
Screenshot
الرأي هو المنتج الأرخص في سورية
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
حين يصبح الجهل وجهة نظر في سورية، حيث أصبح تأمين أساسيات الحياة معركة يومية، ثمة سلعة واحدة لا تعرف التضخم، ولا تخضع لقوانين العرض والطلب، ولا تحتاج إلى رأس مال أو ترخيص: الرأي. الجميع ينتج، والجميع يوزّع، والجميع يعلن نفسه خبيراً أما الفاتورة، فيدفعها الوعي العام، وتدفعها الحقيقة، ويدفعها بلد لم يعد يحتمل ترف التجريب بالأحكام والانطباعات.
لم تعد المشكلة أن لكل شخص رأياً فهذه طبيعة المجتمعات الحية. المشكلة أن بعضهم قرر أن رأيه معرفة، وانطباعه تحليل، وتوقعه حقيقة، وصوته المرتفع دليل على امتلاكه ما لا يمتلكه سواه. وهكذا تحوّلت المنصات إلى أسواق مفتوحة لبيع اليقين الزائف، يتصدّرها من يملك الجرأة على الكلام، لا بالضرورة القدرة على الفهم.
في السياسة، يصبح الجميع خبراء في موازين القوى. وفي الاقتصاد، تتحول الأزمات المركبة إلى وصفات شعبوية. وفي الإدارة، تُختزل بنية الدولة ومؤسساتها في اتهامات مرتجلة. وفي الاستراتيجيا، تُصاغ السيناريوهات الكبرى بلا بيانات، ولا منهجية، ولا تمييز بين الممكن والمحتمل والمستبعد.
المفارقة أن الرأي الأكثر ضجيجاً قد يكون الأقل كلفة على صاحبه، والأعلى كلفة على المجتمع.
فالكلمة التي تُطلق بلا تدقيق قد تضلل آلاف الأشخاص، والتوقع الذي يُقدَّم باعتباره حقيقة قد يصنع هلعاً أو يروّج وهماً ، والتحليل الذي يتجاهل الوقائع قد يدفع النقاش العام بعيداً عن المشكلة الحقيقية. ومع تكرار هذه الممارسات، يتراجع وزن المعرفة، وتُهمَّش الخبرة، ويصبح صاحب الاختصاص مطالباً بمنافسة الاستعراض بدلاً من تقديم الدليل.
لكن الخلل لا يُعالج باحتكار الحقيقة باسم الشهادات أو الألقاب. فكم من صاحب شهادة أخفق في التحليل، وكم من مواطن غير متخصص كشف خللاً لم تنتبه إليه المؤسسات. الفارق ليس في اللقب، بل في المنهج؛ وليس في المكانة، بل في القدرة على إثبات الادعاء، ومراجعة الخطأ، والاعتراف بحدود المعرفة.
هنا تحديداً ينبغي أن يبدأ النقد: لماذا نمنح الثقة لمن لا يقدم دليلاً؟ ولماذا نستهلك التوقعات أكثر مما نفحص الوقائع؟ ولماذا يتحول الخلاف الفكري إلى معركة شخصية، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بالإدارة والخدمات والاقتصاد والمساءلة بلا إجابات كافية؟
إن سورية، في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها، لا تحتاج إلى جوقة تصفيق، ولا إلى سوق للمزايدات، ولا إلى خبراء يولدون مع كل أزمة ويختفون عند أول اختبار. تحتاج إلى نقد يحدد الخلل، وبحث يفسر أسبابه، وخبرة تقترح البدائل، ومؤسسات تملك الشجاعة لاختبار النتائج ومحاسبة المقصرين.
الرأي ليس جريمة، والاختلاف ليس عيباً لكن تحويل الجهل إلى مرجعية، والادعاء إلى اختصاص، والثقة بالنفس إلى بديل عن الدليل، هو استهتار بعقل المجتمع.
لا نريد إسكات الناس، بل نريد تحرير النقاش العام من سطوة الادعاء. ولا نريد تقديس الخبراء، بل إخضاع الجميع لمعيار واحد: ماذا تقول الوقائع؟ وما الدليل؟ وما الحل؟
ففي سورية، ليست المشكلة أن الجميع يتكلم المشكلة أن الكلام بات ينافس المعرفة على المكانة، وأن الضجيج قد يحجب الحقيقة، وأن بعضهم يريد سلطة التأثير من دون مسؤولية التحقق.
حين يصبح الجهل وجهة نظر، لا تعود الأزمة أزمة كلام؛ بل تصبح أزمة وعي، ومعيار، وقدرة على التمييز بين من يفهم الواقع ومن يكتفي باستعراض فهمه.





