أكتوبر 19, 2026
وقفة-إحتجاجية-لأسر-السجناء-المحكوم-عليهم-بالإعدام-في-طهران-1

نظام مير محمدي*

تشهد إيران مع حلول العاشر من تشرين الأول (أكتوبر)، اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، تحولاً خطيراً في وظيفة جهازها القضائي، حيث لم تعد عقوبة الإعدام مجرد أداة جزائية تُطبق في أروقة المحاكم، بل تحولت إلى استراتيجية بقاء وسياسة حظر متكاملة يعتمدها النظام للسيطرة على مجتمع يغلي تحت وطأة أزمة شرعية غير مسبوقة. إن القراءة المتأنية للزيادة القياسية في معدلات الشنق خلال العام الأخير تتجاوز حدود الأرقام لتكشف عن بؤرة هلع مؤسسي تصيب هرم السلطة من احتمال اندلاع انتفاضات شعبية جديدة تشلل أركان الاستبداد الديني.
تأتي هذه الموجة غير المسبوقة من الإعدامات في وقت تسعى فيه السلطة القضائية إلى إضفاء طابع شرعي وقانوني على عملية القمع السياسي. ولعل المؤشر الأكثر دلالة على هذا الانهيار المؤسسي هو ما أعلنه رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، بوضوح حين أكد أن الجهاز القضائي أخذ “تعبئة حربية”، مشدداً على أن المحاكمات والملفات تُدار وفق منطق وظروف إدارة الحروب لا وفق القواعد المتعارف عليها في ظروف دعة السلم. هذا الإقرار الصريح يُجرّد الأحكام الصادرة من أي قيمة حقوقية، ويؤكد أن المحاكمات العاجلة التي تجري في غضون ساعات قليلة، وتعتمد على اتهامات مبهمة مثل “المحاربة” و”الإفساد في الأرض” و”البغي”، ليست سوى غطاء سياسي لتصفية الخصوم والمتظاهرين.
وفي هذا السياق الحقوقي الحرِج، جاءت الرسالة الهامة والمستندة التي وجهتها السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في عشية اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، لتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية. فقد كشفت الرسالة بالأرقام والحقائق الدامغة أن السلطات الإيرانية سجلت أرقاماً قياسية في الإعدامات، حيث أُعدم ما لا يقل عن 2657 شخصاً خلال عام واحد، بينهم عشرات النساء والأشخاص الذين كانوا قاصرين وقت ارتكاب الجرم المنسوب إليهم، مما يمثل قفزة مرعبة بنسبة 130% مقارنة بالعام السابق.
ولعل ما يمنح هذه الرسالة وزناً تحليلياً استثنائياً هو تسليطها الضوء على الاستهداف الممنهج للمعتقلين السياسيين والمشاركين في الانتفاضات الشعبية، ولا سيما كوادر وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. إن إعدام شخصيات نضالية وأكاديميين وكوادر فنية في سجون مختلفة، مثل سجن “قزل حصار”، يكشف عن محاولة يائسة لقطع الشرايين التنظيمية للمقاومة الإيرانية وإرهاب “وحدات الانتفاضة” التي تشكل الفاعل الأساسي في الحراك الميداني. كما نبهت الرسالة إلى أن هذه الممارسات ليست سلوكاً طارئاً، بل هي امتداد مباشر لمجزرة عام 1988 التي أُعدم فيها أكثر من 30 ألف سجین سياسي، والتي وصفها المقرر الخاص للأمم المتحدة في تقريره التاريخي بأنها تحمل عناصر “الإبادة الجماعية” و”الجرائم ضد الإنسانية”.
من الناحية القانونية والدولية، تتجاهل طهران بشكل صارخ المادتين السادسة والرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واللتين تضمنان حظر حرمان أي فرد من حياته تعسفياً وحقه في محاكمة علنية وعادلة تمكنه من الوصول إلى محامٍ مستقل وتمنع استخلاص اعترافات تحت التعذيب. غير أن التوافق التام بين مختلف أجنحة السلطة، بدءاً من تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان الداعمة للإعدامات وصولاً إلى تهديدات القادة العسكريين والأمنيين، يثبت أن قمع المجتمع بالإعدام هو قرار استراتيجي موحد يتجاوز اللعبة السياسية الداخلية.
أمام هذه الحقائق، لم يعد منطق الإدانة الشفهية أو المناشدات التقليدية يمتلك أي فاعلية لردع آلة القتل في طهران. إن ما طالبت به السيدة رجوي في رسالتها للأمين العام يمثل نقظة ارتكاز وخارطة طريق حقوقية متكاملة لإنهاء حاشية الإفلات من العقاب؛ إذ ينبغي للأمم المتحدة ومجلس الأمن اتخاذ خطوات إجرائية حاسمة، في مقدمتها تشكيل “آلية عدالة جنائية دولية مستقلة” لجمع الأدلة ومحاسبة المتورطين، وتفعيل مبدأ “الولاية القضائية العالمية” لملاحقة قادة النظام أمام المحاكم الوطنية والدولية، وإحالة ملف انتهاكات حقوق الإنسان إلى دیوان الجنايات الدولية.
إن التاريخ السياسي للأنظمة الشمولية أثبت دائماً أن توسيع نطاق الإعدامات ليس دليلاً على القوة والتمكن، بل هو إفلاس سياسي واعتراف ضمني بالعجز عن السيطرة على غضب الشارع. وما خوض السجناء السياسيين لحملة “ثلاثاءات لا للإعدام” وإضراباتهم المتواصلة عن الطعام إلا إشارة جلية إلى أن إرادة الانعتاق لدى الشعب الإيراني قد كسرت حاجز الخوف، وأن حبل المشنقة لم يعد قادراً على حماية نظام استنفد كل مقومات بقائه.

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني