أكتوبر 13, 2026
رياض

رياض سعد

تتكرر بين الحين والآخر شكاوى عن اعتقال مواطنين عراقيين في المملكة العربية السعودية، وانقطاع أخبار بعضهم عن ذويهم، وعدم وضوح أسباب احتجازهم أو التهم الموجهة إليهم، فضلًا عن مخاوف تتعلق بظروف احتجازهم، ومدى تمتعهم بحقوقهم القانونية والإنسانية… ؛  وتزداد خطورة هذه الحالات عندما يطول أمد الاعتقال، وتتأخر المحاكمات، ويظل مصير المعتقل مجهولًا، فيما تنتظر عائلته خبرًا يطمئنها أو إجابة تفسر لها ما حدث لابنها.

فالكثير من العراقيين عبروا الحدود العراقية السعودية لأغراض متعددة؛ فمنهم من دخل إلى المناطق الحدودية للرعي، ومنهم من قصد المملكة للتجارة أو لأداء مناسك الحج والعمرة. غير أن روايات وشكاوى متداولة تتحدث عن تعرض بعض هؤلاء للاعتقال، وعن حالات لم تتضح فيها ملابسات الاحتجاز أو أسبابه، بينما بقيت عائلاتهم تجهل أماكن وجودهم والجهات التي تحتجزهم، أو تنتظر معلومات رسمية بشأن مصيرهم.

إن القضية هنا لا تتعلق بمجرد توقيف مواطنين عراقيين في دولة أخرى، فلكل دولة قوانينها وإجراءاتها الأمنية والقضائية، وإنما تتعلق بضرورة احترام الضمانات القانونية والحقوق الأساسية للمحتجزين، والإعلان عن أماكن احتجازهم وأسباب توقيفهم، وتمكينهم من التواصل مع ذويهم ومحاميهم، وإجراء محاكمات عادلة وشفافة ضمن مدد معقولة… , أما استمرار الغموض، وغياب المعلومات، وطول أمد الاحتجاز من دون حسم قانوني واضح، فهي أمور تستوجب المتابعة والمساءلة.

* الاعتقال على خلفية الممارسات الدينية

من بين الروايات التي يجري تداولها بشأن اعتقال العراقيين في السعودية، رواية مواطن عراقي ينتمي إلى عشيرة شمر، قيل إنه اعتُقل خلال موسم الحج بعدما رفع صوته بالصلاة على النبي محمد وآله… ؛  ووفقًا للرواية، أُودع الرجل السجن وبقي فيه تسعة أشهر من دون محاكمة، وتعرض خلالها للتعذيب وسوء المعاملة، كما شاهد، بحسب إفادته المنقولة، حالات أخرى من تعذيب عراقيين لأسباب وصفها بالتافهة.

وتضيف الرواية أن التحقيق معه تكرر، وأنه حاول إخفاء انتمائه المذهبي، مدعيًا أنه من شمر جربا وليس من شمر طوقة، فضلًا عن التزامه بأداء الصلاة بالطريقة السنية التي اعتقد أنها ستجنبه الاشتباه به… ؛  وبعد مرور تسعة أشهر، قيل إنه أُفرج عنه بعدما اقتنع المحققون بأنه لا ينتمي إلى المذهب الشيعي.

وإذا صحت هذه التفاصيل، فإنها تثير تساؤلات خطيرة عن مدى احترام حرية المعتقد والممارسة الدينية، وعن مشروعية احتجاز شخص بسبب تعبير ديني سلمي، فضلًا عن المساءلة عن أي تعذيب أو معاملة قاسية يتعرض لها المحتجزون… ,  كما أن اضطرار إنسان إلى إخفاء هويته المذهبية خوفًا من الاعتقال، إن ثبتت هذه الواقعة، يكشف عن حجم الخوف الذي يمكن أن تخلّفه الممارسات التمييزية في نفوس الأفراد.

ولا يجوز، في دولة تحترم القانون، أن تتحول الشعائر الدينية السلمية إلى سبب للملاحقة أو الإذلال، أو أن يُترك المحتجز رهينة للاشتباه والانتماءات المذهبية… ؛  فالقانون ينبغي أن يحمي الإنسان من التعسف، لا أن يجعل هويته الدينية مدخلًا للتمييز ضده.

* الشيخ وليد الزيدي وقراءة زيارة عاشوراء

وفي سياق متصل، برزت قضية الشيخ وليد الزيدي، وهو رجل دين عراقي، إذ أفادت روايات متداولة بأنه تعرض للاعتقال في السعودية على خلفية قراءته زيارة عاشوراء، قبل أن يُفرج عنه عقب مطالبات ومتابعات، قيل إن وزارة الخارجية العراقية شاركت فيها.

وتعيد هذه القضية، كما عُرضت في الروايات المتداولة، طرح السؤال بشأن حدود ممارسة الشعائر الدينية للزائرين العراقيين، ومدى كفاية الضمانات التي تحميهم من الاحتجاز التعسفي أو من المعاملة القائمة على الاشتباه المذهبي.

إن زيارة الأماكن المقدسة ينبغي أن تكون مناسبة للعبادة والطمأنينة، لا مصدرًا للخوف من الاعتقال أو الانقطاع عن الأهل… ,  وإذا كانت هناك مخالفة قانونية محددة، فمن واجب السلطات المختصة بيانها وإخضاعها للإجراءات القضائية العادلة، لا ترك الأمر غامضًا أو السماح للشائعات بأن تحل محل المعلومات الرسمية.

كما أن الإفراج عن المحتجز بعد تدخل دبلوماسي، إن ثبت في هذه الحالة، لا ينبغي أن يكون بديلًا عن ضمانات قانونية مستقرة تحمي جميع المواطنين، ولا سيما أن الحقوق لا تُمنح بفضل المطالبات والوساطات، بل تُصان بموجب القانون.

* صور القادة والأدعية الدينية: متى تتحول المقتنيات إلى سبب للاعتقال؟

وتتحدث شكاوى أخرى عن عراقيين قيل إنهم اعتُقلوا بسبب حيازتهم صورًا لقادة في فصائل المقاومة الشيعية أو رموز من الحشد الشعبي، أو بسبب قراءة أدعية دينية وممارسات مرتبطة بمعتقداتهم.

وتتطلب هذه الادعاءات تحقيقًا جادًا يميز بين الوقائع المثبتة والروايات التي لم تُتحقق تفاصيلها بصورة مستقلة… ؛  فليس من الدقة إطلاق الأحكام على كل حالة من دون معرفة أسباب التوقيف والتهم الرسمية والأدلة المقدمة بشأنها… ,  لكن من غير المقبول أيضًا تجاهل الشكاوى لمجرد أن تفاصيلها لم تُعلن، أو أن أصحابها لا يمتلكون منابر قادرة على إيصال أصواتهم.

فإذا كان مواطن قد احتُجز بسبب ممارسة دينية سلمية أو بسبب مقتنيات لا تشكل في ذاتها جريمة، فإن ذلك يثير مسألة جوهرية تتعلق بحرية التعبير والمعتقد والحق في الحرية الشخصية… ؛  أما إذا وُجهت إليه تهمة جنائية محددة، فيجب إعلانها وتمكينه من الدفاع عن نفسه أمام القضاء، بعيدًا عن التمييز المذهبي أو الأحكام المسبقة.

والأخطر من الاعتقال نفسه أن يتحول المحتجز إلى شخص مجهول المصير؛ فلا تعرف عائلته أين يوجد، ولا تعلم ما إذا كان قد أُحيل إلى القضاء، ولا تستطيع الحصول على معلومات موثوقة بشأن وضعه القانوني أو الصحي.. ,  وفي مثل هذه الحالات، لا يقتصر الضرر على المعتقل وحده، بل يمتد إلى عائلته التي تعيش قلقًا مستمرًا بين الخوف من الأسوأ والأمل في عودته.

* أحكام الإعدام ومصير المعتقلين العراقيين

ومن أكثر الملفات حساسية ما يتعلق بالعراقيين المحكوم عليهم بالإعدام في السعودية، أو الذين يواجهون عقوبات شديدة، وسط مطالبات بضرورة الكشف عن أسماء المحكومين، والتهم التي أُدينوا بها، والضمانات القضائية التي أُتيحت لهم، ومدى تمكينهم من التواصل مع ذويهم ومحاميهم والحصول على المساعدة القنصلية.

إن خطورة عقوبة الإعدام تفرض أعلى درجات التدقيق في سلامة الإجراءات القضائية، وصون حق الدفاع، وضمان عدم انتزاع الاعترافات بالإكراه، والتحقق من الأدلة، وإتاحة سبل الطعن القانونية.. ,  ولا يجوز التعامل مع حياة المواطنين العراقيين باعتبارها شأنًا ثانويًا أو ملفًا يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم.

وإذا ثبت أن أيًّا من المعتقلين تعرض للتعذيب أو حُرم من محاكمة عادلة أو حُكم عليه استنادًا إلى اعترافات انتُزعت بالإكراه، فإن القضية تتجاوز حدود الخلاف الدبلوماسي، لتصبح مسألة تتعلق بالعدالة وحقوق الإنسان والمسؤولية القانونية.

وفي المقابل، ينبغي تجنب تعميم الاتهامات على جميع المعتقلين أو افتراض بطلان كل تهمة قبل الاطلاع على ملفات القضايا؛ فالمطالبة بالعدالة لا تعني إلغاء القانون، وإنما تعني تطبيقه على الجميع، وضمان أن تكون العقوبة، إن فُرضت، نتيجة محاكمة عادلة لا نتيجة تعسف أو تمييز.

* مفارقة العلاقات العراقية السعودية: ماذا عن العراقيين في السجون؟

تثير هذه القضية تساؤلات سياسية وأخلاقية عن طبيعة العلاقات العراقية السعودية، وعن مدى انعكاس التقارب الرسمي بين البلدين على أوضاع المواطنين الذين يواجهون مشكلات قانونية أو أمنية داخل الأراضي السعودية.

ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومات المتعاقبة إلى توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية، وتعزيز التعاون الإقليمي، تظل حماية المواطنين العراقيين في الخارج اختبارًا عمليًا لجدية هذه العلاقات… ؛  إذ لا تُقاس متانة الروابط بين الدول بكثرة اللقاءات والاتفاقيات والتصريحات وحدها، بل بقدرتها أيضًا على معالجة المشكلات التي تمس حياة الناس وكرامتهم وحقوقهم.

وقد أثارت حالات سابقة من الإفراج عن سعوديين مدانين بجرائم القتل والذبح والتفجيرات أو متهمين بجرائم مرتبطة بالعنف والإرهاب في العراق، بحسب ما تداوله الخطاب السياسي والإعلامي، تساؤلات بشأن معايير التعامل مع ملفات السجناء بين البلدين… .

ومع ذلك، فإن المبدأ الذي ينبغي التمسك به واضح: لا يجوز أن يكون التعاون السياسي أو الدبلوماسي على حساب حقوق المواطنين، ولا أن تتحول ملفات المعتقلين إلى أوراق هامشية في المفاوضات بين الحكومات. فإذا كانت بغداد تسعى إلى علاقات مستقرة مع الرياض، فإن من واجبها أن تجعل حماية العراقيين ومتابعة قضاياهم جزءًا ثابتًا من جدول أعمالها، لا ملفًا يُفتح عند تصاعد الضجة الإعلامية ثم يُترك للنسيان.

*أين الحكومة العراقية ووزارة الخارجية والسفارة؟

إن السؤال الأكثر إلحاحًا الذي تطرحه عائلات المعتقلين هو: أين الحكومة العراقية؟ وأين وزارة الخارجية؟ وما الدور الذي تؤديه السفارة العراقية في الرياض في متابعة هذه الحالات؟

إن حماية المواطنين في الخارج ليست منّة تقدمها السفارات، ولا خدمة ثانوية يمكن تأجيلها، بل هي من صميم الوظيفة القنصلية والدبلوماسية… ,  ويقتضي ذلك التواصل مع السلطات المختصة، والتحقق من أماكن احتجاز المواطنين وأسباب توقيفهم، وزيارة المحتجزين حيث تسمح الإجراءات المعمول بها، ومتابعة أوضاعهم الصحية والقانونية، وتوفير المعلومات لعائلاتهم، والعمل على تأمين المساعدة القانونية اللازمة.

كما ينبغي لوزارة الخارجية العراقية أن تنشئ آلية واضحة لتلقي بلاغات ذوي المعتقلين، وتسجيل كل حالة بالاسم وتاريخ الاختفاء أو الاعتقال ومكانه المحتمل، ومتابعة الردود الرسمية بشأنها… ,  ومن الضروري أن تُعلن الوزارة، ضمن ما تسمح به اعتبارات الخصوصية والإجراءات القانونية، عن نتائج تحركاتها، وأن تفسر للعائلات ما اتخذته من خطوات، بدل تركها تتنقل بين المكاتب والجهات الرسمية بحثًا عن معلومة.

وإذا مضى شهر أو أكثر على مناشدات ذوي أحد المواطنين من دون أن يحصلوا على إجابة واضحة، فإن ذلك يستدعي مساءلة الجهات المعنية عن أسباب التأخير، وعن الإجراءات التي اتخذتها للتحقق من الواقعة… ,  فمرور الوقت لا يخفف من مسؤولية الدولة، بل قد يزيد الحاجة إلى التحرك العاجل، ولا سيما عندما تكون سلامة المحتجز وظروف احتجازه مجهولة.

ولا يكفي أن تتحرك الحكومة بعد انتشار القضية على مواقع التواصل الاجتماعي أو بعد تحولها إلى أزمة إعلامية؛ المطلوب سياسة قنصلية مستمرة، وقنوات اتصال معلنة، واستجابة سريعة لكل بلاغ جدي عن اختفاء مواطن عراقي أو اعتقاله في الخارج.

* مناشدات العائلات وحقها في معرفة الحقيقة

خلف كل اسم غائب عائلة تنتظر، وأم تترقب اتصالًا، وأب يحاول الوصول إلى معلومة، وأطفال لا يعرفون لماذا غاب أحد أفراد أسرتهم أو متى سيعود. وهذه المعاناة لا ينبغي أن تُختزل في سجال سياسي أو مذهبي، لأن جوهر القضية إنساني وقانوني قبل أي شيء آخر.

ومن حق ذوي المعتقل أن يعرفوا، عبر القنوات الرسمية، ما إذا كان محتجزًا، وأين يوجد، وما أسباب احتجازه، وما وضعه القانوني، وكيف يمكنهم التواصل معه أو توكيل محامٍ للدفاع

عنه… ,  كما أن من واجب الجهات المعنية التحقيق في حالات الاختفاء غير المفسر، والتعامل بجدية مع أي معلومات تشير إلى احتمال التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة.

وإذا تعذر نشر بعض التفاصيل لأسباب قانونية مشروعة، فلا ينبغي أن يعني ذلك قطع التواصل مع العائلات أو تركها في فراغ كامل.. ,  إذ يمكن للجهات الرسمية أن تقدم معلومات أساسية عن وضع الملف، وأن توضح الإجراءات التي اتُخذت، وأن تحدد جهة مسؤولة عن متابعة القضية والتواصل مع ذوي المحتجز.

أما الاكتفاء بوعود عامة، أو إحالة العائلات من جهة إلى أخرى، أو انتظار أن تتكفل وسائل الإعلام بإثارة القضية، فلا يرقى إلى مستوى المسؤولية المطلوبة في ملف يتعلق بحرية الإنسان وسلامته.

* المطلوب: تحرك دبلوماسي وقانوني لا بيانات عابرة

إن معالجة ظاهرة اعتقال العراقيين واختفاء بعضهم في السعودية، إذا ثبتت الحالات الواردة في الشكاوى، تتطلب خطوات عملية تتجاوز الاستنكار والتصريحات الإعلامية، وفي مقدمتها:

1. **الكشف عن المصير:** مطالبة السلطات السعودية المختصة بالتحقق من جميع البلاغات المتعلقة بالمواطنين العراقيين المفقودين أو المحتجزين، وتحديد أماكن وجودهم وأسباب توقيفهم.

2. **إعداد سجل رسمي:** إنشاء قاعدة بيانات محدثة للمعتقلين العراقيين الذين تتابع وزارة الخارجية قضاياهم، تتضمن الوضع القانوني لكل حالة والإجراءات المتخذة بشأنها، مع مراعاة الخصوصية.

3. **تأمين التواصل القنصلي:** متابعة أوضاع المحتجزين، والتحقق من سلامتهم وظروف احتجازهم، والعمل على تمكينهم من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم وفقًا للقانون.

4. **ضمان المحاكمة العادلة:** المطالبة بإعلان التهم بصورة واضحة، وتمكين المعتقلين من الدفاع عن أنفسهم، والتحقيق في أي ادعاءات موثوقة بشأن التعذيب أو انتزاع الاعترافات بالإكراه.

5. **متابعة المحكومين بالإعدام:** إعطاء أولوية قصوى لقضايا العراقيين الذين يواجهون هذه العقوبة، والتحقق من استنفاد الضمانات وسبل الطعن القانونية، وتقديم المساعدة القنصلية والقانونية اللازمة.

6. **التواصل مع العائلات:** تخصيص جهة رسمية تتلقى المناشدات وتقدم تحديثات منتظمة عن الإجراءات المتخذة، بدل ترك ذوي المعتقلين أسرى الانتظار والشائعات.

7. **تفعيل المساءلة البرلمانية:** مطالبة مجلس النواب العراقي، ولا سيما لجانه المعنية بالعلاقات الخارجية وحقوق الإنسان، باستضافة المسؤولين المختصين ومساءلتهم عن نتائج متابعة هذه الملفات، مع مراعاة سرية المعلومات التي يقتضي القانون حمايتها.

8. **منع التمييز المذهبي:** التأكيد في الاتصالات الرسمية على أن الممارسات الدينية السلمية لا ينبغي أن تكون سببًا للاحتجاز التعسفي، وأن أي اتهام جنائي يجب أن يستند إلى أدلة وإجراءات قانونية واضحة، لا إلى هوية الشخص أو معتقده.

* خاتمة: كرامة العراقي لا تتوقف عند الحدود

إن قضية العراقيين المعتقلين أو مجهولي المصير في السعودية لا ينبغي أن تكون مادة موسمية للجدل السياسي، ولا أن تُستحضر وفقًا لمقتضيات الصراع بين القوى والأحزاب، ثم تُنسى عندما تهدأ الضجة… ؛  إنها قضية مواطنين لهم أسماء وعائلات وحقوق، ودولة مطالبة بحمايتهم ومتابعة مصائرهم أينما كانوا.

وإذا كانت بعض الروايات المتداولة تحتاج إلى تحقق مستقل، فإن ذلك لا يبرر إهمالها، بل يجعل التحقيق الرسمي والشفاف أكثر إلحاحًا. فالمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة، ولا إطلاق اتهامات بلا أدلة، وإنما الوصول إلى الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم إفلات أي انتهاك مثبت من المساءلة.

إن كرامة العراقي لا ينبغي أن تتوقف عند الحدود، وحقه في الحماية القنصلية لا ينبغي أن يتأثر بمذهبه أو قوميته أو توجهاته السياسية. ومن واجب الحكومة العراقية أن تتعامل مع كل حالة اعتقال أو اختفاء بجدية، وأن تستخدم القنوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة لحماية مواطنيها، وأن تُطلع ذويهم على ما أمكن التوصل إليه من معلومات.

فالسؤال الذي تطرحه العائلات ليس معقدًا، ولا يحتمل المماطلة: **أين أبناؤنا؟ لماذا اعتُقلوا؟ ما التهم الموجهة إليهم؟ وهل حصلوا على حقوقهم القانونية؟**

إنها أسئلة مشروعة، والإجابة عنها ليست فضلًا من الحكومة أو من السلطات المعنية، بل واجب قانوني وإنساني. أما الصمت، حين يكون مصير الإنسان مجهولًا، فلا يزيد العائلات إلا ألمًا، ولا يزيد ثقة المواطن بمؤسسات دولته إلا تراجعًا.

**أين مصير المواطنين العراقيين الذين فُقدت أخبارهم أو احتُجزوا في السعودية؟ وأين دور الحكومة ووزارة الخارجية والسفارة العراقية؟ إن الكشف عن مصائرهم ومتابعة قضاياهم وإعادة من انتهت الإجراءات القانونية بحقهم إلى ذويهم يجب أن يكون أولوية لا تقبل التأجيل.**