
حين يصبح الطفل رهينة الزواج العابر للحدود
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
من يخطف الطفل حين يعجز القانون؟
ماذا يحدث عندما يتزوج السوري من تركية، ثم يعود إلى سورية بطفله ويترك أمه خلف الحدود؟ وماذا يحدث عندما تتزوج مغربية من سوري، فيُولد طفل ثم تبدأ معركة الاعتراف به؟ وماذا يحدث عندما يتم الزواج في أوروبا، ثم ينتهي الخلاف بعودة أحد الزوجين إلى سورية مصطحباً الطفل، وكأن إنهاء الزواج يعني إنهاء حق الطرف الآخر في طفله؟
هذه ليست حكايات عائلية عابرة. إنها منطقة خطرة بين القانون والأسرة والحدود، يدفع الطفل ثمنها قبل الجميع.
المشكلة ليست في جنسية الأم، ولا في جنسية الأب، ولا في مكان عقد الزواج. المشكلة تبدأ عندما يتحول الطفل من إنسان له حقوق مستقلة إلى ورقة ضغط في معركة زوجية.
فالأب الذي يأخذ طفله بعيداً عن أمه لا يملك حق تحويل الأبوة إلى أداة انتقام، والأم التي تستخدم الطفل للضغط على الأب لا تملك الحق نفسه. الزواج قد ينتهي، لكن الأبوة والأمومة لا تنتهيان بالطلاق.
الأكثر خطورة هو أن الحدود قد تتحول في بعض الحالات إلى وسيلة لصناعة أمر واقع: نقل طفل من دولة إلى أخرى، قطع صلته بأحد والديه، تغيير محل إقامته، أو تعطيل قدرة الطرف الآخر على اللجوء إلى القضاء المختص.
وهنا يجب أن تكون الدولة واضحة: الخلاف الزوجي شأن قضائي، أما الطفل فشأن حقوقي وإنساني.
لا يجوز أن يصبح جواز سفر الطفل أقوى من حكم القضاء، ولا أن تصبح الحدود بديلاً عن المحكمة، ولا أن تتحول الإقامة أو الجنسية إلى أدوات لمعاقبة أحد الوالدين.
سورية اليوم، وهي تعيد بناء مؤسساتها، تحتاج إلى فتح ملف الأسرة العابرة للحدود بجدية: الحضانة الدولية، الولاية، الإقامة المعتادة للطفل، الاعتراف بالأحكام الأجنبية، حق التواصل مع الوالدين، وآليات التعامل مع حالات النقل أو الاحتجاز غير المشروع للأطفال.
والسؤال ليس: هل نقف مع الأم أم الأب؟
نقف مع الطفل أولاً.
فالطفل ليس ملكاً للأب، وليس ملكاً للأم، وليس جزءاً من تسوية سياسية أو اجتماعية أو عائلية. إنه صاحب حق مستقل في الأمان، والرعاية، والاستقرار، وفي الحفاظ على علاقته بوالديه ما لم يثبت قضائياً أن ذلك يهدد مصلحته.
وإذا كانت الدولة تريد أن تثبت أن عهد الفوضى القانونية يتراجع، فإن حماية الأطفال في النزاعات الأسرية العابرة للحدود يجب أن تكون إحدى أولوياتها.
لا نريد مجتمعاً تصبح فيه المرأة خائفة من الزواج من أجنبي لأنها قد تفقد طفلها، ولا أباً يخشى أن يتحول طفله إلى أداة ابتزاز، ولا طفلاً يستيقظ يوماً ليجد أن أحد والديه اختفى من حياته لأن الآخر قرر أن يعاقبه.
الأم أم، والأب أب، والطفل طفل.
والخلاف بين الزوجين يجب أن يحسمه القانون والقضاء، لا الخطف ولا الانتقام ولا الأمر الواقع.
فإذا كان السؤال هو: هل سورية باتت بؤرة لانعدام حماية المرأة والطفل؟
فالأدق أن يكون السؤال أكثر مسؤولية:
هل يمتلك نظامنا القانوني والمؤسسي الأدوات الكافية لمنع تحول النزاع الزوجي العابر للحدود إلى مأساة إنسانية للطفل؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نجرؤ على فتحه الآن، قبل أن يصبح الطفل في هذه الزيجات رهينة جواز سفر، وضحية حدود، ومفقوداً بين قانونين.





