
أحلام الصوفي
ليس جبل صبر الموادم مجرد كتلة شامخة تعانق السماء وتطل على مدينة تعز الحالمة، بل هو ذاكرة وطن، وسجل حافل بالأمجاد، وشاهد حي على عراقة الإنسان اليمني الذي ظل، عبر مختلف المراحل التاريخية، متمسكًا بأرضه وهويته وكرامته، رافضًا الخضوع للذل والهوان، ومؤمنًا بأن الحرية لا تُمنح، بل تُصان بالتضحيات والثبات. يقف جبل صبر شامخًا كأنما يستمد من صلابة صخوره قوة أبنائه، ومن امتداد تاريخه روح المقاومة والإباء. وعلى سفوحه وبين قراه تشكلت حكايات من العلم والجهاد، وتوارثت الأجيال قيم العزة والوفاء، ليظل هذا الجبل شاهدًا على تاريخ تعز واليمن، بما يحمله من أمجاد وتحولات وتضحيات. ومن أبرز المحطات التي ارتبطت بتاريخ صبر الموادم، حضور الشريف العارف بالله محمد جمال الدين بن عبدالرحمن الجنيد، الذي جعل من هذا المكان منارة للعلم والمعرفة، ووجهة للباحثين عن العلم والهداية. فقد ارتبط اسمه بمسيرة علمية وروحية استلهمت النهج النبوي والعلوي والحسيني، وأسهمت في ترسيخ مكانة الجبل بوصفه فضاءً للعلم والتربية والإرشاد، ومنبرًا لنشر المعرفة والقيم الأصيلة. ولم تتوقف هذه المسيرة عند جيل واحد، بل امتدت عبر الأبناء والأحفاد، الذين حملوا إرث أسرتهم العلمي والروحي، وبرز من بينهم رجال ارتبطت أسماؤهم بمواقف المواجهة ومقاومة الاحتلالين العثماني والبريطاني، وفي مقدمتهم الشريف أحمد محمد جمال الدين، والشريف الجنيد عبدالرحمن بن محمد الجنيد، إلى جانب شخصيات أخرى أسهمت في ميادين العلم والجهاد، لتظل هذه الأسرة حاضرة في ذاكرة صبر بما قدمته من عطاء وتضحيات. وهكذا لم يكن إرث الشريف الجنيد مجرد حكاية عن رجل صالح أو عالم ترك أثرًا في محيطه، بل أصبح جزءًا من ذاكرة تاريخية واجتماعية متجذرة، تتوارثها الأجيال وتستحضر من خلالها معاني الثبات والتمسك بالهوية والانحياز إلى قضايا الوطن. ومع العدوان على اليمن، دخلت صبر الموادم مرحلة جديدة من المواجهة، في ظل ما شهدته البلاد من صراعات مسلحة وصعود الجماعات التكفيرية في عدد من المناطق. وفي هذه المرحلة، كان لذرية الشريف الجنيد دور في مواجهة المشروع التكفيري، متمسكين بإرثهم العلمي والفكري، ومواصلين طريقهم رغم ما واجهوه من تحديات ومخاطر وتضحيات جسيمة. لكن عام 2017 مثّل محطة قاسية في تاريخ صبر الموادم، حين طغت الجماعات التكفيرية واحتلت مناطق من الجبل، وطالت اعتداءاتها جامع وضريح الشريف محمد جمال الدين الجنيد، كما تعرضت ذريته للتشريد، في مشهد جسّد حجم المعاناة التي عاشتها المنطقة خلال تلك المرحلة. لم يكن هدم الجامع والضريح مجرد اعتداء على مبنى ديني أو معلم تاريخي، بل كان استهدافًا لمعْلم ارتبط بذاكرة المكان وتاريخه العلمي والروحي، ورمزًا من رموز الإرث الذي تناقلته الأجيال. كما أن تشريد أبناء الأسرة لم يكن قادرًا على إنهاء حضورهم أو محو ما تركه أسلافهم من أثر في حياة الناس ووجدانهم. ورغم قسوة الأحداث، واصلت ذرية الشريف الجنيد التمسك بما تؤمن به من نهج وقيم، وقدمت تضحيات كبيرة في مواجهة الجماعات التكفيرية، سقط خلالها مئات الشهداء، لتصبح دماء هؤلاء جزءًا من ذاكرة الصمود التي تختزنها المنطقة، وعنوانًا لما تكبدته الأسر اليمنية من خسائر في ظل الحرب. إن التاريخ لا يُكتب بالحجارة وحدها، ولا تُمحى جذوره بهدم المساجد والأضرحة، فالمعالم قد تتعرض للتدمير، والبيوت قد تُهجر، لكن الذاكرة التي تسكن وجدان الناس تظل حاضرة، تنتقل من جيل إلى جيل، وتحفظ أسماء الرجال الذين تركوا بصماتهم في العلم والجهاد وخدمة المجتمع. واليوم، يتنفس جبل صبر الموادم نسائم الحرية، ويعود إلى حضن الوطن، بعد مرحلة ثقيلة من الصراع والمعاناة، فيما تتراجع الجماعات التكفيرية ومجاميعها المسلحة أمام التطورات الميدانية التي شهدتها المنطقة. وتفتح هذه التحولات صفحة جديدة أمام أبناء صبر، عنوانها استعادة الأمن والاستقرار، وترميم ما دمرته الحرب، وإعادة الاعتبار للمعالم التاريخية والدينية التي تعرضت للاعتداء. إن تحرير صبر لا يمثل مجرد تحول ميداني، بل يحمل دلالات تتجاوز حدود الجغرافيا، لأنه يعيد التأكيد على ارتباط الإنسان اليمني بأرضه، وتمسكه بهويته، ورفضه أن تتحول مناطقه إلى ساحات مفتوحة للمشروعات الخارجية والجماعات المتطرفة. فصبر جزء أصيل من تعز، وتعز جزء لا يتجزأ من اليمن، ولا يمكن اقتلاع أي منهما من جذورهما التاريخية والوطنية. لقد أثبتت أحداث السنوات الماضية أن الجبال لا تستمد شموخها من ارتفاعها وحده، بل من مواقف أبنائها، وأن الأرض التي تحتضن ذاكرة العلماء والمجاهدين لا تفقد هويتها مهما اشتدت عليها المحن. ومن هنا، فإن صبر الموادم ليس مجرد موقع جغرافي يطل على تعز، بل رمز للصمود والتمسك بالأرض والوفاء للتاريخ. إن المرحلة المقبلة تتطلب الاهتمام بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، والعمل على ترميم جامع وضريح الشريف محمد جمال الدين الجنيد، وصيانة المعالم التاريخية والدينية، وتوثيق سيرة العلماء والشخصيات التي أسهمت في تاريخ المنطقة، إلى جانب إنصاف الأسر المتضررة ورعاية ذوي الشهداء، بما يحفظ ذاكرة المكان ويصون حقوق أبنائه. فالمعركة الحقيقية لا تنتهي بمجرد انحسار المواجهات، بل تكتمل باستعادة الحياة، وإعادة بناء ما تهدم، وحماية الهوية من محاولات الطمس والتشويه، وترسيخ قيم التعايش والأمن والاستقرار. صبر الموادم سيظل جبلًا شامخًا في ذاكرة اليمنيين، وستبقى سيرة الشريف الجنيد وذريته، بما ارتبط بها من علم وتضحيات، جزءًا من تاريخ المنطقة وإرثها الذي يستحق الحفظ والتوثيق. وسيظل هذا الجبل شاهدًا على أن الإنسان اليمني، مهما اشتدت عليه المحن، يظل متمسكًا بأرضه وكرامته، وأن شموخ الجبال لا ينفصل عن شموخ أبنائها الأوفياء. صبر الموادم.. جبل لا ينحني، وتاريخ لا يُمحى، وذاكرة وطن عصية على النسيان. #ملتقى-رائدات-الفكر-الحر