
رياض سعد
في سلسلة «مقولة وتعليق» تتجدد محاولات الغوص في أعماق النفس البشرية، واستنطاق الأفكار والحِكم التي اختزلت تجارب الإنسان وصراعاته وعلاقاته الاجتماعية… ؛ ففي كل حلقة، نتوقف عند مقولة تستحق التأمل، ونحلل مضامينها، ونناقش أبعادها النفسية والفكرية والفلسفية، ونعرّج على صاحبها وسياقها، ثم نضعها أمام الواقع لاختبار ما تحمله من حقيقة، وما قد يعتريها من مبالغة أو تعميم… ؛ كما عودناكم .
وفي هذه الحلقة، نتناول فكرة تبدو للوهلة الأولى مفارقة غريبة، لكنها تلامس جانبًا عميقًا من الطبيعة البشرية، ومفادها أن العدو قد يرى فيك من العيوب والنقائص ما لا يراه صديقك، وأن الكراهية قد تكشف أحيانًا ما تحجبه المحبة، وإن كانت قادرة، في الوقت نفسه، على تشويه الحقيقة وتحويلها إلى أداة للطعن والتشهير والتشويه .
بين بصيرة الكراهية وعمى المحبة… قراءة في النفس البشرية
أولًا: المقولة ودلالاتها
تُنسب إلى الكاتب والمفكر الروسي ديمتري ميريجكوفسكي – مقولة «حكم العدو غالبًا ما يكون أصدق وأنفع من حكم الصديق» لأن «نظرة الكاره أكثر نفاذًا من نظرة المحب» – فكرة مفادها أن حكم العدو قد يكون أصدق وأنفع من حكم الصديق، لأن نظرة الكاره قد تنفذ إلى جوانب لا يلتفت إليها المحب، ولأن العداوة تدفع صاحبها إلى مراقبة خصمه وتفحّص تصرفاته والبحث عن نقاط ضعفه.
إن جوهر هذه الفكرة يقوم على اختلاف زاوية النظر باختلاف المشاعر والمصالح.. , فالصديق الذي يحبك قد يتسامح مع أخطائك، ويجد لها المبررات، ويتغاضى عن عيوبك حفاظًا على العلاقة التي تجمعكما.. , وقد يدفعه تعلقه بك إلى رؤية محاسنك وتضخيمها، فيما يقلل من شأن أخطائك أو يتجنب مواجهتك بها خوفًا من جرح مشاعرك أو خسارة صداقتك.
أما العدو، فقد ينظر إليك بعين مختلفة تمامًا؛ فهو لا يبحث بالضرورة عما يجمعه بك، بل قد ينشغل بما يميزك عنه، أو بما يراه مصدرًا لقوتك ونفوذك، أو بما يعتقد أنه مدخل لإضعافك والتقليل من شأنك.. , ولهذا قد يراقب سلوكك بدقة، ويتتبع تناقضاتك، ويرصد هفواتك، ويكشف جوانب لم ينتبه إليها أقرب الناس إليك.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل تعني هذه المفارقة أن العدو أكثر صدقًا من الصديق؟ أم أن اختلاف المشاعر يمنح كلًّا منهما زاوية رؤية مختلفة، قد تصيب الحقيقة أحيانًا وتخطئها أحيانًا أخرى؟
ثانيًا: شاهد من الأدب العربي القديم
لم تكن هذه الفكرة غريبة عن الأدب العربي؛ فقد عبّر عنها الشعراء منذ قرون، ومن أشهر الشواهد قول الشاعر:
«وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ *** ولكنَّ عينَ السخطِ تُبدي المساويا»
وهذان البيتان يختصران جانبًا مهمًّا من علم النفس الاجتماعي، حتى وإن صيغ معناهما بلغة الشعر والحكمة.. , فالعين التي تنظر برضا ومودة قد تتغاضى عن العيوب، بينما العين التي تنظر بسخط ونفور قد تتوقف عند النقائص، وتضخمها، وتفسر التصرفات تفسيرًا سلبيًّا.
والفارق الدقيق هنا أن الشاعر لم يقل إن عين السخط ترى الحقيقة كاملة، بل أشار إلى أنها تُبدي المساوئ؛ أي إنها تسلط الضوء عليها، وقد تبالغ في إظهارها، بينما تحجب عين الرضا بعض العيوب أو تقلل من أهميتها.
ومن هنا تتضح المفارقة: قد يكون ما يراه العدو صحيحًا، لكن تفسيره له ليس بالضرورة منصفًا، كما أن ما يتغاضى عنه الصديق قد يكون عيبًا حقيقيًّا يحتاج إلى المعالجة، لا مجرد تفصيل صغير يمكن تجاهله.
ثالثًا: لماذا قد يرى العدو ما لا يراه الصديق؟
يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال مجموعة من الدوافع النفسية والاجتماعية.
أولها أن المحبة قد تصنع نوعًا من الانتقائية في الرؤية؛ فالإنسان يميل إلى تصديق ما ينسجم مع مشاعره تجاه الأشخاص الذين يحبهم، وقد يجد لنقائصهم أعذارًا لا يمنحها للآخرين. ولذلك قد يصبح الصديق، من حيث لا يشعر، شريكًا في ترسيخ أوهام صاحبه عن نفسه، عندما يمدحه باستمرار ولا يصارحه بأخطائه.
وثانيها أن العداوة قد تجعل صاحبها شديد الانتباه إلى مواطن الضعف.. , فالخصم الذي ينافسك في العمل أو السياسة أو الثقافة قد يراقب طريقة تفكيرك، ويلاحظ مواطن التناقض في خطابك، ويكشف الفجوة بين ما تقوله وما تفعله.. , وقد تكون ملاحظاته أدق من ملاحظات أصدقائك، لا لأنه أكثر حكمة أو نزاهة، بل لأن مصلحته تدفعه إلى التدقيق فيما يغفل عنه الآخرون.
وثالثها أن الاختلاف يتيح رؤية ما قد تحجبه الألفة.. , فالصديق اعتاد حضورك وطريقتك في الكلام والتصرف، وربما أصبح يتعامل مع بعض عيوبك بوصفها أمورًا مألوفة لا تستحق التوقف عندها.. , أما من يقف خارج دائرتك، فقد يلاحظ أثر تلك التصرفات في الآخرين، وينبهك إلى أمور لم تعد تراها بسبب اعتيادك عليها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نغفل الجانب الآخر؛ فالكراهية قد تدفع الإنسان إلى الانتقاء المتعمد للأدلة التي تدين خصمه، وإلى إخراج أخطائه من سياقها، وتحويل هفوة عابرة إلى صفة ملازمة، أو تفسير فضائله على أنها حيل وأقنعة.. , وبذلك قد يمتلك العدو معلومات صحيحة، لكنه يوظفها في بناء صورة ظالمة.
رابعًا: حين يتحول النقد إلى مرآة نافعة
إن الحكمة لا تكمن في أن نثق بالعدو أكثر مما نثق بالصديق، بل في أن نتعلم كيف نفصل بين مضمون الكلام والدافع وراءه.
فإذا انتقدك شخص يكرهك، فلا ترفض نقده لمجرد أنه عدوك؛ لأن رفض الحقيقة بسبب هوية قائلها ضرب من التعصب للذات.. , وفي المقابل، لا تقبل كلامه لمجرد أنه قاسٍ أو جارح، فالقسوة ليست دليلًا على الصدق، كما أن الإهانة ليست برهانًا على امتلاك الحقيقة.
اسأل نفسك: هل استند النقد إلى واقعة واضحة؟ هل يمكن التحقق منه؟ هل سبق أن لاحظ الآخرون السلوك نفسه؟ وهل يفسر هذا النقد مشكلة حقيقية في تصرفاتي أو أفكاري أو علاقاتي؟
إذا وجدت أن كلام خصمك يستند إلى وقائع، وأنه يشير إلى خلل حقيقي، فقد أحسن إليك من حيث لا يريد، حتى إن كان قصده الإساءة إليك.. , أما إذا كان كلامه قائمًا على الافتراء أو الانتقائية أو التشويه، فلا ينبغي أن تمنحه سلطة الحكم على نفسك لمجرد أنه يعرف كيف يؤلمك.
وفي المقابل، ينبغي ألا نستهين بالصديق الذي يصارحنا بعيوبنا؛ فالصداقة الحقيقية لا تقوم على المديح الدائم، وإنما على الصدق والثقة والقدرة على المواجهة دون إذلال.. , وقد يكون الصديق الذي يخبرك بحقيقة مؤلمة أكثر وفاءً لك من عشرات الأشخاص الذين يصفقون لك ويتركونك تتمادى في أخطائك.
خامسًا: إسقاط المقولة على الواقع السياسي والثقافي
تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في المجال السياسي والثقافي؛ حيث تتداخل المصالح الشخصية والحزبية والفكرية، وتصبح المواقف من الأشخاص محكومة أحيانًا بالولاء أو الخصومة أكثر من احتكامها إلى الوقائع.
فقد يحيط المسؤول نفسه بمجموعة من المصفقين الذين يبررون قراراته، ويخفون عنه إخفاقاته، ويحولون أخطاءه إلى إنجازات، حتى يفقد القدرة على رؤية واقعه كما هو.. , وفي المقابل، قد يكشف خصومه عن ملفات أو تناقضات حقيقية، لأنهم يراقبون أداءه وينتظرون الفرصة لنقده.
لكن الخصومة السياسية لا تجعل كل اتهام حقيقة، كما أن الولاء لا يجعل كل دفاع كذبًا.. , فقد يقول الخصم كلامًا صحيحًا لتحقيق غاية سياسية، وقد يدافع الصديق عن موقف صحيح رغم انتمائه وولائه.. , ولهذا يجب أن يكون معيار الحكم هو الدليل، لا هوية المتحدث، وأن تُقاس الأفكار بنتائجها ووقائعها، لا بمقدار ما تثيره من إعجاب أو غضب.
والأمر نفسه ينطبق على الوسط الأدبي والفكري؛ فالكاتب الذي يحيط نفسه بمن يثنون على كتاباته قد يفقد حسه النقدي، بينما قد تكشف قراءة ناقد مخالف ثغرات في البناء أو ضعفًا في الحجة أو تكرارًا في الفكرة.. , غير أن النقد لا يصبح موضوعيًّا لمجرد صدوره عن خصم، بل يحتاج إلى الحجة والتحليل والإنصاف.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يتحول إلى أسير صورته عن نفسه، وأن يعتقد أن كل من يمدحه محب صادق، وكل من ينتقده حاقد، أو أن يتوهم، في الاتجاه المعاكس، أن كل من يهاجمه يمتلك الحقيقة، وكل من يدافع عنه يجامل.
سادسًا: المفارقة الأعمق… ليس كل عدو بصيرًا، وليس كل صديق أعمى
هنا نصل إلى جوهر المسألة؛ فالعلاقة بين المحبة والحقيقة ليست علاقة تضاد مطلق، كما أن العلاقة بين الكراهية والبصيرة ليست علاقة تطابق.
ليس كل عدو بصيرًا، وليس كل صديق أعمى… ؛ فبعض الأعداء يفتشون عن عيوبك بقصد إيذائك، وبعض الأصدقاء يخفونها خوفًا عليك أو حرصًا على استمرار العلاقة، لكن ثمة أصدقاء يمتلكون الشجاعة لمواجهتك بالحقيقة، وثمة أعداء تعميهم الكراهية حتى يعجزوا عن رؤية فضائلك.
وقد يكون العدو أكثر اطلاعًا على نقاط ضعفك، لكنه أقل قدرة على تقدير دوافعك وظروفك… ؛ وقد يكون الصديق أكثر فهمًا لشخصيتك، لكنه أقل انتباهًا إلى أثر سلوكك في الآخرين.. , فلكل منهما زاوية رؤية، ولكل منهما احتمالات الخطأ والانحياز.
ومن هنا، لا ينبغي للإنسان أن يجعل عداوة الآخرين معيارًا لقيمته، ولا أن يتخذ محبتهم دليلًا على كماله.. , فليس كل من يكرهك يعرفك حق المعرفة، وليس كل من يحبك يرى حقيقتك كاملة.
والنضج الحقيقي أن تمتلك القدرة على مراجعة نفسك دون أن تنهار أمام النقد، وأن تعترف بخطئك دون أن تشعر بأن الاعتراف ينتقص من كرامتك، وأن ترفض الظلم دون أن تتحول إلى شخص يرفض كل ملاحظة لا توافق هواه.
الخلاصة :
إن الحكمة المستخلصة من هذه المقولة ليست أن نثق بأعدائنا ونشكك في أصدقائنا، وإنما أن نتحرر من أسر المشاعر عندما نبحث عن الحقيقة.
فالإنسان لا يرى العالم كما هو دائمًا، بل يراه أحيانًا كما يحب أن يكون، أو كما يخشى أن يكون، أو كما تفرض عليه مصالحه وأحقاده ومخاوفه.. , ولذلك قد تحجب المحبة بعض العيوب، وقد تكشف الكراهية بعضها، وقد تفعل الكراهية أيضًا ما هو أخطر، حين تحول العيب الصغير إلى جريمة، والاختلاف إلى عداوة، والحقيقة الجزئية إلى حكم شامل.
ومن وجهة نظرنا، فإن قيمة النقد لا تُقاس بمدى قسوته، ولا بمقدار الألم الذي يتركه في النفس، بل بقدر ما يستند إليه من حقائق، وما يحمله من قدرة على تفسير الواقع، وما يتيحه من فرصة للمراجعة والتصحيح.
فلا تمنح عدوك وسام الحكمة لمجرد أنه أتقن الطعن فيك، ولا تمنح صديقك صك البراءة لمجرد أنه يحبك. خذ من الأول ما يثبت صدقه، ومن الثاني ما يثبت إخلاصه، واترك لأهوائهما ما لا يسنده دليل.
إن الإنسان الحكيم ليس من يعيش بلا أعداء أو بلا أخطاء، بل من يستطيع أن يستخرج درسًا من نقد خصمه، وأن يتقبل مصارحة صديقه، وأن يواجه نفسه بالحقيقة حتى عندما تكون أكثر إيلامًا من كلام الآخرين.
فقد يكون عدوك مرآة تكشف عيبًا فيك، وقد يكون صديقك مرآة تحفظ صورتك الجميلة، لكن المرآة، مهما كانت صافية أو مشروخة، لا تغني عن امتلاكك الشجاعة للنظر إلى نفسك كما أنت.
وهنا تكمن خلاصة هذه الحلقة من سلسلة «مقولة وتعليق»: لا تجعل المحبة تعميك عن الحقيقة، ولا تجعل الكراهية تقنعك بأن كل ما تقوله حقيقة؛ فبين المديح الذي يخدعك والنقد الذي ينصفك مسافة لا يقطعها إلا العقل والوعي والقدرة على التمييز.




