
رياض سعد
لم تعد المعركة بين الحقيقة والكذب تدور في فضاء الأفكار والروايات المتعارضة فحسب، بل تحولت، في عصر الإعلام الرقمي، إلى حرب منظمة على الوعي والعقول والسمعة والمواقف… ؛ ففي الوقت الذي تحتاج فيه الحقيقة إلى الأدلة والتحقيق والوقت كي تثبت حضورها، تستطيع الأكاذيب أن تجوب العالم في دقائق، محمولةً على ألسنة المروجين، وأقلام المأجورين، وحسابات الذباب الإلكتروني، وشبكات إعلامية تتقن صناعة الوهم والدجل وتقديمه للجمهور في صورة الحقيقة.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات المعاصرة ليس انتشار الأخبار الكاذبة وحده، بل تحوّل التضليل في بعض البيئات السياسية والإعلامية إلى صناعة متكاملة، لها ممولون ومخططون ومنفذون، وأدوات تتنوع بين القنوات الفضائية والمواقع الإخبارية والمنصات الرقمية والحسابات الوهمية، وصولًا إلى المشاهد المفبركة والتسجيلات المجتزأة والمسرحيات التدليسية التي تُصنع بعناية لتوجيه الرأي العام، وتصفية الخصوم، وتبرير السياسات، وصرف الأنظار عن الحقائق التي لا يرغب أصحاب النفوذ في ظهورها.
# صناعة الوهم واغتيال الحقيقة
لم يعد التضليل الإعلامي مقتصرًا على اختلاق خبر أو تحريف تصريح، بل أصبح يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا؛ فقد تُنتزع عبارة من سياقها لتبدو إدانة، ويُعاد تدوير مشهد قديم باعتباره حدثًا جديدًا، وتُفبرك صورة أو تسجيل، أو تُرتّب واقعة بطريقة مسرحية توحي بأن الجمهور أمام حدث عفوي، بينما تكون تفاصيله قد أُعدّت مسبقًا لخدمة غاية سياسية أو إعلامية.
وفي هذه البيئة، لا يُقاس نجاح الرسالة بمدى صدقها، بل بقدرتها على الانتشار والتأثير وصناعة الانطباع الأول.. , وقد يصبح المشهد المصطنع، إذا أُحسن إخراجه وتكراره، أشد تأثيرًا من الوقائع الموثقة؛ لأن المتلقي لا يرى الحقيقة دائمًا كما حدثت، بل كما جرى تقديمها له، ولا يحكم على الأشخاص والأحداث بالضرورة وفق الأدلة، وإنما وفق الصورة التي استقرت في ذهنه نتيجة التكرار والتوجيه والانفعال.
وهكذا يُغتال الوعي قبل أن تُكشف الكذبة، وتُشوَّه السمعة قبل أن يبدأ التحقيق، ويُدان الإنسان في محكمة الرأي العام قبل أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه.
# الأقلام المأجورة والذباب الإلكتروني
في قلب هذه المنظومة تقف الأقلام المأجورة التي تتخلى عن استقلالها المهني والأخلاقي مقابل المال أو النفوذ أو الامتيازات، فتتحول من أدوات للبحث والكشف إلى أدوات للتبرير والتشهير.. , لا تبحث هذه الأقلام عن الوقائع بقدر ما تبحث عن الرواية التي تخدم الجهة التي تقف خلفها؛ فإن احتاجت إلى تلميع حليف ضخّمت محاسنه، وإن أرادت إسقاط خصمها نبشت في حياته، أو حرّفت كلامه، أو ألصقت به اتهامات، أو أحاطته بسيل من الشكوك يصعب عليه تبديدها في زمن قصير.
وإلى جانبها تعمل جيوش الذباب الإلكتروني، التي قد تتشكل من حسابات وهمية أو شبكات منسقة أو أفراد يكررون الرسائل نفسها، فتمنح الرواية المصطنعة مظهر الإجماع الشعبي. وما إن تُطلق الدعاية حتى تبدأ عملية التكرار المكثف، وتضخيم التفاعل، وتبادل الاتهامات، وإغراق النقاش بالتعليقات العدائية، حتى يبدو للرائي أن الجميع يتحدثون عن الواقعة ذاتها، وأن كثرة المتحدثين دليل على صدق ما يقولون.
لكن كثرة التكرار ليست برهانًا، والانتشار ليس شهادة صحة، والتفاعل الواسع لا يحوّل الادعاء إلى حقيقة.. , فقد تكون وراء آلاف التعليقات حملة منسقة، وقد يكون وراء الضجيج الهائل عدد محدود من الحسابات التي تعيد إنتاج الرسالة نفسها بوجوه مختلفة.. , وعندما تُستبدل قوة الدليل بقوة الحشد، يصبح الرأي العام عرضة للتوجيه، ويغدو الصخب الرقمي وسيلة لإسكات الأصوات المستقلة ومحاصرة كل من يحاول تقديم رواية مختلفة.
# لماذا تتقدم الكذبة وتتراجع الحقيقة؟
تستمد الدعاية المضللة قوتها من استثمارها في نقاط الضعف البشرية والاجتماعية.. , فالخبر المثير يلفت الانتباه أسرع من التحليل المتأني، والاتهام الصادم يستفز العواطف أكثر مما تفعل الوثيقة الجافة، والرواية التي توافق المعتقدات والمواقف السابقة تجد طريقها إلى التصديق بسهولة أكبر من الرواية التي تتطلب مراجعة القناعات.
ويضاف إلى ذلك أن بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عما يؤكد أحكامهم المسبقة أو يمنحهم فرصة للتشفي بخصومهم.. , وحين تتداخل المصالح السياسية مع التعصب والاحتقان الاجتماعي، يتحول الخبر إلى ذخيرة في معركة الانتماءات، ويصبح السؤال عن صحته أقل أهمية من السؤال عما إذا كان يخدم جماعتنا أم يضر خصومنا.
هنا تتجلى المفارقة المؤلمة: الحقيقة تحتاج إلى التثبت، بينما تستفيد الكذبة من الاستعجال؛ الحقيقة تستدعي المقارنة بين المصادر، بينما يكفي الدعاية أن تجد جمهورًا مستعدًا للتصديق؛ والحقيقة قد تحتاج إلى تحقيق طويل لتصحيح الانطباع الخاطئ، في حين تستطيع الشائعة أن تترك أثرها خلال لحظات.
وحين تصل الحقيقة أخيرًا، لا تجد بالضرورة جمهورًا ينتظرها، بل قد تجد أذهانًا حسمت موقفها سلفًا، ومنابر ترفض تصحيح ما نشرته، وحسابات تواصل تكرار الاتهام حتى بعد ظهور ما ينقضه.. , فالاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة ومسؤولية، أما الاستمرار في التضليل فقد يكون أكثر نفعًا لأصحاب المصالح الذين لا تعنيهم الحقيقة بقدر ما يعنيهم بقاء الجمهور داخل الرواية التي صنعوها.
# العراق والعالم العربي: الإعلام في خدمة الصراعات
تكتسب هذه الظاهرة خطورة خاصة في العراق وعدد من البلدان العربية، حيث تتقاطع الأزمات السياسية مع الاستقطاب الحزبي والطائفي والقومي، وتتداخل المصالح الاقتصادية مع النفوذ الخارجي والصراع على السلطة والموارد.. , وفي مثل هذه البيئات، قد تتحول بعض المنابر من وسائل لنقل الوقائع ومراقبة أداء الحكومات إلى أدوات للدعاية السياسية، وتصبح التغطية الإعلامية امتدادًا للصراع بدلًا من أن تكون وسيلة لفهمه وكشف حقائقه.
وقد يجد المواطن نفسه أمام روايات متناقضة للحدث الواحد؛ فهذه قناة تصفه انتصارًا، وتلك تقدمه هزيمة، ومنصة تتهم طرفًا بالخيانة، وأخرى تبرئه قبل اكتمال التحقيق.. , وبين هذا وذاك، تضيع الوقائع تحت طبقات من الانتقاء والتحريض والتأويل، ويصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين المعلومة والتحليل، وبين الخبر والإعلان السياسي، وبين الصحفي الذي يحقق في الوقائع والمروج الذي ينفذ أجندة الجهة الممولة.
وفي العراق، حيث أثقلت الحروب والأزمات والانقسامات كاهل المجتمع، يمكن للتضليل أن يفاقم انعدام الثقة، ويعمّق العداوات، ويحوّل الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية طويلة الأمد.. , وقد تُستخدم الشائعات لتشويه شخصيات عامة، أو ضرب مؤسسات، أو إثارة الانقسام بين مكونات المجتمع، أو صرف الانتباه عن ملفات الفساد وسوء الإدارة والإخفاقات التي تستوجب المساءلة.
ولا يقتصر الخطر على ما يُنشر من أكاذيب صريحة، بل يشمل أيضًا أنصاف الحقائق؛ وهي أكثر أشكال التضليل قدرة على الخداع، لأنها تستند إلى واقعة صحيحة ثم تحذف منها ما يفسرها، أو تعرض جزءًا منها وتخفي الجزء المكمل، أو تضعها في سياق مضلل يقود المتلقي إلى استنتاج خاطئ.. , وهكذا لا يحتاج المضلل دائمًا إلى اختراع الوقائع، بل قد يكفيه أن ينتقي منها ما يريد، ويخفي ما لا يريد، ثم يترك للجمهور مهمة الوصول إلى النتيجة التي رسمها مسبقًا.
ومع ذلك، لا يصح تعميم الاتهام على الإعلام العراقي أو العربي كله؛ ففي هذه البيئات صحفيون ومؤسسات مهنية يدفع بعضهم أثمانًا باهظة من أجل كشف الفساد والدفاع عن حق الجمهور في المعرفة.. , والمشكلة ليست في الإعلام بوصفه وسيلة، بل في توظيفه للتضليل، وفي ضعف المساءلة، وفي غياب المعايير المهنية لدى الجهات التي تجعل الدعاية بديلًا عن الصحافة.
# حين يصبح الصدق خاسرًا في سوق الضجيج
إن هزيمة الحقيقة في الفضاء العام لا تعني دائمًا ضعف أدلتها، بل قد تعني أن خصومها يمتلكون أدوات انتشار أوسع، وموارد مالية أكبر، وقدرة أعلى على تكرار الرسائل وصناعة المشاهد والتأثير في الانفعالات.. , فالإعلام الصادق قد ينشر تحقيقًا موثقًا بعد أسابيع من العمل، بينما تستطيع شبكة تضليل أن تطلق رواية كاذبة خلال دقائق، ثم تعيد نشرها آلاف المرات، وتحيطها بالتعليقات والشعارات والصور والمقاطع التي تجعلها تبدو راسخة في الوعي العام.
والأشد خطورة أن الإعلام المضلل لا يكتفي أحيانًا بتقديم رواية كاذبة، بل يسعى إلى إضعاف ثقة الجمهور بإمكان الوصول إلى الحقيقة أصلًا.. , فهو يخلط الوقائع بالأكاذيب، ويهاجم المصادر المستقلة، ويشكك في كل وثيقة لا تخدم مصالحه، حتى يصل المتلقي إلى حالة من الارتباك تجعله يعتقد أن الجميع يكذبون، وأن لا حقيقة يمكن الوثوق بها.
وهذه هي إحدى أخطر نتائج التضليل: ليس أن يصدق الناس كذبة بعينها فحسب، بل أن يفقدوا القدرة على التمييز بين الصدق والكذب، وأن يستسلموا للامبالاة، أو ينحازوا إلى الرواية الأقرب إلى أهوائهم ومصالحهم.. , فعندما تتساوى الحقيقة والكذبة في نظر الجمهور، تكون الدعاية قد حققت انتصارًا أعمق من مجرد نشر خبر زائف؛ إذ تكون قد أصابت المعيار الذي يُحتكم إليه في معرفة الوقائع.
# استعادة الحقيقة مسؤولية جماعية
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق بمجرد مطالبة الناس بعدم تصديق الشائعات، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة من الوعي والمهنية والمساءلة… ؛ تبدأ من الفرد الذي يتوقف قبل مشاركة خبر مجهول المصدر، ويميز بين الادعاء والدليل، ويتحقق من تاريخ الصور والمقاطع وسياقها، ولا يجعل كثرة المتفاعلين بديلًا عن التثبت.
وتمتد إلى المؤسسات الإعلامية التي ينبغي أن تلتزم بالتحقق المستقل، وأن تتيح حق الرد، وأن تصحح أخطاءها علنًا، وأن تفصل بين الخبر والرأي والإعلان السياسي.. , كما تقع على المنصات الرقمية مسؤولية الحد من التلاعب المنسق والتفاعل المصطنع، مع احترام حرية التعبير وعدم تحويل مكافحة التضليل إلى ذريعة لإسكات النقد المشروع.
وتحتاج المجتمعات كذلك إلى قوانين عادلة تطبق على الجميع، تحمي الأفراد من التشهير المتعمد والتزوير والافتراء، من دون أن تمنح أصحاب السلطة وسيلة لإسكات الصحفيين أو المعارضين أو المبلغين عن الفساد… ؛ فمحاربة الكذب لا تكون بكذب مضاد، ولا بتكميم الأفواه، بل بتوسيع مساحة الأدلة، وحماية الصحافة المستقلة، وضمان حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
أما المؤسسات السياسية، فعليها أن تدرك أن صناعة الدعاية قد تمنحها مكاسب آنية، لكنها تقوض الثقة العامة على المدى البعيد.. , فالدولة التي تسمح بتحويل الإعلام إلى ساحة لتصفية الحسابات تضعف قدرتها على بناء مجتمع متماسك، والمجتمع الذي يترك سمعته ووعيه رهينة الحسابات الوهمية والأقلام المأجورة يصبح أكثر عرضة للانقسام والتلاعب.
إن الحقيقة لا تحتاج إلى أن تكون صاخبة كي تكون حقيقة، لكنها تحتاج إلى بيئة تحميها، ومؤسسات تنصفها، وجمهور لا يتخلى عنها عند أول موجة من الإثارة.. , وقد تتأخر الحقيقة في الوصول، وقد تُحاصر بالأكاذيب، وقد تُهزم مؤقتًا أمام جيوش التضليل، لكن الخطر الأكبر ليس في تأخرها، بل في أن يعتاد الناس غيابها، وأن يصبح الكذب جزءًا مألوفًا من حياتهم العامة.
فحين تتحول الأقلام إلى أدوات مأجورة، والمشاهد إلى مسرحيات مفبركة، والمنصات إلى جيوش من الحسابات الموجهة، لا تكون المعركة مجرد خلاف على خبر أو موقف، بل صراعًا على وعي المجتمع وحقه في معرفة ما يجري حوله.. , وعندها يصبح الدفاع عن الحقيقة دفاعًا عن العقل والكرامة والحرية، وعن حق الإنسان في ألا يُدان بكذبة، وألا يُقاد بوهم، وألا تُصاغ مواقفه بإرادة من يتقنون صناعة الضجيج.
فالمجتمع الذي ينتصر فيه الدليل على الدعاية يحمي وعيه، أما المجتمع الذي يمنح الكذبة سلطة الحقيقة، فإنه يسلّم عقول أبنائه لمن يملك المال والمنبر والقدرة على تكرار الوهم.



