ما يمكن إصلاحه، ثم نعمل على ألا نكرر الخطأ... ؛ فالمغفرة الذاتية ليست إعفاءً من المسؤولية... , إنها انتقال من العقوبة إلى الإصلاح.
* نحن أيضاً نتغير في أعين الآخرين
ومن أصعب الأشياء أن بعض الناس لا يسمحون لك بالتغير.
قد يعرفك شخص منذ عشرين عاماً، ولا يزال يتعامل معك وفق نسخة قديمة منك.
إذا كنت متهوراً في شبابك، فهو لا يزال يراك متهوراً.
وإذا أخطأت مرة، فهو يذكرك بالخطأ كلما اختلف معك.
وكأن الإنسان لا يملك حق التطور.
لكن البشر يتغيرون.
والذي لا يسمح للآخر بأن يتغير، قد يكون في الحقيقة متعلقاً بصورة قديمة عنه.
إن من حق الإنسان أن يقول: أنا لم أعد ذلك الشخص.
ومن حق الآخرين أن يتحفظوا حتى يروا التغيير، لكن ليس من حق الماضي أن يحكم الإنسان إلى الأبد.
* المجتمع أيضاً يحتاج إلى هذه الفكرة
نحن نميل اجتماعياً إلى وضع الناس داخل ملفات مغلقة.
هذا فاشل.. , وهذا سيئ.. , وهذا منحرف.. , وهذا لا يُوثق به.. , وهذا أخطأ مرة، إذن هو مخطئ دائماً... الخ ؛ وهذه الطريقة في الحكم قد تمنع الإنسان من الإصلاح.. , فالإنسان الذي يشعر أن المجتمع لن يغفر له مهما تغير، قد يفقد الدافع إلى التغيير أصلاً.
ولهذا فإن المجتمعات الصحية ليست تلك التي تنسى الأخطاء، وإنما تلك التي تعرف كيف تحاسب دون أن تسحق، وتعاقب دون أن تلغي إمكانية الإصلاح.
*الجمال الحقيقي أن تنظر إلى نفسك بعين الرحمة
المقولة تقول إن نسختك الحالية «أكثر وعياً ونضجاً وجمالاً».
وهنا لا يتعلق الجمال بالشكل، وإنما بجمال الوعي.
أن تصبح أقل اندفاعاً.
أكثر فهماً.
أقل قسوة.
أكثر رحمة.
أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت.
متى تتمسك ومتى تترك.
متى تعتذر ومتى تسامح.
أن تفهم أن بعض المعارك لا تستحق أن تخوضها، وأن بعض الأشياء التي كنت تراها نهاية العالم لم تعد تعني لك شيئاً اليوم.
ذلك هو النمو الحقيقي.
أن تنظر إلى الشخص الذي كنت عليه، فلا تشعر بالخجل فقط، بل تقول: لقد كنت أجهل أشياء كثيرة، لكنني تعلمت.
*لا تسمح للماضي أن يسرق حاضرك
هناك أشخاص خسروا طفولتهم لأنهم عاشوا في مشاكلها، وخسروا شبابهم لأنهم ظلوا أسرى لما حدث في طفولتهم.
وهناك من خسروا علاقاتهم الجديدة لأنهم ظلوا يعاقبون أشخاصاً جددًا على أخطاء أشخاص قدامى.
وهناك من يرفضون السعادة لأنهم يشعرون أنهم لا يستحقونها بسبب شيء حدث قبل سنوات.
وهنا تصبح المشكلة أن الماضي لا يكتفي بأنه أخذ جزءاً من حياتنا عندما وقع، بل يستمر في أخذ أجزاء جديدة منها كلما أعدنا عيشه.
وهذا هو الاجترار: أن تمنح الماضي حياةً إضافية على حساب حاضرك.
*الماضي لا يطلب منك أن تعيش فيه
ربما لا نستطيع تغيير الماضي، لكن يمكننا تغيير علاقاتنا به.
يمكن أن نتذكر من دون أن ننهار.
ونندم من دون أن نكره أنفسنا.
ونعترف من دون أن نجلد ذواتنا.
ونتعلم من دون أن نبقى أسرى للدرس.
فالإنسان الناضج ليس من لا يخطئ، وإنما من لا يسمح لخطئه بأن يكون آخر تعريف له.
قد تكون أخطأت بالأمس، لكنك اليوم تعرف أكثر.
وقد كنت ضعيفاً بالأمس، لكنك اليوم أقوى.
وقد كنت غاضباً بالأمس، لكنك اليوم أكثر هدوءاً.
وقد كنت لا تعرف قيمة ما لديك، ثم علمتك الحياة كيف تقدّر النعمة.
وهذا كله يعني أنك لست ثابتاً.
- وأخيراً…
ليست الحكمة أن نمحو ماضينا، فليس في وسعنا ذلك.
وليست الحكمة أن نتظاهر بأننا لم نخطئ.
الحكمة أن نضع الماضي في مكانه الصحيح: خلفنا، لا فوقنا.
أن نأخذ منه الدرس، لا أن نحمل منه السوط.
أن نحفظ الذاكرة، دون أن نسكن فيها.
أن نعترف بالخطأ، دون أن نحوله إلى هوية.
وأن نفهم أن الإنسان ليس مجموع أسوأ لحظاته.
فكم من شخص كان يظن أنه انتهى، ثم بدأ من جديد.
وكم من إنسان حمل خطأً عشرين عاماً، ثم اكتشف أنه كان يستطيع أن يضعه جانباً ويمضي.
وربما لهذا تستحق هذه العبارة أن نتأملها طويلاً: أخطاؤك القديمة تخصّ نسخةً قديمةً منك.
لكنها لا تعني أنك تستطيع الهرب منها... ؛ بل تعني شيئاً أجمل: أنك تستطيع أن تتعلم منها، وأن تتغير، وأن تصبح شخصاً لا يكررها.
فلا تُعكّر صفو حاضرك بعقوبة ماضٍ انتهى.
ولا تجعل خطأً ارتكبته ذات يوم يقرر لك من تكون اليوم.
لقد كبرت.
وتعلمت.
وتغيرت.
وربما لم تصبح الإنسان الذي كنت تحلم أن تكونه بعد، لكنك بالتأكيد لست الإنسان الذي كنت عليه.
وهذه وحدها… ؛ نعمة تستحق أن تُرى.



