
معركة أحمد الشرع لإعادة بناء سورية
الباحثة كنانة خلف الكردي
كيف يعيد أحمد الشرع ترتيب أوراق الدولة؟
لم تكن سورية بحاجة إلى تغيير الوجوه بقدر حاجتها إلى تغيير طريقة إدارة الدولة. فسنوات الفوضى لا تنتهي بمجرد سقوط منظومة سياسية كما أن الدولة لا تُبنى بمجرد إصدار القرارات المعركة الحقيقية تبدأ عندما يصبح مطلوبا تحويل واقع مثقل بالتفكك وتعدد مراكز النفوذ وضعف المؤسسات إلى دولة واحدة تمتلك قرارا واحدا ومؤسسات قادرة على العمل والمساءلة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المنهج الإداري للرئيس أحمد الشرع الذي يقوم في جوهره على إعادة ترتيب أوراق الدولة قبل الدخول في مرحلة البناء الطويلة.
تجربة إدارة إدلب كانت مختبرا مبكرا لهذا النهج التنظيمي ففي بيئة عسكرية وأمنية شديدة التعقيد كان التحدي يتمثل في الانتقال من إدارة الفصائل والأزمات إلى تنظيم الحياة المدنية وبناء هياكل أكثر تماسكا في التعليم والصحة والقضاء والشرطة والخدمات وكان أحد أبرز التحولات هو محاولة تقليص المحاصصة الفصائلية وإعادة تعريف الوظيفة العامة على أساس الكفاءة والتخصص والقدرة على الإنجاز.
لكن إدارة منطقة ليست إدارة دولة وهذه هي النقطة التي تجعل المرحلة الحالية أكثر تعقيدا وحساسية.
فالساحة السورية اليوم أوسع والمصالح أكثر تشابكا والملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية أكثر تعقيدا ولذلك فإن نقل التجربة السابقة إلى المستوى الوطني لا ينبغي أن يكون نقلا حرفيا بل تطويرا لمنهجها بما يتناسب مع دولة متعددة المناطق والمكونات والمصالح.
المنهج المطلوب هنا يبدأ من غربلة الإدارة. ليست كل ورقة قديمة صالحة للاستمرار وليست كل ورقة جديدة صالحة لمجرد أنها جديدة معيار المرحلة يجب أن يكون الإنتاج والكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية ومن الخطأ أن تتحول الوظيفة العامة إلى مكافأة للولاء كما أن من الخطأ إقصاء أصحاب الخبرة لمجرد ارتباطهم بمرحلة سابقة ما لم تثبت بحقهم مخالفات أو فساد.
والإصلاح الإداري لا ينفصل عن المال العام فلا يمكن بناء دولة بينما تبقى الإيرادات غير منضبطة والإنفاق غير واضح والاحتكار قادرا على التحكم بالأسواق والمشاريع. لذلك فإن ضبط المالية العامة وإعلان آليات الإنفاق وتوسيع الرقابة ومكافحة الفساد وطرح المشاريع وفق قواعد شفافة ليست تفاصيل إدارية بل جزء من معركة استعادة ثقة السوريين بالدولة.
وفي الملف الأمني فإن توحيد السلاح والقرار الأمني تحت مؤسسات الدولة يمثل شرطا أساسيا للاستقرار الدولة لا تستطيع أن تكون قوية بوجود مراكز أمنية وعسكرية متوازية ولا يمكن أن يستقيم القانون إذا كانت الصلاحيات موزعة بين قوى متعددة لكن توحيد المؤسسة الأمنية يجب أن يترافق مع رقابة قانونية وقضائية واضحة لأن قوة الدولة لا تعني غياب المساءلة بل تعني أن الأمن نفسه يصبح أكثر مهنية وانضباطا
وهنا تحديدا سيكون الاختبار السياسي للمرحلة فهل تستطيع السلطة الانتقال من منطق إدارة الأشخاص إلى بناء المؤسسات؟
إن نجاح أحمد الشرع لن يقاس بعدد التغييرات الإدارية ولا بسرعة إصدار القرارات وإنما بقدرته على تأسيس قواعد تجعل الدولة قادرة على الاستمرار دون أن تبقى رهينة للأشخاص. فالدولة التي تتغير بتغير المسؤولين تبقى هشة أما الدولة التي تستمر مؤسساتها رغم تغير المسؤولين فهي التي تستطيع حماية مستقبلها.
فإن دعم مسار بناء الدولة لا يعني منح السلطة شيكا على بياض. على العكس تماما فالدعم الحقيقي لأي مشروع وطني يكون بالنقد الذي يمنع الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة و بالمساءلة التي تحمي المؤسسة من الفساد وبالشفافية التي تمنع إعادة إنتاج مراكز النفوذ تحت عناوين جديدة.
سورية لا تحتاج إلى إعادة تدوير الفوضى داخل مؤسسات الدولة ولا إلى استبدال نفوذ بنفوذ آخر. إنها تحتاج إلى دولة يكون فيها القانون أعلى من الشخص والكفاءة أعلى من الولاء والمؤسسة أقوى من الفرد.
وهنا يكمن الرهان الحقيقي على منهج أحمد الشرع: أن تتحول إعادة ترتيب الأوراق من عملية إدارية مؤقتة إلى تأسيس فعلي لدولة سورية جديدة قادرة على أن تحكم بالقانون وتنتج بالاقتصاد وتحمي بالمؤسسات وتبقى أقوى من جميع الأشخاص الذين يديرونها.




