
سليم جواد الفهد.
من هو بانهوفر ولماذا كتب هذا النص؟
ديتريش بانهوفر: (1906–1945) لاهوتي وقس ألماني لوثري كان من أبرز الأصوات المعارضة للنظام النازي منذ وصول هتلر إلى السلطة عام 1933. انخرط في المقاومة وشارك في دائرة الضباط المتآمرين على هتلر فاعتُقل على يد الغيستابو عام 1943 وأُعدم في معتقل فلنسبورغ في 9 أبريل 1945 أي قبل أسابيع قليلة من انتهاء الحرب. حدث ذلك في أكثر فترات ألمانيا ظلامية بعد الحرب العالمية الأولى وببداية عقد الثلاثينات حين انتشرت الفوضى والفقر وفي الوقت الذي ألقى به الغوغاء المُحرضون الحجارة على المحلات التجارية واعتدوا على النساء والأطفال الأبرياء أمام الملأ بدأ ديتريش بانهوفر القس الألماني الشاب الكلام ضد هذه الفظائع.
بعد سنوات من النضال لتغيير آراء الناس.
عاد بانهوفر ذات مساء إلى بيته ليخبره أباه أن شخصين ينتظرانه. لقد كانا من الغستابو الألماني الذراع البوليسية الحديدية لنظام النازية في ذلك الوقت. فتم اعتقال بانهوفر عام 1943.
في السجن بدأ بانهوفر يفكر كيف تحول بلده من بلد المفكرين والشعراء إلى مجموعة من الغوغاء والمحتالين والمجرمين. وقد خلص بالنهاية إلى أن الجذر الحقيقي للمشكلة لم يكن الرغبة بممارسة الشر بل كان الغباء.
وهذا النص الذي نتحدث عنه ليس كتابا مستقلا بالمعنى الدقيق بل هو مقطع من مقال أوسع عنوانه “بعد عشر سنوات: حساب عند المنعطف العام”. كتبه بانهوفر في أواخر عام 1942 ومطلع 1943 أي في الذكرى العاشرة لتولي هتلر منصب المستشار في (30 يناير 1933) وكان في الأصل رسالة دورية موجهة إلى ثلاثة من أصدقائه ورفاقه في المقاومة وقد نُشر لاحقا ضمن مجموعته الشهيرة “مقاومة واستسلام رسائل وأوراق من السجن”.
المقطع الذي يُشتهر اليوم باسم “نظرية الغباء” عنوانه الأصلي في الألمانية “Von der Dummheit” (في الغباء) وتتألف النسخة الكاملة منه نحو أربع فقرات.
جوهر المقال: الغباء أخطر من الشر:
يفتتح بانهوفر مقاله بجملة صادمة صارت أشهر ما كُتب عنه:
“الغباء عدو للخير و أخطر من (الشر)”. وبرهانه على ذلك يقوم على قابلية المقاومة.
فالشر يمكن مقاومته و الاحتجاج عليه وفضحه ومنعه بالقوة عند الضرورة لأن الشر يحمل في داخله “قابلية تفكيك ذاته” فالشر يترك على الأقل قدرا من عدم الارتياح في نفس صاحبه أي أن فاعل الشر يبقى على صلة ما بالضمير.
أما الغباء فإننا عُزل أمامه بلا سلاح”.
لا الاحتجاجات ولا استخدام القوة يجديان نفعا هنا الحجج لا تنفع والوقائع التي تخالف الأحكام المسبقة لا تُصدق وحين تكون الوقائع قاطعة لا يُمكن دحضها فإنها تُدفع جانبا باعتبارها حالات فردية لا معنى لها.
والفارق الحاسم عند بانهوفر إن الشخص الغبي بخلاف الشرير راض عن نفسه تمام الرضا وأنه سريع الاستفزاز و ينتقل إلى الهجوم عليك بمجرد أن تنتقد أصنامه وهذا يستدعي منا مزيدا من الحذر منه أكثر مما يستدعيه الشرير.
وينتهي بانهوفر إلى قاعدة عملية قاطعة: “لن نحاول مرة أخرى أن نُقنع الشخص الغبي بالحجج فهو عبث وخطر”.
الغباء ليس نقصا في الذكاء بل عيب أخلاقي إنساني:
ينتقل بانهوفر من الوصف إلى التشخيص ويقرر أن الغباء في جوهره ليس عيبا فكريا بل عيب أخلاقي إنساني ويقدم دليلا تجريبيا بسيطا: “هناك من يمتلك ذهنا شديد الحركة والذكاء ومع ذلك هو غبي وآخرون بطيؤ الفهم لكنهم أبعد ما يكونون عن الغباء. والاستنتاج أن الغباء ليس عيبا وُلد مع الإنسان أي (خلقيا) بل يحصل في ظروف معينة حين يُصنع الناس أغبياء أو بالأحرى يسمحون هم بذلك”.
هنا نقطة دقيقة بانهوفر يوزع المسؤولية بين الطرفين القوة التي تُخضِع والقبول الذي يمنحه الفرد لنفسه بالاستسلام. فالغباء عنده ليس دائما مفروضا من الأعلى فقط بل هو أيضا فعل استسلام من الأسفل.
الغباء مشكلة اجتماعية – نفسية لا نفسية فردية:
يلاحظ بانهوفر أن المنعزلين و المنفردين أقل عرضة لهذا العيب من الأفراد والجماعات المندفعة إلى الاجتماع. ومن هنا عبارته الشهيرة:
“لذلك يبدو أن الغباء ربما مشكلة اجتماعية أكثر منها مشكلة نفسية”.
فهو ضرب خاص من تأثير الظروف التاريخية على الإنسان ومصاحب نفسي لظروف خارجية معينة. أي أن الغباء حالة عارضة ترتبط بالبيئة أكثر مما ترتبط ببنية العقل وهنا ينتقل بانهوفر إلى العلاقة بين السلطة والغباء:
هذه لب النظرية يقول بانهوفر: “إن كل انبعاث قوي للسلطة في المجال العام – سياسيا كان أو دينيا – يُصيب جزءا كبيرا من البشرية بالغباء حتى ليكاد يكون ذلك قانونا اجتماعيا-نفسيا”.
وهذا هو معنى العبارة “سلطة البعض تحتاج إلى غباء الآخرين”.
والمهم أنه يُصر على أن الآلية ليست تعطيلا مفاجئا في الملكات العقلية أي ليست العملية أن قدرات معينة كالفكر تضمر أو تسقط فجأة بل هي سَلب للاستقلال الداخلي خاصة تحت التأثير الساحق لتصاعد السلطة يُسلب من الإنسان استقلاله الداخلي فيتخلى بوعي أو بغير وعي عن أن يبني موقفا مستقلا تجاه الظروف الناشئة.
ومن هنا قاعدته الحاسمة: “العناد ليس دليلا على الاستقلال فالغبي كثيرا ما يكون عنيدا لكنه في الحقيقة غير مستقل”. ويصف بانهوفر الإحساس في الحديث مع الغبي العنيد “لا تشعر أنك تتعامل معه هو كشخص بل مع شعارات وقوالب استولت عليه فيكون مأخوذا بسحر معمىً مُستغَلا ومُساءً إليه في أعماق ذاته”.
ثم تأتي أخطر جملة في المقال وهي الجملة التي تربط الغباء بالشر مباشرة:
“وهكذا وقد صار أداةً بلا إرادة يكون الغبي قادرا على كل شر وعاجزا في الوقت نفسه عن أن يرى أنه شر”.
وهنا يحدد “خطر الاستغلال الشيطاني” الذي يُدمر البشر إلى الأبد فتكون المعادلة: الشر يحتاج إلى الغباء ليعمل لأن الشرير وحده لا يستطيع الوصول إلى السلطة والاستمرار فيها إلا بأيدي من لا يرون الشر شرا.
و الحل هو: التحرير لا التلقين:
ينفي بانهوفر أن يكون التعليم أو الوعظ أو الإقناع قادرا على شفاء الغباء يقول:
“ليس فعل التلقين هو العلاج بل وحده فعل التحرير هو الذي يستطيع تجاوز الغباء”.
ويضيف شرطا واقعيا صارما: “إن التحرر الداخلي الحقيقي لا يصير ممكنا في الغالب الأعم إلا بعد أن يسبقه تحرر خارجي”.
أي بعد سقوط القوة الضاغطة أو زوال الظرف القاهر. وإلى أن يقع ذلك فإن الواجب العملي أن نتوقف عن محاولة إقناع الغبي لأن الجدال معه لا ينتج شيئا بل ربما يزيده تصلبا وعنادا.
وتظل كل محاولات معرفة ما يفكر فيه الغبي فعلا عبثيا في ظروف ضغط السلطة والسؤال نفسه عديم الجدوى للمفكر ما دامت ظروف التسلط قائمة.
الأساس اللاهوتي:
ولأن بانهوفر (قس)
لا يمكن فصل “نظرية الغباء” عنده عن لاهوت بانهوفر. فالحل النهائي عنده ليس نفسيا أو سياسيا فحسب بل دينيا أيضا.
يستشهد بآية الكتاب المقدس ‘مخافة الله بدءُ الحكمة” ويستنتج:
“التحرر الداخلي للإنسان نحو الحياة المسؤولة أمام الله هو التجاوز الحقيقي الوحيد للغباء”.
فالحكمة عنده ليست وفرة معلومات بل الوقوف مسؤولا أمام الله وهو موقف وجودي أخلاقي يعصم الإنسان من الانصياع الأعمى للسلطة. وهذا هو المعنى الذي يربط الفكرة كلها: الغباء في نظر بانهوفر مرض أخلاقي-روحي لا عيب ذهني.
يُنهي بانهوفر مقاله بجملة تعزية مهمة:
“هذه الأفكار تمتنع تماما عن اعتبار أكثرية الناس أغبياء في كل الظروف”. فالأمر يتوقف فعلا على ما إذا كان أصحاب السلطة ينتظرون من الناس غباءهم أم ينتظرون منهم استقلالهم الداخلي وحكمتهم.
أي أن الغباء ليس قدرا ثابتا للشعب بل متغير يتوقف على ما تطلبه السلطة وتستثمره فإن كان الطاغية يريد أتباعا عميا صنع منهم ذلك وإن كان المجتمع يستنفر استقلاله وحكمته انتصر عليه.
يريد منا (بانهوفر) اليوم أن نتسامح مع “الغباء” حين يكون بسيطا وغير ضار كما يحدث مع جاهل لا يعرف شيئا بسيطا.
لكن حين يستولي الغباء على السلطة فإن الأمر يصير خطرا يجب أن ننتقده و نقاومه لأن الشرير يحول الشعب إلى دمية تتحرك و أدمغة خاوية تمكنه من الوصول إلى مراده.
…………..م.
نظرية الغباء عند ديترش بانهوفر، ترجمة وأعداد علاء الخطيب.



