أكتوبر 20, 2026
1000534911-1

​الكاتب: حسين شكران العقيلي
الثلاثاء، 20 تشرين الأول / أكتوبر 2026

​يمر المجتمع اليوم بمرحلة حاطة من مراحل التجريف الفكري والأخلاقي مرحلة أتاحت فيها منصات التواصل الاجتماعي صعود نماذج طارئة على الثقافة والعلم بات يُطلق عليهم مصطلح (الفانشسسات) أو (البلوكرات) ممن يتصدرن البثوث المباشرة للحديث في أعقد المسائل الفقهية والحضارية بجهل جلي وصفاقة غير مسبوقة.
إن ما يشهده الفضاء الرقمي اليوم ليس مجرد وجهات نظر عابرة أو مطالبات حقوقية عفوبة بل هو حملة تشويه ممنهجة تستهدف المدونة الجعفرية بوصفها ركناً أساسياً من أركان الهوية الفكرية والدينية للمجتمع، في محاولة مكشوفة لإسقاط الرموز وتفريغ الأمة من محتواها العقائدي والأخلاقي.
​يتبدى العبث الفكري في أبهى صوره عندما تخرج إحدى هؤلاء المشهورات في بث مباشر تنفث فيه سموم الجهل لتتساءل باستخفاف مستفز: (من أين للإمام الصادق هذه المؤلفات ؟) إن هذا التساؤل المريب لا يعكس جهلاً بالتاريخ والتراث فحسب بل ينم عن تعمد متكامل لتجاهل الحقيقة الشاخصة إذ تتناسى هؤلاء النساء إما بجهل فاضح أو بأجندة موجهة أن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) هو أحد الأئمة الاثني عشر من أهل بيت النبوة وهو أستاذ المذاهب الإسلامية ورائد النهضة العلمية التي تغذت عليها الحضارة الإسلامية في أوج إشراقها
إن منبع هذا الفقه ليس نتاج صدفة أو تدليس بل هو امتداد أصيل لعلوم النبوة وسلسلة ذهبية متصلة بالرسول الأعظم استقاها الأئمة كابراً عن كابر حتى أضحت المدونة الجعفرية صرحاً فقهياً وإنسانياً متكاملاً يتسم بالدقة والعمق والشمول.
​إن الوقوف على دوافع هذا الهجوم الممنهج يكشف عن أسباب متعددة تتداخل فيها الغايات الفردية بالأجندات الخارجية
فالدافع الأول يتمثل في الابتذال البحثي عن (الترند) وزيادة التفاعل على حساب المقدسات حيث أدركت هذه الشريحة أن المساس بالثوابت الدينية والرموز الفقهية هو أسرع الطرق لإثارة الجدل ولفت الأنظار ولو كان ذلك على حساب الكرامة والحياء.
أما الدافع الثاني والأشد خطورة، فهو استكمال لمشروع تغريبي يسعى لفك ارتباط المجتمع برمرزه الدينية وتجريده من منظومته القيمية لتسهيل قيادته نحو السطحية والميوعة الأخلاقية.
إن استهداف المدونة الجعفرية تحديداً يأتي لكونها تشكل الساتر الحصين الذي يحمي الأسرة والمجتمع من الانزلاق في مستنقع الانحلال، ومن الطبيعي أن يتكتل أصحاب الأهوية ومن يروجون للتفسخ ضد كل تشريع يضمن صيانة العفة والحفاظ على الأنساب والمظلة الأخلاقية للأسرة.
​أمام هذا الواقع المتردي الذي بات يهدد الأمن المجتمعي والسلم الفكري، لم يعد الصمت مقبولاً أو مسوغاً. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية عبر أجهزتها المختصة بكافحة الجرائم الإلكترونية والشرطة المجتمعية، لاتخاذ خطوات حازمة وصارمة لردع أمثال هؤلاء النساء اللواتي تجردن من الحياء والعفة، وأصبحن وسيلة لهدم القيم العائلية والتطاول على الرموز الدينية. إن حرية التعبير لا تعني بحال من الأحوال إتاحة المنابر للجاهلات للطعن في التراث والفقه الاستدلالي، ومحاسبة هؤلاء الخارجات عن أطر الأدب العام أضحت ضرورة ملحة لحماية المجتمع من التلوث الفكري والأخلاقي. إن المدونة الجعفرية ستظل، بحجمها العلمي وعمقها التاريخي، عصية على محاولات التشويه، وستبقى الحصن المنيع أمام هجمات الفانشسسات ومن يقف خلفهن.