
بين حُرِّيَّةُ التَّعْبير وَحُرِّيَّةُ التَّبْعِيرِ ضاع الشعب الفقير
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
في زمنٍ صار فيه الهاتف المحمول منبراً والكاميرا سلطةً، والترند قضيةً عامة، لم يعد السؤال: من يملك حق التعبير؟ بل: مَن يستحق أن يُسمَع؟
بين «حرية التعبير» التي تتغنى بها النخب، و«حرية التبعير» التي تملأ المنصات ضجيجاً ، ضاع الإنسان البسيط؛ ذلك الذي لا يملك ترف التنظير ولا وقت متابعة معارك التفاهة. ضاع الفقير بين من يتحدث باسمه من فوق المنابر، ومن يتاجر بمعاناته أمام الكاميرات.
حرية التعبير… حين تتحول إلى رفاهية نخبوية
لا أحد يعترض على حرية التعبير، بل إن المجتمعات الحية لا تقوم من دونها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحرية إلى طقس نخبوي منفصل عن حياة الناس.
خطابات طويلة عن الديمقراطية والحقوق والعدالة، وندوات تتحدث عن الإنسان وكرامته، ومقالات تشرح للفقراء كيف يجب أن يفكروا… بينما ذلك الإنسان نفسه يبحث عن دواء، أو عمل، أو رغيف، أو مدرسة لأطفاله.
ما قيمة أن نمنح الإنسان حق الكلام إذا كنا لا نمنحه القدرة على العيش؟
لقد أصبحت معاناة الفقراء في أحيان كثيرة مادةً جاهزة للاستهلاك السياسي والإعلامي. يُستدعى الفقير في الخطاب، ويُنسى في القرار. تُرفع صورته في البيانات، ثم يُترك وحيداً أمام الأسعار والبطالة وانهيار الخدمات.
إنها حرية تتحدث كثيراً عن الإنسان، لكنها لا تسمعه.
و«حرية التبعير»… حين تصبح التفاهة صناعة
أما الوجه الآخر للمشهد، فهو أكثر ابتذالاً.
منصات تعج بالصراخ والاستعراض والمحتوى الفارغ، حيث يستطيع مقطع تافه أن يحصد ملايين المشاهدات، بينما قد لا يلتفت أحد إلى قضية إنسانية أو مشكلة اجتماعية حقيقية.
هنا لا تعود التفاهة مجرد تسلية؛ بل تصبح اقتصاداً للانتباه وصناعةً لتخدير الوعي.
كلما ارتفعت الأسعار، ارتفع معها ضجيج التفاهة.
كلما اتسعت البطالة، ظهر ترند جديد.
كلما اشتدت أزمات الناس، بدأت معركة جديدة حول شخص أو فيديو أو شائعة.
وهكذا يُدفع المجتمع إلى النظر في الاتجاه الخطأ، بينما تتراكم الأسئلة الحقيقية في الظلام.
سوريا… حين يُستعمل الفقير مرتين
وفي سوريا، حيث أنهكت الحرب الناس وأثقلت سنوات النزوح والفقر كاهل ملايين السوريين، تصبح هذه المفارقة أكثر قسوة.
هناك من يتحدث عن الشعب وكأنه ورقة سياسية، وهناك من يحول أوجاعه إلى محتوى يجلب المشاهدات. وبين الاثنين، يبقى المواطن هو الخاسر.
يُطلب من الفقير أن يصبر، ويُطلب منه أن يصفق، ويُطلب منه أن يتحمل، ثم يُقال له إن صوته مسموع لكن الحقيقة أكثر مرارة:
الفقير لا يحتاج إلى مَن يتحدث عنه بقدر حاجته إلى مَن يعمل من أجله.
لا يحتاج إلى خطبة جديدة عن الكرامة؛ يحتاج إلى كرامة فعلية.
لا يحتاج إلى فيديو يتحدث عن معاناته؛ يحتاج إلى فرصة عمل.
لا يحتاج إلى جدال طويل حول الحريات؛ يحتاج إلى دولة تحمي حقه في الحياة.
الخاسر واحد
بين حريةٍ تحولت إلى تنظير، وتفاهةٍ تحولت إلى صناعة، بقي الإنسان في آخر الصف.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين حرية التعبير وحرية التبعير، بل بين وعيٍ يريد إنقاذ المجتمع، وضجيجٍ يريد استهلاكه.
فالحرية التي لا تنتصر للإنسان تتحول إلى شعار، والحرية التي تتحول إلى فوضى تصبح أداةً لتخدير الإنسان.
أما الفقير، الذي لا يملك منصة ولا ميكروفوناً ولا ملايين المتابعين، فلا يريد أن يكون بطلاً في خطاب أحد، ولا مادةً في فيديو أحد.
يريد فقط أن يعيش بكرامة.
وإذا عجزت كل هذه الحريات عن تحقيق ذلك، فربما لم تضِع حرية الفقير فقط…
بل ضاع معنى الحرية نفسه.





