أكتوبر 13, 2026
رياض سعد

رياض سعد

*حين تتحول الشعارات إلى ستار للاستبداد، ويتحوّل الطاغية في عيون أتباعه إلى بطل قومي

من أكثر الظواهر السياسية إثارةً للقلق في العالم العربي ظاهرة تمجيد بعض الأشخاص للحكام المستبدين، والدفاع عنهم دفاعًا أعمى، وتقديمهم بوصفهم أبطالًا قوميين وحماةً للعروبة والإسلام، لمجرد أنهم رفعوا شعارات الوحدة العربية أو مقاومة الاستعمار أو التصدي للغرب وإسرائيل… ؛  وكأن إطلاق الشعارات يكفي لصناعة البطولة، وكأن الحاكم الذي يتحدث باسم الأمة يصبح فوق النقد والمساءلة، مهما ارتكب من جرائم، ومهما خلّفت سياساته من مآسٍ وخراب…!!

إن المأساة الحقيقية لا تكمن في وجود حكام استبدوا بشعوبهم فحسب، بل في وجود من يصفق لهم بعد سقوط أنظمتهم، ويعيد إنتاج صورتهم بوصفهم رموزًا خالدة، متجاهلًا آلام ضحاياهم، ومتعاميًا عن الوقائع التاريخية، وكأن ذاكرة الشعوب لا تستحق الاحترام، وكأن دماء الضحايا أقل قيمة من الشعارات التي رفعها جلادوهم.

وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لإنسان يدّعي الدفاع عن كرامة الأمة أن يمجّد حاكمًا أهان كرامة أبناء شعبه؟!

وكيف يمكن لمن يرفع راية الحرية والاستقلال أن يبرر القمع والسجون والتعذيب والقتل، لمجرد أن مرتكبها تحدث عن العروبة أو المقاومة أو السيادة الوطنية؟!

إنها مفارقة تكشف خللًا عميقًا في الوعي السياسي، حين تتقدم العاطفة على الحقيقة، ويتحول الانتماء القومي إلى تعصب أعمى، ويصبح الحاكم في نظر أتباعه أهم من الوطن، والزعيم أهم من الشعب، والشعار أقدس من الإنسان.

*آلة التمجيد: كيف يُصنع الزعيم الإله؟

في الوعي العربي، لم يكن القائد يومًا مجرد مسؤول إداري يُحاسب ويُساءل، بل تحوّل عبر عقود إلى رمز يُعامل بقدر من القداسة، تتزاحم الرتب العسكرية لتقبيل يده في مشهد أقرب إلى الطقوس الموروثة منها إلى التحيّة الرسمية… ؛  هكذا تمدّد تمجيد صدام في العراق حتى بلغ مساحة تتجاوز السياسة إلى الأسطورة، بصورٍ وألقاب وخطاباتٍ صنعت حوله ملامح الزعيم المُلهَم… ,  وفي دول عربية أخرى برزت صيغٌ مشابهة في تقديم القادة باعتبارهم أصحاب رؤية لا تُخطئ وقوة لا تُقهر.

لكن المفارقة الأكثر وضوحًا تتمثل في تحوّل كثير ممّن كانوا يمجّدون الزعماء السابقين إلى أشدّ ناقديهم بعد سقوطهم؛ الكلمات نفسها التي صيغت للمديح صارت تُستخدم للذم، والأسلوب الذي زُيّن به القائد تحوّل إلى أداة لنزع شرعيته، ثم ينتقل الأشخاص أنفسهم لتمجيد القادمين الجدد بالوتيرة ذاتها، كأنّ الولاء كان مرتبطًا بالموقع لا بالقناعة… ,  هذا الانقلاب السريع لا يعبّر عن مراجعة نقدية، بقدر ما يكشف عن وعيٍ يبدّل اتجاهه تبعًا للغالب لا تبعًا لمبدأ ثابت.

أولًا: بين العروبة الحقيقية والعروبة التي يتاجر بها الحكام

ليس كل من رفع شعار العروبة عربيًّا في موقفه السياسي أو عربيا اصيلا ، وليس كل من تحدث عن وحدة الأمة كان مؤمنًا فعلًا بحقوق شعوبها، كما أن رفع الشعارات الإسلامية لا يجعل صاحبها بالضرورة مدافعًا عن الإسلام أو ملتزمًا بقيمه الأخلاقية.

فالعروبة، بوصفها انتماءً ثقافيًا وتاريخيًا وحضاريًا، ليست ملكًا لحاكم أو حزب أو نظام سياسي، ولا يجوز اختزالها في شخص واحد مهما بلغت قوته أو اتسعت شعبيته… ؛  إنها رابطة إنسانية وثقافية وتاريخية أوسع من أن يحتكرها فرد، وأسمى من أن تتحول إلى غطاء لتبرير الاستبداد.

أما القومية العربية التي تتخذ من كرامة الإنسان ووحدة المصالح المشتركة والاستقلال السياسي منطلقًا لها، فلا يمكن أن تنسجم مع إهدار كرامة المواطنين، أو قمع الحريات، أو إخضاع الشعوب لإرادة الحاكم الفرد.

فما قيمة الحديث عن كرامة العرب إذا كان المواطن العربي عاجزًا عن انتقاد رئيسه؟!

وما معنى الدفاع عن الأمة إذا كان أبناؤها يُساقون إلى السجون بسبب آرائهم؟!

 وأي وحدة قومية يمكن أن تُبنى على الخوف والإكراه، بدلًا من الإرادة الحرة والتوافق والعدالة؟!

إن القومية التي لا تحترم الإنسان تتحول إلى أداة للهيمنة، والعروبة التي تُستخدم لتبرير جرائم السلطة تفقد معناها الأخلاقي، وتصبح مجرد لافتة سياسية تُرفع عند الحاجة، ثم تُطوى عندما تتعارض مبادئها المعلنة مع مصالح الحاكم.

ولذلك ينبغي التفريق بين العروبة باعتبارها انتماءً ثقافيًا وحضاريًا، وبين الأنظمة التي احتكرت تمثيلها وادعت الحديث باسمها، وبين الشعارات التي رُفعت لتحقيق أهداف سياسية لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الشعوب العربية.

ثانيًا: المجرم صدام .. حين تتحول القوة إلى معيار زائف للبطولة

يمثل نظام صدام والبعث في العراق نموذجًا واضحًا للتناقض بين الخطاب القومي والممارسة السياسية… ؛  فقد رفع النظام شعارات القومية العربية، وتحدث عن السيادة والكرامة ومواجهة الخصوم، لكنه حكم البلاد عبر منظومة شديدة الاستبداد، ارتبط تاريخها بالقمع السياسي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وبالحروب التي تركت آثارًا كارثية على العراق والمنطقة.

ولا يمكن تناول هذا التاريخ من دون الإشارة إلى حملة الأنفال عام 1988، التي استهدفت الأكراد العراقيين، وإلى الهجوم الكيميائي على حلبجة في العام نفسه، فضلًا عن قمع انتفاضة عام 1991، وما رافق سنوات الحكم من اعتقالات وإعدامات واختفاءات قسرية وانتهاكات موثقة.

كما أن استرجاع الكويت عام 1990 وبأوامر امريكية ؛ مثّل قرارًا عسكريًا وسياسيًا كارثيًا أدخل العراق في مواجهة دولية، وأفضى إلى حرب مدمرة وتداعيات طويلة الأمد على الشعب العراقي.

فأي بطولة قومية يمكن أن تُستخلص من سياسات ألحقت أضرارًا فادحة بالعراق وشعوب المنطقة؟!

 وأي دفاع عن الأمة يبرر تعريض المواطنين للحروب والدمار والحصار والقتل والجوع والعذاب ، ثم مطالبتهم بتقديس من اتخذ القرارات التي قادت إليها؟

إن نقد المجرم صدام  لا يعني إنكار تعقيدات التاريخ العراقي، ولا تبرئة القوى الأجنبية من مسؤولياتها عن مآسي العراق، ولا قبول الاحتلال أو التدخل الخارجي… ؛  لكنه يعني رفض تحويل هذه القضايا إلى ذرائع لتبرير الاستبداد أو محو جرائم النظام البعثي الصدامي من الذاكرة الوطنية.

فلا الاحتلال يبرر الدكتاتورية، ولا العداء للولايات المتحدة يمنح أي حاكم حصانة أخلاقية، ولا رفع العلم العراقي أو العربي يعفي السلطة من مسؤوليتها عن حياة المواطنين وحقوقهم.

إن العراق أكبر من صدام العفن، والعراقيين أكرم من أن تُختزل كرامتهم في صورة حاكم لقيط ، مهما حاولت دعايته أن تجعله رمزًا أبديًا للوطن والامة .

ثالثًا: جمال عبد الناصر.. بين الإنجازات التاريخية وأخطاء السلطة

أما جمال عبد الناصر، فلا يصح التعامل مع تجربته السياسية بمنطق التقديس المطلق أو الإدانة التي تتجاهل كل سياق تاريخي… ؛  فقد ارتبط اسمه بتأميم قناة السويس عام 1956، وبمشروعات للتصنيع والإصلاح الاجتماعي، وبخطاب مناهض للاستعمار، وبحضور جماهيري واسع في مصر والعالم العربي.

لكن هذه الجوانب لا تلغي الوجه الآخر لتجربته، المتمثل في تركيز السلطة، وتقييد التعددية السياسية، وقمع معارضين، والانتهاكات التي تعرض لها معتقلون سياسيون، فضلًا عن إخفاقات سياسية وعسكرية كبرى، كان في مقدمتها هزيمة عام 1967 وما تركته من آثار نفسية وسياسية واستراتيجية عميقة.

ومن الإنصاف أن نميز بين سياسات عبد الناصر وإنجازاته وإخفاقاته، وأن نضعها في سياق عصره وظروفه الإقليمية والدولية، بدلًا من تحويله إلى شخصية مقدسة لا يجوز نقدها.

فليس من الموضوعية إنكار كل ما تحقق في عهده لمجرد انتقاد استبداده، كما ليس من الموضوعية اتخاذ مواقفه المناهضة للاستعمار مبررًا لتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان أو الإخفاقات الاستراتيجية.

إن المشكلة تبدأ حين يتحول التقييم التاريخي إلى عبادة سياسية؛ فيصبح كل نجاح دليلًا على عبقرية الزعيم، وكل فشل مؤامرة خارجية، وكل ضحية مجرد تفصيل هامشي لا يستحق الذكر.

وهذه الآلية لا تخدم عبد الناصر نفسه، ولا تخدم القومية العربية، بل تحرم الأجيال الجديدة من فهم تجربته فهمًا نقديًا يساعدها على الاستفادة من إيجابياتها وتجنب أخطائها.

رابعًا: معمر القذافي وحافظ الأسد وعمر البشير.. اختلاف الشعارات وتشابه الاستبداد

رفع معمر القذافي شعارات الوحدة العربية والتحرر والثورة، ثم قدّم ما عُرف بالنظرية العالمية الثالثة، وأقام نظامًا سياسيًا احتكر فيه السلطة وضيّق المجال أمام المعارضة المستقلة… ؛  وشهدت ليبيا في عهده انتهاكات لحقوق الإنسان، من بينها مجزرة سجن أبو سليم عام 1996، التي قُتل فيها مئات السجناء وفق التقديرات المتداولة، كما ارتبط حكمه بقمع المعارضين وغياب المؤسسات المستقلة القادرة على مراقبة السلطة ومحاسبتها.

ومع ذلك، لا يزال بعض الأشخاص يستحضرون صورته بوصفه زعيمًا تحدى الغرب، وكأن الصدام مع القوى الخارجية يكفي وحده لمحو ما ارتُكب في الداخل… ؛  والحقيقة أن موقف الحاكم من الخارج لا يمكن فصله عن موقفه من شعبه، وأن مقاومة الهيمنة الأجنبية لا تصبح فضيلة مكتملة إذا اقترنت بإخضاع المواطنين وإهدار حقوقهم.

أما حافظ الأسد، فقد أقام في سوريا نظامًا سلطويًا شديد المركزية، اعتمد على الأجهزة الأمنية، وقمع المعارضة، وشهد عهده أحداثًا دموية جسيمة، من أبرزها أحداث حماة عام 1982، التي خلّفت أعدادًا كبيرة من القتلى، مع استمرار الخلاف بين المصادر حول الحصيلة الدقيقة.

ولم يكن الحديث عن المقاومة أو الممانعة كافيًا لإلغاء سجل الاعتقالات السياسية، وتقييد الحريات، وإضعاف الحياة السياسية المستقلة… ؛  فالقضية ليست في الشعارات التي يرفعها النظام، وإنما في طبيعة الدولة التي يبنيها، والحقوق التي يمنحها أو يسلبها، والوسائل التي يستخدمها للاحتفاظ بالسلطة.

وفي السودان، رفع عمر البشير شعارات دينية ووطنية، لكنه حكم البلاد لعقود في ظل نظام سلطوي ارتبط بانتهاكات واسعة، وبالحرب في دارفور التي شهدت جرائم جسيمة وعمليات قتل وتهجير واسعة، وبملاحقات قضائية دولية طالت البشير، الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحقه مذكرتي توقيف عامي 2009 و2010 على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في دارفور.

وهنا يتضح أن رفع الشعارات الدينية أو القومية لا يحول النظام تلقائيًا إلى نظام عادل، ولا يمنحه براءة سياسية أو أخلاقية… ؛  فالقيم تُختبر في الممارسة، لا في الخطب، والعدالة تُقاس بما يصون الإنسان من الظلم، لا بما يردده الحاكم عن نفسه.

وتختلف هذه التجارب في ظروفها وأفكارها ونتائجها، ولا يصح وضعها جميعًا في قالب تاريخي واحد… ؛  لكن ما يجمع بينها، بدرجات متفاوتة، هو السؤال المتعلق بحدود السلطة، وحقوق المواطنين، وإمكان محاسبة الحاكم عندما تتحول الدولة إلى أداة لحماية النظام بدلًا من حماية المجتمع.

خامسًا: لماذا يمجّد بعض الناس الطغاة؟

لا يمكن تفسير ظاهرة تمجيد الحكام المستبدين بالجهل وحده، وإن كان ضعف المعرفة التاريخية والسياسية أحد أسبابها… ؛  فهناك عوامل نفسية واجتماعية وسياسية متداخلة تسهم في صناعة هذه الظاهرة واستمرارها.

أول هذه العوامل هو التعلق بصورة الزعيم القوي… ؛  ففي أوقات الأزمات والانكسارات، يبحث بعض الناس عن شخصية تمنحهم شعورًا بالعزة والقدرة على مواجهة الخصوم… ,  وقد ينجذبون إلى الحاكم الذي يتحدث بلهجة حادة، أو يتحدى القوى الكبرى، أو يقدم نفسه بوصفه رجلًا لا يخشى أحدًا… ,  لكن القوة في الخطاب لا تعني بالضرورة قوة الدولة، كما أن التحدي اللفظي لا يساوي تحقيق المصالح الوطنية.

وثانيها الانتقائية في قراءة التاريخ؛ إذ يستحضر الممجّدون بعض المواقف التي يعتقدون أنها مشرّفة، ويتجاهلون الحروب والكوارث والانتهاكات والمؤامرات … ؛ وقد تتحول واقعة واحدة، مثل مواجهة دولة أجنبية أو اتخاذ قرار سيادي، إلى مبرر لتبرئة الحاكم من مجمل سياساته.

وثالثها التعصب الأيديولوجي، حيث ينظر بعض الأفراد إلى الزعيم باعتباره ممثلًا نهائيًا لعقيدتهم السياسية، فيتعاملون مع نقده وكأنه اعتداء على هويتهم الشخصية أو القومية أو الطائفية … ,  وهكذا تتراجع القدرة على التمييز بين الوطن والحكومة، وبين الأمة والحزب، وبين المبدأ والشخص الذي يدعي تمثيله.

ورابعها تأثير الدعاية السياسية والحنين الانتقائي إلى الماضي… ؛  فقد تساهم وسائل الإعلام والخطابات الحزبية والمنصات الرقمية في إعادة تشكيل الذاكرة العامة، عبر تكرار صور القوة والهيبة، وتهميش الضحايا، وتقديم الماضي وكأنه عصر مثالي خالٍ من الأزمات… ,  ومع مرور الزمن، قد تتحول الرواية الدعائية إلى حقيقة متخيلة لدى من لم يعاصروا تلك الأحداث أو لم يطّلعوا على مصادر متنوعة بشأنها.

وخامسها البحث عن تفسير بسيط للهزائم المعقدة… ,  فمن الأسهل أحيانًا إلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية وحدها، أو الاعتقاد بأن الأمة كانت عظيمة في عهد زعيم بعينه ثم انهارت بعده، بدلًا من دراسة الأخطاء الداخلية، وطبيعة المؤسسات، والاختلالات الاقتصادية، وغياب المشاركة السياسية.

ولا ينبغي أن نغفل كذلك المصالح الشخصية والحزبية، إذ قد يدافع بعض الأشخاص عن أنظمة سابقة لأنها تمثل لهم رمزًا سياسيًا أو مصدرًا للنفوذ أو جزءًا من انتمائهم التنظيمي، لا لأنهم أجروا مراجعة موضوعية لتجربتها.

ومن هنا، فإن وصف كل من يمجّد حاكمًا مستبدًا بأنه أحمق أو مغفل لا يقدم تفسيرًا كافيًا للظاهرة، حتى لو كان سلوكه قائمًا على التناقض أو الانتقائية… ؛  فالمطلوب هو تفكيك آليات التمجيد، وكشف تناقضاتها، وتعزيز الوعي الذي يمنع تحويل العواطف إلى بديل عن التفكير النقدي.

سادسًا: هل كل من عارض هؤلاء الحكام عميل، وكل من مدحهم وطني؟

من أخطر نتائج الاستبداد السياسي أنه يفرض على المجتمع معادلة زائفة: إما أن تكون مع الحاكم فأنت وطني، وإما أن تنتقده فأنت خائن أو عميل أو عدو للأمة.

وقد استُخدمت هذه الثنائية في تجارب سياسية عربية متعددة لتجريم المعارضة الوطنية والحرة ، وتشويه المطالبين بالإصلاح، وإغلاق المجال العام أمام النقاش الحر.

لكن الوطنية لا تُقاس بمقدار الولاء للحاكم، وإنما بمدى الالتزام بمصلحة الوطن وحقوق المواطنين واستقلال القرار الوطني… ؛  فقد يكون المعارض وطنيًا يسعى إلى إصلاح الدولة، وقد يكون المؤيد صادق النية لكنه مخطئ في تقديره، وقد يكون بعض المعارضين مرتبطين فعلًا بقوى خارجية، كما قد يستغل بعض المؤيدين شعارات الوطنية لتحقيق مصالح خاصة… ,  ولذلك لا بد من فحص الوقائع والأدلة في كل حالة، بدلًا من إطلاق الأحكام العامة.

كذلك، فإن معارضة سياسة أمريكية أو غربية لا تعني تلقائيًا تأييد كل من يرفع شعار مواجهتها، مثلما أن انتقاد نظام عربي مستبد لا يعني تأييد التدخل العسكري الخارجي أو الاحتلال أو الهيمنة الأجنبية.

إن استقلال القرار الوطني قيمة أساسية، لكنه لا يتحقق بمجرد العداء اللفظي للغرب، بل ببناء دولة قادرة على حماية مصالح شعبها، وتنويع علاقاتها، وتطوير اقتصادها، وتعزيز مؤسساتها، ومنع إخضاع إرادتها لأي قوة خارجية.

أما تحويل كل نقد إلى تهمة بالعمالة، فهو أسلوب يهدف إلى إسكات العقل بدلًا من إقناعه، وإلى حماية الحاكم من المساءلة بدلًا من حماية الوطن من الأخطاء.

سابعًا: الشواهد التاريخية لا تصنعها الخطب وحدها

إن التاريخ السياسي العربي الحديث يقدم شواهد كثيرة على أن الشعارات الكبرى لا تضمن نجاح السياسات، وأن الخطاب القومي لا يعصم أصحابه من الخطأ أو الاستبداد.

فالوحدة المصرية السورية، التي قامت عام 1958 وانتهت عام 1961، تكشف أن الحلم الوحدوي يحتاج إلى مؤسسات متوازنة، ومشاركة سياسية، وتوافق بين المجتمعات، ولا يكفي لتحقيقه إعلان الوحدة أو رفع الشعارات.

كما أن هزيمة عام 1967 تفرض على الباحثين دراسة طبيعة القرارات العسكرية والسياسية، وأداء المؤسسات، وحدود الخطاب التعبوي حين ينفصل عن الاستعداد الواقعي والتخطيط والمحاسبة.

 أما حرب العراق وإيران، التي استمرت من عام 1980 إلى عام 1988، ثم حرب الكويت عام 1990، وما تبعهما من حروب وعقوبات وتداعيات مدمرة، فتقدم مادة واسعة لدراسة الكلفة البشرية والاقتصادية للقرارات التي تتخذها السلطات من دون رقابة شعبية فعالة.

وفي سوريا، أظهرت أحداث حماة عام 1982 الثمن الباهظ الذي قد تدفعه المجتمعات عندما تتحول المواجهة السياسية إلى عنف واسع النطاق… ؛  وفي ليبيا، بقيت مجزرة سجن أبو سليم من أبرز الشواهد على خطورة غياب الرقابة المستقلة والمساءلة… ؛ وفي السودان، كشفت مأساة دارفور كيف يمكن أن تتسع الفجوة بين الشعارات المعلنة والواقع الذي يعيشه السكان.

هذه الوقائع ليست مجرد تفاصيل في كتب التاريخ، بل دروس تتصل بمستقبل المجتمعات العربية، وتؤكد أن الدولة التي لا تسمح بمراجعة قراراتها تصبح أكثر عرضة للأخطاء الكارثية، وأن الحاكم الذي لا يجد من يحاسبه قد يخلط بين مصلحة الوطن وبقاء سلطته... ؛ مما تقدّم، يتّضح سرّ إصرار وسائل الإعلام البعثية والصدامية على ترديد عبارة: «إذا قال صدام، قال العراق»!.

ومن الضروري، في الوقت نفسه، ألا تتحول هذه الشواهد إلى مبرر لتعميم الأحكام على الشعوب أو إنكار كل إنجاز تحقق في عهد معين… ,  فالتقييم التاريخي الرصين يميز بين الإنجازات والإخفاقات، وبين المسؤولية السياسية والجنائية، وبين الوقائع المثبتة والاتهامات التي تحتاج إلى أدلة.

ثامنًا: لا قداسة للحاكم، ولا حصانة للشعار

إن منطق تمجيد الحكام لمجرد رفعهم شعارات قومية أو دينية يقوم على مغالطة أساسية: الاعتقاد بأن صحة الشعار تمنح صاحبه الحق في كل ممارسة.

لكن الدفاع عن العروبة لا يبرر قتل العربي، والدفاع عن الإسلام لا يبرر ظلم المسلم أو غير المسلم، والدفاع عن السيادة لا يبرر إذلال المواطن، ومقاومة الهيمنة الخارجية لا تمنح السلطة تفويضًا مفتوحًا لقمع شعبها.

فإذا كان الحاكم يتحدث عن الحرية، وجب أن نختبر مقدار الحرية التي أتاحها لمواطنيه… ,  وإذا تحدث عن العدالة، وجب أن ننظر في استقلال القضاء والمساواة أمام القانون… ,  وإذا ادعى حماية الأمة، وجب أن نسأل عن أثر سياساته في أمنها واقتصادها ووحدتها ومستقبل أبنائها.

وهذه ليست معايير مثالية مستحيلة، بل هي الحد الأدنى الذي ينبغي أن تقوم عليه الدولة الحديثة.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى الأخلاقي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90). فالعدل قيمة لا تستقيم مع تقديس الأشخاص أو إعفاء أصحاب السلطة من المساءلة.

كما أن المبدأ الدستوري القائل بخضوع الجميع للقانون يعني أن الحاكم، مهما كانت شعبيته أو شعاراته، ليس فوق المحاسبة، وأن الحقوق لا ينبغي أن تتوقف على رضا السلطة أو قرب المواطن من الحزب الحاكم.

إن الوطن ليس ملكًا للحاكم، والشعب ليس مزرعة خاصة، والسلطة ليست غنيمة، والتاريخ ليس سجلًا دعائيًا يُكتب لتمجيد المنتصرين ومحو معاناة المهزومين.

تاسعًا: كيف نواجه ثقافة التمجيد الأعمى؟

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق بمجرد استبدال تمجيد حاكم بشتمه، ولا بتقديس خصومه، وإنما ببناء ثقافة سياسية تقوم على المعرفة والمساءلة واحترام الإنسان.

ويبدأ ذلك بتعليم الأجيال قراءة التاريخ من مصادر متعددة، والتمييز بين الوثيقة والدعاية، وبين الرأي والحقيقة، وبين الإنجاز الحقيقي والإنجاز الذي تصنعه الحملات الإعلامية.

كما يتطلب ترسيخ مبدأ أن كل سلطة قابلة للنقد، وأن المعارضة ليست جريمة، وأن الاختلاف السياسي لا ينتقص من الانتماء الوطني… ,  وينبغي كذلك تعزيز استقلال القضاء، وحرية الصحافة، وشفافية المؤسسات، وحماية حقوق الإنسان، لأنها الضمانات التي تحول دون تكرار المآسي.

ومن المهم أيضًا إخضاع التجارب القومية والدينية والسياسية لمراجعة جادة، لا بهدف تصفية الحسابات مع الماضي، بل لاستخلاص الدروس… ,  فما أخفق في بناء دولة عادلة ينبغي ألا يُعاد إنتاجه لمجرد أن بعض رموزه ما زالوا يحظون بشعبية أو لأن خطابهم يبدو جذابًا في زمن الأزمات.

ولا بد من التمييز بين احترام الأشخاص وبين تقديسهم، وبين الاعتراف بإنجازاتهم وبين تبرير أخطائهم، وبين الاعتزاز بالهوية القومية والمذهبية وبين تحويلها إلى أداة لإقصاء الآخرين.

فالأمة التي تتعلم من تاريخها لا تخجل من الاعتراف بأخطائها، ولا تخشى مراجعة رموزها، ولا تحتاج إلى صناعة أصنام سياسية كي تثبت وجودها وكرامتها.

*الخلاصة : ما قيمة الشعارات؟

فما قيمة الشعارات إذا كان المواطن يخاف من التعبير عن رأيه، وتُقمع الحريات، وتُسفك الدماء، وتُدمَّر مؤسسات الدولة، وتدخل البلاد في صراعات يدفع ثمنها الأبرياء؟

إننا لا نقيس الرجال بما قالوه عن أنفسهم، بل بما صنعوه لشعوبهم، ولا نمنح أحدًا صكّ البطولة لمجرد أنه رفع شعار مواجهة الغرب أو الدفاع عن العرب… ؛  فالوطن ليس ملكًا للحاكم، والشعب ليس مزرعة خاصة، والسلطة ليست مبررًا للاستبداد.

ومن الخطأ أن نختزل تاريخ أمة كاملة في أشخاص، أو أن نعتبر كل من عارضهم عميلًا، وكل من مدحهم وطنيًا… ,  فالمواقف تُوزن بالعدل والحقائق، لا بالعواطف والتعصب للأشخاص.

إن الأمة لا تنهض بتقديس الحكام، ولا بإعادة إنتاج أفكار أثبتت إخفاقها، بل بالعدل، والعلم، والحرية المسؤولة، واحترام كرامة الإنسان، وبناء دولة المؤسسات والقانون.

خاتمة: الأوطان أكبر من حكامها

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الوعي العربي هو أن تتحول القومية إلى عبادة للأشخاص، وأن يصبح الحاكم معيار الوطنية، وأن تُمحى حقوق الضحايا من الذاكرة لأن جلادهم رفع شعارًا يحظى بالتقدير لدى فئة من الناس.

فصدام  ليس العراق، وجمال عبد الناصر ليس الأمة العربية، ومعمر القذافي ليس ليبيا، وحافظ الأسد ليس سوريا، وعمر البشير ليس السودان… ,  هذه الأوطان أقدم من حكامها، وأوسع من أحزابهم، وأبقى من أن تُختزل في تجاربهم السياسية.

ولا يعني ذلك إنكار الاختلاف بين هذه الشخصيات أو تجاهل ما حققته بعض سياساتها من نتائج، بل يعني رفض منح أي حاكم حصانة مطلقة بسبب إنجازاته أو شعاراته… ؛  فالتاريخ لا يُقرأ بعين واحدة، والوطنية لا تُقاس بحدة الخطاب، والبطولة لا تثبت بمجرد إعلان العداء للغرب أو رفع راية القومية والمذهبية .

إننا لا نقيس الرجال بما قالوه عن أنفسهم، بل بما صنعوه لشعوبهم، ولا نمنح أحدًا صك البطولة لمجرد أنه تحدث عن كرامة الأمة، بل ننظر إلى أثر حكمه في حياة الناس، وإلى ما تركه من مؤسسات وعدالة وحرية وأمن وازدهار، أو من خوف ودمار وانقسام.

أما الذين يقدّسون الطغاة ويبررون أخطاءهم، فعليهم أن يدركوا أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالدفاع الأعمى عن الحاكم، وأن الاعتزاز بالعروبة لا يقتضي الصمت عن الظلم، وأن مواجهة الاستعمار لا تعني منح المستبدين تفويضًا لاضطهاد شعوبهم.

إن الأمة لا تنهض بالأصنام السياسية، ولا تستعيد كرامتها بتكرار الشعارات القديمة، وإنما تنهض بالوعي والعلم والعدالة والحرية المسؤولة، وبناء دولة المؤسسات والقانون، واحترام كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمن والاختلاف.

فالوطن أكبر من الحاكم، والأمة أسمى من الحزب، والإنسان أكرم من الشعار… ؛  أما التاريخ، فليس صنمًا نعبده، بل مرآة نواجه فيها أخطاءنا، ومدرسة نتعلم منها كيف نبني مستقبلًا لا يُعاد فيه إنتاج الطغيان باسم العروبة أو الدين أو الوطنية.

ليس كل من رفع شعار العروبة والإسلام مناضلًا، وليس كل من تحدّث عن كرامة الأمة كان حريصًا عليها… ؛ وليس ممّن خطب بآيات الجهاد وحثّ الناس عليه، مجاهدًا ؛  فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات والخطب الرنانة، وإنما يُحكم عليه بما قدّمه الحكام لشعوبهم، وبما خلّفته سياساتهم من نتائج.