
رياض سعد
لم تكن العلاقة بين هيثم وكريم علاقةً رتيبةً تشبه تلك العلاقات العابرة، ولا صداقةً زائفةً تتبادل المجاملات وتخفي خلف ابتساماتها فراغًا موحشًا؛ بل كانت أشبه بعلاقة الروح بالجسد، والمطر بالبذرة، والنار بلهيبها؛ علاقةً اندكاكيةً تلاشت فيها الحدود بين الأنا والآخر، حتى غدا كلٌّ منهما يسكن في أعماق صاحبه دون أن يستأذنه.
ومع تعاقب السنين، لم تزد تلك العلاقة إلا رسوخًا في الوجدان، كطودٍ يناطح السماء، فيما تمتد جذوره عميقًا في أحشاء الأرض؛ حتى خُيّل إليهما أن الموت، مهما بلغت سطوته، لن يجد منفذًا يتسلل منه إلى ذلك الكيان المزدوج.
لكن الموت لا يستأذن أحدًا، ولا يعترف بالعهود التي تقطعها الأرواح في غفلةٍ من الزمن.
في تلك الليلة المشؤومة، استيقظ هيثم مذعورًا من نومه، كأن يدًا خفيةً انتشلته من قاع بئرٍ سحيقة.. , كان قلبه يقرع صدره بعنف، وأنفاسه تتعثر في حلقه، فيما كانت عيناه تجولان في عتمة الغرفة كأنهما تبحثان عن شيءٍ لا يعرف ماهيته.. , تمتم مستعيذًا بالله من الشيطان الرجيم، حين شقَّ رنين الهاتف سكون الليل، كصرخةٍ انطلقت من فم الغيب.
رفع السماعة بيدٍ مرتجفة.
— ألو؟
جاءه الصوت من الطرف الآخر متهدجًا، كأنه يحمل نعشًا من الكلمات:
— هيثم… عظّم الله أجرك.. , البقية في حياتك… صديقك كريم في ذمة الله.. , دهسته سيارة قبل ساعة.
لم يسقط الهاتف من يده، بل سقط شيءٌ أعمق منه؛ شيءٌ لا يُرى، لكنه حين يسقط لا يعود إلى مكانه أبدًا.
منذ تلك اللحظة، لم يعد النوم ملاذًا، ولا اليقظة نجاة.. , كلما أغمض عينيه، شعر بأن روحه تُنتزع منه ببطء، كما تُقتلع شجرةٌ من تربتها، جذورها تصرخ ولا يسمعها أحد.. , وكان كريم يزوره في المسافة الغامضة بين النوم واليقظة؛ يطلّ عليه من خلف سحبٍ رمادية، ويمدّ إليه يده في صمت، كأنما يدعوه إلى عبور جسرٍ لا يراه سواه.
وكان هيثم، كلما حاول الإمساك بتلك اليد، يستيقظ فزعًا، ليجد أصابعه مطبقةً على الهواء.
وذات فجرٍ، وقف أمام المرآة طويلًا، يتأمل وجهه الشاحب، ثم همس: «أترى يا كريم… هل متَّ أنت حقًّا، أم أن الموت لم يكن سوى حيلةٍ كونيةٍ ليفصل جسدينا، بعدما عجز عن تفكيك روحينا؟»
لم يجبه أحد.
لكن المرآة، للحظةٍ خاطفة، لم تعكس وجه هيثم وحده.
كان ثمة وجهٌ آخر يقف خلفه، مبتسمًا في هدوء…
وحين التفت، لم يجد أحدًا.
عندها أدرك أن بعض الغائبين لا يرحلون إلى المقابر، بل ينتقلون إلى تلك المنطقة المظلمة من أرواحنا، حيث لا تصلهم أيدي الأحياء، ولا تستطيع أيدي الموتى انتشالهم منها.
ومنذ ذلك اليوم، صار هيثم يخاف النوم، لا لأنه يخشى الكوابيس، بل لأنه يخشى أن يمدّ كريم يده مرةً أخرى، فيمسك بها هذه المرة، ولا يعود.
فثمة صداقاتٌ لا ينهيها الموت، بل يحوّلها إلى مأساةٍ أبدية؛ إذ يبقى أحد الصديقين حبيس الحياة، فيما يظل الآخر واقفًا عند تخوم الغيب، يلوّح له بيدٍ لا يعرف إن كانت تدعوه إلى اللقاء، أم تذكّره بأن بعض الفراق لا يُحتمل إلا بالموت… وأن بعض الأرواح، حين تتعانق طويلًا، تنسى أيُّها كان يسكن الجسد، وأيُّها كان ينتظر الرحيل.




