
خريطة التصعيد البرلماني في واشنطن: جيو-استراتيجية حقوق الإنسان والمحاسبة
شهدت قاعة “رايبورن” في مبنى الكونغرس الأميركي تحولاً نوعياً في مقاربة الملف الإيراني، حيث تكاتف أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لصياغة موقف عابر للحزبين يربط صراحة بين السلوك الإقليمي العدواني لنظام طهران وموجات القمع الداخلي. ولم يعد النقاش محصوراً في إطار الإدانات الحقوقية التقليدية، بل تجاوزها إلى هندسة ضغط سياسي متعدد الأبعاد. وتجسد هذا التحول الجذري في الرسالة الموجهة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، والتي وقعها 63 نائباً، تطالب بدمج اعتبارات حقوق الإنسان في صلب أي معادلة دبلوماسية أو تفاوضية مع النظام الإيراني، مما يعكس إدراكاً تشريعياً متزايداً بأن استقرار المنطقة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى صمود الحراك الشعبي وتصاعد حركات الاحتجاج في الداخل.
إرث 1988: العقيدة المؤسسية للإفلات من العقاب وهندسة الإبادة
يمثل استذكار مجزرة صيف عام 1988 في المحافل الدولية تفكيكاً دقيقاً لجذور الاستبداد البنيوي الذي يحكم منظومة “الولي الفقيه”. فقد أرست فتوى خميني آنذاك عقيدة أمنية صارمة تعتمد التصفية الجسدية الشاملة لكل معارضة منظمة، ولا سيما كوادر وأنصار “منظمة مجاهدي خلق الإيرانية”. إن تقارير المقررين الخاصين للأمم المتحدة ومراكز الرصد الدولية التي وثقت إعدام نحو 30 ألف سجين سياسي ودفنهم في مقابر سرية مثل مقبرة “خاوران”، تؤكد أن الإفلات الممنهج من العقاب لم يكن مجرد تجاوز عابر، بل تحول إلى عقيدة حاكمة تستند إليها أجهزة “حرس النظام الإيراني” في التعامل مع الاحتجاجات المتعاقبة، وصولاً إلى انتفاضة يناير 2026 وما أعقبها من تصفيات دموية.
اقتصاديات القمع الممنهج: حبال المشانق وعزل المجتمع المدني
تظهر البيانات الميدانية المستقلة وتقارير مراقبة حقوق الإنسان أن تصاعد وتيرة الإعدامات — التي تجاوزت 900 حالة حتى سبتمبر 2026 — يشكل آلية ردع استراتيجية تلجأ إليها السلطة لكسر الإرادة الشعبية الحرة. وتؤكد النماذج الموثقة، كإعدام الشاب صالح محمدي والسجين السياسي وحيد بني عامريان دون محاكمات عادلة، الاعتماد المتزايد على الاعترافات القسرية تحت التعذيب. وفي السياق ذاته، يبرز اللجوء إلى القطع الممنهج لشبكات الإنترنت كأداة هندسية لإخفاء الانتهاكات الجسيمة وعزل المجتمع المدني عن الفضاء الخارجي، مما يفرض على المجتمع الدولي مسؤولية قانونية وأخلاقية لتأمين أدوات الاتصال الآمنة وحماية حقوق الإنسان.
المخرجات الجيوسياسية وحتمية التغيير الاستراتيجي الشامل
تخلص القراءات التحليلية للمشهد الراهن إلى أن سياسة الابتزاز الإقليمي وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز ما هي إلا انعكاس للأزمة الوجودية العميقة التي تعاني منها السلطة في الداخل. وكما أشار أعضاء الكونغرس مثل براد شيرمان وروبرت مينينديز، فإن محاولات وأد الحراك الشعبي عبر الإعدامات الجماعية تعكس هشاشة النظام لا قوته المطلقة. من هنا، فإن بلورة استراتيجية دولية فاعلة تتجاوز العقوبات الاقتصادية التقليدية لتشمل المساءلة القضائية الدولية لقادة طهران، وتوفير الدعم السياسي لتطلعات الشعب الإيراني نحو إقامة جمهورية ديمقراطية، تمثل الركيزة الأساسية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة وتجنيب السلم الدولي مزيداً من التدهور والتوتر.
د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي



