أكتوبر 21, 2026
رياض سعد

رياض سعد

دراسة تاريخية وأنثروبولوجية ودينية واجتماعية وسياسية في تنوّع المسيحيين العراقيين، والفوارق بين الوجود الكنسي القديم والهجرات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وعلاقة الانتماء الديني والقومي بالمواطنة العراقية.

 مقدمة: هل يكفي الانتماء الديني لإثبات الجذور التاريخية؟

إن دراسة تاريخ المسيحيين في العراق تستلزم التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة، ولكنها ليست متطابقة: الانتماء الديني والكنسي، والانتماء القومي والثقافي، والانتماء الوطني والجغرافي… ؛  فالإنسان قد ينتمي إلى كنيسة عريقة في تاريخ العراق، ويتحدث لغة قومية خاصة به، ويحمل في الوقت نفسه هوية وطنية عراقية؛ وقد يكون آخر قد استقر في العراق نتيجة الهجرة واللجوء، ثم أصبح هو وأبناؤه وأحفاده من مواطنيه الذين لا يعرفون وطناً غيره.

ومن هنا، فإن الحديث عن تاريخ المسيحيين في العراق لا ينبغي أن يتحول إلى رواية أحادية تجمع جميع الجماعات المسيحية في أصل واحد، أو تنسب إليها جميعاً تاريخاً متطابقاً، كما لا يصح أن يتحول إلى نقيض ذلك، فيُختزل المسيحيون القادمون من خارج الحدود الحديثة للعراق في صورة جماعات غريبة لا تربطها بالعراق أية صلة وطنية أو حضارية.

فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه الطويل، كان موطناً لجماعات مسيحية متعددة، كما كان ملاذاً لمهاجرين ولاجئين قدموا من مناطق مجاورة في أزمنة مختلفة… ؛  وقد امتزجت في تاريخه حركة السكان بحركة التجارة والرهبنة والكنائس والبعثات التبشيرية والحروب والاضطهادات، ثم بالتدخلات الاستعمارية التي أعادت تشكيل الحدود والتحالفات والمؤسسات العسكرية والسياسية في مطلع القرن العشرين.

وتقتضي القراءة العلمية، لذلك، أن نميّز بين قدم الوجود المسيحي في العراق، وتاريخ كل جماعة بعينها، وتاريخ استقرارها في بغداد أو الموصل أو غيرهما من المدن، وأن نفحص الروايات المتداولة في ضوء الوثائق والآثار والمصادر الكنسية والسجلات التاريخية، بعيداً عن التعميمات التي تجعل الدين وحده دليلاً على الأصل القومي، أو تجعل الأصل الجغرافي القديم حكماً نهائياً على ولاء الإنسان لوطنه الحالي.

 أولاً: المسيحية في العراق؛ جذور أقدم من الدولة الحديثة

لا يمكن فهم تاريخ المسيحيين في العراق من خلال حدود الدولة العراقية التي تأسست في القرن العشرين وحدها؛ فالمسيحية انتشرت في بلاد ما بين النهرين منذ القرون الأولى للميلاد، حين كانت المنطقة جزءاً من عالم سياسي وثقافي يمتد بين الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية.

وكانت مدن مثل الحيرة ونصيبين وسلوقية وطيسفون ، فضلاً عن مناطق الجزيرة الفراتية وشمال بلاد الرافدين، مراكز مهمة للحياة الدينية والفكرية المسيحية.. ,  وتطورت في هذه البيئة مؤسسات كنسية ومدارس للترجمة واللاهوت، وأسهمت جماعات مسيحية في حركة المعرفة والطب والفلسفة خلال العصور القديمة والوسيطة.

ومن أبرز المؤسسات التي نشأت في هذه البيئة كنيسة المشرق، التي تطورت مؤسساتها في الإمبراطورية الساسانية، واتخذت من سلوقية- طيسفون مركزاً بطريركياً مهماً.. ,  ثم اتسع دورها في العصر الإسلامي، وبلغت بغداد مكانة بارزة في تاريخها الكنسي والفكري.

وقد ارتبط المسيحيون في العراق، على اختلاف كنائسهم، بلغات وثقافات متعددة؛ فكانت السريانية، وهي صيغة أدبية من الآرامية، لغة دينية وثقافية مهمة، بينما أصبحت العربية لغة يومية لدى جماعات مسيحية واسعة، ولا سيما في المدن.. ,  كما استمرت لغات محلية وتقاليد شفوية مختلفة في قرى شمال العراق وشرقه.

ومن الخطأ، من منظور تاريخي وأنثروبولوجي، افتراض أن جميع المسيحيين العراقيين كانوا جماعة قومية واحدة، أو أن جميعهم ينحدرون من منطقة جغرافية واحدة، أو أن التمايزات الكنسية التي استقرت في الأزمنة الحديثة كانت موجودة بصورتها الحالية منذ القرون الأولى.

فالانتماء الكنسي قد يتغير نتيجة اتحاد مع كنيسة أخرى أو انقسام مذهبي، في حين تستمر اللغة والعادات والروابط العائلية عبر أجيال متعددة.. ,  كذلك لا يمكن استنتاج الأصل الجيني أو القومي الدقيق لجماعة كاملة من اسم كنيستها وحده.

وتكشف الدراسات التاريخية لكنيسة المشرق عن تفاعل معقد بين الكنيسة والسلطات السياسية والمجتمعات المحيطة بها، وهو ما يؤكد أن تاريخ المسيحيين في بلاد الرافدين لم يكن تاريخ جماعة معزولة، بل تاريخ مكوّن اجتماعي شارك في التحولات السياسية والثقافية للمنطقة .

 ثانياً: من هم النساطرة والكلدان والسريان والآشوريون؟

من أبرز أسباب الالتباس في كتابة تاريخ المسيحيين في العراق استخدام أسماء دينية وكنسية وقومية مختلفة كما لو كانت مترادفات تامة.. ,  والحقيقة أن هذه الأسماء لا تؤدي الوظيفة نفسها دائماً.

 1. كنيسة المشرق وما عُرف تاريخياً بالنساطرة

اُطلق اسم «النساطرة» على أتباع كنيسة المشرق في كثير من الكتابات التاريخية، وهو وصف ارتبط بالخلافات المسيحولوجية التي شهدتها الكنيسة القديمة، لكنه ليس تسمية محايدة تماماً ولا يعبّر عن الطريقة التي يعرّف بها جميع أتباع هذه الكنيسة أنفسهم.

وقد امتلكت كنيسة المشرق مؤسساتها البطريركية وشبكاتها الدينية في بلاد الرافدين، وامتدت أنشطتها إلى فارس وآسيا الوسطى والهند والصين.. ,  وكان حضورها في المنطقة سابقاً بقرون طويلة على تأسيس الدولة العراقية الحديثة.

وفي بغداد، عرفت الجماعات المسيحية حياة كنسية ممتدة عبر العصور الإسلامية، وإن تعرضت مؤسساتها وأعدادها لتقلبات سياسية واجتماعية.. ,  وتفيد روايات تاريخية عن بغداد بوجود جماعات نسطورية فيها، كما يذكر الرحالة الفرنسي جان باتيست تافرنييه، الذي زار المدينة في القرن السابع عشر، جماعات مسيحية متعددة.

ومن الشواهد التي تستحق البحث والتوثيق أيضاً تاريخ كنيسة أم الأحزان في بغداد، التي ارتبطت بتاريخ الكلدان الكاثوليك في المدينة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

 2. الكلدان الكاثوليك

تبلورت الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بصورتها المؤسسية الحديثة نتيجة مسار طويل من الانقسامات والاتحادات الكنسية مع روما، ولا يصح اختزال هذا المسار في تحول جماعة كاملة دفعة واحدة خلال القرن الثامن عشر.

ويضم الكلدان جماعات ذات جذور عريقة في العراق، ولا سيما في الموصل وسهل نينوى ومناطق أخرى، كما توجد بينهم عائلات استقرت في بغداد وغيرها من المدن منذ أزمنة مختلفة.

ومن الضروري هنا تصحيح استنتاج شائع: ليس كل من عُرف تاريخياً بالنسطوري قد أصبح كلدانياً كاثوليكياً، ولم يؤدّ الاتحاد مع روما إلى اختفاء جميع أتباع كنيسة المشرق التقليدية.. ,  فقد استمرت مسارات كنسية مختلفة، لكل منها مؤسساتها ومرجعياتها.

3. السريان الكاثوليك والسريان الأرثوذكس

يمثل السريان الكاثوليك والسريان الأرثوذكس تقاليد كنسية متميزة عن كنيسة المشرق، على الرغم من اشتراكهم في استخدام التراث السرياني وارتباطهم بتاريخ مسيحية الشرق.

وقد عاشت جماعات منهم في الموصل والجزيرة الفراتية ومناطق شمال العراق، كما استقرت عائلات في بغداد ومدن أخرى.. ,  وشهد تاريخهم، بدوره، انتقالات سكانية داخل المنطقة وهجرات مرتبطة بالحروب والاضطهادات والتحولات الاقتصادية.

4. الآشوريون، والهوية القومية والكنسية

تحتاج تسمية «الآشوريين» إلى قدر خاص من الدقة؛ إذ تُستخدم في العصر الحديث اسماً قومياً لدى جماعات مسيحية، كما ترتبط بها مؤسسات كنسية وتقاليد لغوية وتاريخية متنوعة.

ولا يصح التعامل مع الهوية الآشورية الحديثة وكأنها مجرد اسم آخر للنساطرة، أو اعتبارها بالضرورة هوية وافدة لا تاريخ لها في العراق.. ,  فهناك نقاشات تاريخية حول تطور القومية الآشورية الحديثة، وصلتها بالتراث الآشوري القديم، وعلاقة التسميات الكنسية والقومية بعضها ببعض.. ,  كما أن أتباع كنيسة المشرق الآشورية والكلدان الكاثوليك والسريان وغيرهم لا يتفقون جميعاً على تعريف واحد لأصولهم القومية.

والنتيجة المنهجية هي أن التاريخ الكنسي لا يثبت وحده الأصل القومي، والاسم القومي لا يكفي وحده لتحديد موطن كل أسرة في كل مرحلة تاريخية.

 ثالثاً: مسيحيو بغداد قبل الحرب العالمية الأولى

تكتسب بغداد أهمية خاصة في هذا البحث؛ لأنها كانت مركزاً سياسياً واقتصادياً ودينياً منذ العصر العباسي، ثم استمرت مدينة متعددة الجماعات في العهدين المغولي والعثماني.

وقد عاشت فيها جماعات مسيحية من خلفيات كنسية مختلفة، ومارست أنشطة تجارية وحرفية وطبية وتعليمية، وامتلك بعضها كنائس ومؤسسات دينية وروابط اجتماعية مستقرة.

وتشير روايات تاريخية عن بغداد العثمانية إلى وجود مسيحيين من مذاهب متعددة قبل الحرب العالمية الأولى.. ,  ومن ثم، لا يمكن اعتبار جميع مسيحيي بغداد في القرن التاسع عشر أو مطلع القرن العشرين مهاجرين حديثين من هكاري أو أورمية أو غيرهما.

لكن هذا لا يعني أن كل جماعة مسيحية حديثة الاستقرار في بغداد كانت موجودة فيها منذ العصر العباسي، ولا أن وجود كنيسة قديمة يثبت أن كل أفراد الجماعة التي تتبعها اليوم ينحدرون من العائلات نفسها التي بنتها أو ارتادتها قبل قرون.

فالمدينة تتغير سكانياً عبر الزمن، وقد تستقبل موجات هجرة من الموصل والجزيرة الفراتية وشرقي الأناضول وغربي إيران، فضلاً عن القرى العراقية المحيطة بها.

ولذلك، فإن السؤال العلمي ليس: هل كان للمسيحيين وجود قديم في بغداد؟ فهذا ثابت في الجملة.. ,  وإنما السؤال الأدق هو: ما تاريخ كل جماعة كنسية أو عائلية في المدينة، ومتى استقرت فيها، ومن أين جاءت، وكيف اندمجت في مجتمعها؟

ويتطلب الجواب سجلات الكنائس والأوقاف، ووثائق الدولة العثمانية، وكتابات الرحالة، والسجلات العقارية، والوثائق البريطانية، والروايات العائلية التي يمكن التحقق منها.

رابعاً: هكاري وأورمية؛ الجغرافيا والتكوين الاجتماعي قبل الهجرة

لفهم الهجرات المسيحية التي وصلت إلى العراق خلال الحرب العالمية الأولى، ينبغي الانتقال إلى منطقتين مختلفتين سياسياً وجغرافياً: هكاري في جنوب شرقي الأناضول، وأورمية في شمال غربي إيران.

1. هكاري: المجتمع الجبلي

تقع هكاري التاريخية ضمن مناطق جنوب شرقي تركيا الحالية، وكانت موطناً لجماعات مسيحية تتبع كنيسة المشرق، عاشت في قرى جبلية، واحتفظت بتقاليد عشائرية وروابط محلية قوية.. ,  ومن الأسماء المرتبطة بهذه البيئة تياري وجيلو وباز وتخوما.

وقد تأثرت حياة سكانها بطبيعة الجبال، وبالعلاقات مع الجماعات الكردية المجاورة، وبنظام الحكم العثماني وترتيبات السلطة المحلية.. ,  وكانت اللغة الآشورية الحديثة، أو الآرامية الحديثة لدى كثير منهم، جزءاً من هويتهم الثقافية، إلى جانب تقاليد اجتماعية تشكلت عبر التفاعل الطويل مع محيطهم.

2. أورمية: السهل الزراعي والمجتمع المتعدد

تقع أورمية في شمال غربي إيران، قرب بحيرة أورمية، وكانت المنطقة تضم جماعات مسيحية تتبع تقاليد كنسية شرقية، إلى جانب مسلمين من خلفيات لغوية وقومية متعددة.

واختلفت بيئة أورمية عن البيئة الجبلية في هكاري؛ إذ عاشت جماعات مسيحية كثيرة في قرى زراعية أكثر استقراراً، وتفاعلت مع مجتمعات تتحدث الفارسية واللغات الأذرية والكردية وغيرها.

ولهذا لا يصح جمع مسيحيي هكاري وأورمية في نموذج اجتماعي واحد، حتى عندما جمعتهم الكنيسة أو ظروف الحرب واللجوء.

وتوضح هذه المقارنة أن اختلاف الجغرافيا أسهم في اختلاف أنماط المعيشة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، لكنه لا يبرر تحويل الفروق الثقافية إلى أحكام على أصالة جماعة أو ولائها السياسي.

فالتشابه في اللباس أو الطعام أو الموسيقى بين جماعة مسيحية وجماعة كردية مجاورة، مثلاً، قد يكون دليلاً على التفاعل الثقافي والتاريخ المشترك، لكنه لا يكفي لإثبات تطابق القوميتين أو انعدام هوية إحداهما المستقلة.. ,  وبالمثل، فإن اختلاف اللغة أو العادات بين مسيحيي بغداد ومسيحيي هكاري يثبت أن أحد الفريقين عراقي بالضرورة وأن الآخر غير عراقي بالضرورة .

خامساً: الحرب العالمية الأولى والمجازر واللجوء إلى العراق

مثّلت الحرب العالمية الأولى نقطة تحول كبرى في تاريخ مسيحيي الأناضول وإيران وشمال بلاد الرافدين.. ,  فقد تعرضت جماعات مسيحية متعددة للقتل والتهجير والتجويع وتدمير القرى، في سياق الحرب العثمانية الروسية، وانهيار السلطة المحلية، والصراعات القومية، والعنف الذي استهدف جماعات مدنية.

وشملت الكارثة الأرمن والآشوريين والاثوريين وغيرهم، مع اختلاف السياقات والوقائع المحلية.. ,  ويُشار في الأدبيات الآشورية إلى المجازر والتهجير اللذين تعرضت لهما الجماعات الآشورية باسم «سيفو».. ,  كما تعرض مسيحيون في مناطق أورمية وهكاري لظروف قاسية دفعتهم إلى الفرار من مواطنهم.

ولم تكن حركة اللجوء إلى العراق انتقالاً اقتصادياً عادياً؛ بل ارتبطت بدرجة كبيرة بالخوف من القتل وفقدان المساكن والقرى، وبالعمليات العسكرية وتبدل خطوط السيطرة بين القوات المتحاربة.

 مخيم بعقوبة: محطة مفصلية

في عام 1918، أنشأت الإدارة العسكرية البريطانية مخيماً كبيراً للاجئين المسيح الاجانب قرب بعقوبة، شمال شرقي بغداد.. ,  واستقبل المخيم عشرات الآلاف من الآشوريين والاثوريين والأرمن الذين فروا من مناطق الحرب، وتحول إلى أحد أبرز مواقع الإغاثة والاحتواء السكاني في العراق إبان الحرب العالمية الأولى.

وتوثق سجلات الإدارة البريطانية مراسلات حول إدارة المخيم، وإعاشة اللاجئين، وتكاليف الإغاثة، ومحاولات إعادتهم أو نقلهم إلى مناطق أخرى.. ,  كما تكشف الوثائق أن المسؤولين البريطانيين ناقشوا مستقبل هؤلاء اللاجئين في ضوء مصالحهم العسكرية والسياسية في بلاد الرافدين والأناضول وإيران .

وقد كان المخيم، الذي ضم في بعض المراحل عشرات الآلاف، فضاءً مؤقتاً تحكمه الإدارة العسكرية البريطانية، ولم يكن مجرد حي سكني نشأ بصورة طبيعية داخل بغداد.. ,  كما كانت أوضاع سكانه مرتبطة بالإعانات وبالقرارات العسكرية ومشروعات إعادة التوطين.

لكن من المهم التمييز بين ثلاث وقائع:

– اللجوء إلى العراق: وصول أفراد وعائلات إلى الأراضي التي كانت تحت السيطرة البريطانية هرباً من الحرب والاضطهاد.

– الإقامة في مخيم بعقوبة: وجود مؤقت في مركز إغاثة وإدارة عسكرية، لا يساوي تلقائياً الاستقرار الدائم في بغداد.

– الاستقرار اللاحق: انتقال بعض اللاجئين إلى مناطق أخرى في العراق، وبناء قرى أو أحياء، والانخراط في مؤسسات الدولة والمجتمع.

وهذه الفروق مهمة لفهم تاريخ الجماعات المسيحية في العراق الحديث.. ,  فوجود مخيم في بعقوبة لا يثبت أن جميع اللاجئين استقروا في بغداد، كما أن عدم وجود جماعة كبيرة في بغداد قبل الحرب لا يعني استحالة وجود أفراد منها أو عائلات قليلة فيها قبل ذلك التاريخ.

كذلك لم يكن مستقبل اللاجئين محسوماً منذ البداية.. ,  فالسجلات البريطانية تشير إلى مناقشة خطط للإعادة والتوطين، وإلى اختلاف مواقف اللاجئين أنفسهم من العودة إلى مناطقهم القديمة أو البقاء في الأراضي الخاضعة للسيطرة البريطانية .

ومن ثم، فإن القول إن جميع أبناء هكاري وأورمية وصلوا إلى العراق في يوم واحد أو استقروا في بغداد مباشرة بعد وصولهم، قول غير دقيق.. ,  الأدق أن الحرب أحدثت موجة لجوء واسعة، ثم تفرقت مسارات اللاجئين وأحفادهم بين مناطق العراق وخارجه.

 سادساً: الاستعمار البريطاني والفرنسي؛ بين الإغاثة والمصالح السياسية

لا يمكن فهم مصير اللاجئين المسيحيين في العراق بعد الحرب العالمية الأولى بمعزل عن السياسة البريطانية والفرنسية في المنطقة.. ,  فقد كانت بريطانيا تسعى إلى تثبيت نفوذها في بلاد الرافدين، بينما كانت فرنسا تنافسها على النفوذ في مناطق مجاورة، في سياق إعادة رسم الخرائط السياسية بعد انهيار الدولة العثمانية.

وتكشف الوثائق البريطانية عن اتصالات ومناقشات بين المسؤولين البريطانيين والفرنسيين بشأن اللاجئين الآشوريين  والاثوريين والأرمن، وإمكانات إعادتهم أو نقلهم، وتوزيع المسؤوليات المالية والإدارية المتعلقة بهم .

وكانت الجماعات المسيحية، في بعض الحالات، جزءاً من حسابات السياسة الإمبراطورية، سواء عبر الحماية أو الإغاثة أو التجنيد أو مشروعات إعادة التوطين.. ,  وقد استثمرت بريطانيا علاقاتها ببعض القيادات الآشورية والاثورية ، ثم استخدمت رجالاً من هذه الجماعات ضمن قوات الليفي، التي ارتبطت بالمؤسسة العسكرية البريطانية في العراق.

غير أن القراءة التاريخية الرصينة تقتضي التمييز بين استغلال القوى الاستعمارية لمحنة جماعة ما، وبين القول إن تلك القوى صنعت المحنة كلها أو أن الضحايا كانوا جميعاً أدوات سياسية واعية.. ,  فالمجازر والتهجير كانت وقائع ذات أسباب وسياقات متعددة، وكان اللاجئون أنفسهم أصحاب مصالح ومخاوف وخيارات متباينة، لا مجرد عناصر تتحرك وفق إرادة لندن أو باريس.

كذلك لا يصح اختزال علاقة جميع المسيحيين بالاستعمار في علاقة واحدة؛ فقد تعاون بعض الأفراد والقيادات مع البريطانيين، بينما اتخذ آخرون مواقف مختلفة، ولم تكن المصالح السياسية متطابقة حتى داخل الجماعة الواحدة.

والخلاصة أن التدخل الاستعماري أثّر بوضوح في تنظيم اللجوء، وفي إعادة توزيع السكان، وفي تشكيل بعض المؤسسات العسكرية والسياسية التي أحاطت بالمسيحيين بعد الحرب، لكنه لا يكفي وحده لتفسير تاريخ جميع الجماعات المسيحية .

# لماذا استُخدمت تسمية «الآثوريين» في العراق؟

تكتسب المسألة أهمية خاصة في تاريخ العراق الحديث؛ إذ استخدمت السلطات العراقية، في بعض المراحل، تسمية «الآثوريين» للإشارة إلى المسيحيين القادمين من هكاري وأورمية، ولا سيما بعد موجات اللجوء التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.

وتشير دراسة أكاديمية عن السياسة والهوية لدى الأقليات في العراق إلى أن استعمال «الآثوري» بدلاً من «الآشوري» ارتبط، في بعض السياقات السياسية، بمحاولة الفصل بين الجماعات المسيحية الوافدة حديثاً وبين الآشوريين القدماء في التاريخ الوطني.. ,  وقد رفض بعض الآشوريين هذه التسمية عندما شعروا بأنها تُستخدم لإنكار هويتهم القومية أو صلتهم بالتاريخ الآشوري.

لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا الاستخدام لا يثبت أن كل من سُمّي «آثورياً» كان مهاجراً حديثاً، ولا أن كل من سُمّي «آشورياً» كان من سكان العراق قبل الحرب العالمية الأولى؛ فالتسميات لم تكن دائماً متطابقة مع الأصل الجغرافي لكل فرد أو عائلة.

سابعاً: هل كان مسيحيو هكاري وأورمية غرباء عن العراق؟

هذا السؤال يحتاج إلى تفكيك تاريخي؛ لأن كلمة «الغريب» قد تعني شخصاً حديث الهجرة، أو شخصاً لا يحمل جنسية الدولة، أو شخصاً لا تربطه بالمجتمع المحلي علاقات ثقافية واجتماعية.. ,  وهذه معانٍ مختلفة لا يجوز الخلط بينها.

من الناحية الجغرافية، كانت هكاري وأورمية خارج حدود الدولة العراقية الحديثة.. ,  ومن ثم، فإن العائلات التي انتقلت منهما إلى العراق خلال الحرب العالمية الأولى كانت مهاجرة أو لاجئة من مناطق مجاورة، ولم تكن إقامتها السابقة في تلك المناطق دليلاً على إقامة أسلافها في بغداد قبل الهجرة.

نعم ,  أن هذه العائلات المسيحية المهاجرة ظلت غريبة عن العراق بعد استقرارها فيه، ولم  تنشئ روابط قوية مع السكان المحليين… ؛ حتى أن أبناءها وأحفادها ظلوا ينظرون إلى العراق باعتباره محطة مؤقتة.

فالتاريخ الاجتماعي والهوية والشعور الوطني يقيس الانتماء الوطني بموطن الأجداد وحده .

نعم , قد يصل الإنسان إلى العراق لاجئاً من بلد آخر، ثم يولد أبناؤه فيه، ويصبح وطنهم الوحيد الذي يعرفونه.. ,  وقد يحتفظ في الوقت نفسه بذاكرة عائلية عن قرى الأجداد في تركيا أو إيران، أو بروابط دينية وثقافية مع أبناء قوميته في الخارج.. ,  ولا يوجد تناقض ضروري بين الأمرين.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الأصل العائلي، والهوية القومية، والمواطنة، والولاء الوطني. فهذه الدوائر قد تتداخل، لكنها ليست شيئاً واحداً.

 ثامناً: الهجرة والحنين إلى الوطن الأول

من الظواهر المعروفة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا أن الجماعات المهاجرة تحتفظ أحياناً بذاكرة موطنها الأصلي، حتى بعد مرور أجيال على مغادرته.. ,  وقد تظهر هذه الذاكرة في أسماء القرى، والقصص العائلية، واللغة، والطقوس الدينية، والأطعمة، والأغاني، وشبكات الزواج، والاتصال بالأقارب في الخارج.

ويُعرف هذا النمط من الارتباط أحياناً بمفهوم الهوية العابرة للحدود؛ إذ يستطيع الإنسان أن يعيش في بلد، ويشارك في مجتمعه، ويحمل في الوقت نفسه روابط ثقافية أو عاطفية ببلد آخر.

وقد احتفظ بعض المسيحيين القادمين من هكاري وأورمية بذكريات موطنهم السابق، مثلما احتفظت جماعات مهاجرة أخرى في العراق بصلاتها ببلدانها الأصلية.. ,  ولا يعني ذلك بالضرورة أن ولاءهم للعراق ضعيف، بل قد يكون تعبيراً عن استمرار الذاكرة العائلية أو الدينية.

وفي المقابل، لا يجوز تجاهل أن بعض الجماعات المهاجرة قد تواجه صعوبات في الاندماج، أو تتجه إلى الهجرة مرة أخرى عندما تتاح لها فرص اقتصادية أو أمنية أفضل.. .  

# رواية الهمس في أذن المولود

تتداول بعض الروايات الشفوية المنسوبة إلى أهالي بغداد القدامى حكاية مفادها أن بعض العائلات المسيحية ذات الجذور الأجنبية كانت تهمس في أذن مولودها بأن عليه الهجرة إلى الغرب المسيحي عندما يكبر، على غرار ما يفعل المسلمون حين يؤذنون في أذن المولود.

هذه حكاية لافتة من الناحية الرمزية ؛ لكن لا يجوز التعامل معها بوصفها عادة عامة لدى المسيحيين، أو دليلاً على موقفهم الجماعي من العراق.

ومع ذلك، يمكن قراءة هذه الحكاية، إن ثبت تداولها لدى بعض العائلات، باعتبارها تعبيراً محتملاً عن تصور مستقبلي يرى الهجرة إلى الخارج طريقاً للأمان أو التعليم أو العمل أو الانتماء إلى مجتمع أوسع من الناحية الدينية والثقافية.

لكن هذا الاحتمال لا يبرر تعميم النية على ملايين الأفراد عبر أجيال مختلفة.. ,  فقرار الهجرة يتأثر بعوامل كثيرة، منها فرص العمل، والأوضاع الأمنية، والروابط الأسرية، والتعليم، والتمييز، والتطلعات الشخصية، وليس بالضرورة برفض الوطن الذي نشأ فيه الإنسان.

تاسعاً: لماذا غادر كثير من مسيحيي العراق بعد عام 2003؟

من الضروري التمييز بين الهجرات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وبين موجات الهجرة التي شهدها العراق في العقود الأخيرة.. ,  فالتشابه في النتيجة، أي مغادرة البلاد، لا يعني أن الأسباب واحدة.

ففي مطلع القرن العشرين، ارتبطت موجات اللجوء الكبرى بالحرب والمجازر وانهيار المجتمعات المحلية في مناطق من الأناضول وإيران.. ,  أما الهجرة المسيحية الواسعة من العراق في العقود الأخيرة، فقد ارتبطت بمجموعة من العوامل، منها تدهور الاوضاع الاقتصادية , وتدني مستوى المعيشة , والنظام القمعي والاجراءات التعسفية .. ؛ فضلاً عن ضعف الخدمات والفرص الاقتصادية.

وقد دفعت هذه الظروف كثيراً من الأسر إلى مغادرة البلاد، سواء إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، أو إلى دول مجاورة قبل الانتقال إلى بلدان أخرى.

و يمكن تفسير هذا النزوح على أنه دليل على أن بعض المسيحيين لا يعدّون العراق وطناً لهم… ,  فمغادرة الإنسان بلداً تعرض فيه لظروف صعبة قد تعني بالضرورة انعدام ارتباطه به، كما أن البقاء لا يثبت وحده قوة الانتماء الوطني.

علما ؛  أن النظام البعثي الصدامي عامل المسيحيين معاملة جيدة  قياسا بالأغلبية العراقية والاكراد … ؛ نعم ,  عاش المسيحيون في تلك المرحلة أوضاعاً متفاوتة، وكانوا جزءاً من المجتمع العراقي الخاضع للاستبداد والرقابة، كما تأثروا بالحروب والعقوبات الاقتصادية وسياسات الدولة.. ,  ولا يصح اختزال التجربة في مقارنة مبسطة بين نظام واحد وجميع المراحل التي تلته.

والأهم أن موجات الهجرة لم تقتصر على المسيحيين، بل شملت عراقيين من مختلف الأديان والقوميات والمناطق، لأسباب سياسية وأمنية واقتصادية متعددة.. ,  ومن ثم، فإن تحليل الهجرة المسيحية يحتاج إلى وضعها في سياق الأزمة العراقية العامة، مع دراسة المخاطر الخاصة التي تعرضت لها الجماعات المسيحية.

 عاشراً: أرقام التراجع السكاني وحدود الاستنتاج

تتداول تقارير وتقديرات أرقاماً مرتفعة لأعداد المسيحيين في العراق قبل عام 2003، وتقديرات أقل بكثير لأعدادهم في السنوات الأخيرة.. ,  لكن الأرقام تختلف بحسب السنة، وتعريف الفئة السكانية، ومصدر التقدير، ومدى احتساب المهاجرين والنازحين.

أما القول إن عددهم بلغ مليوناً ونصف المليون عام 1990، ثم انخفض إلى نحو 150 ألفاً عام 2023، فهو تقدير متداول يحتاج إلى توثيق مستقل قبل تقديمه بوصفه إحصاءً نهائياً. وإذا اعتمدنا هذين الرقمين على سبيل المثال الحسابي، فإن الانخفاض يبلغ نحو 90%، لكن صحة النسبة الحسابية لا تثبت وحدها صحة التقديرين الأصليين.

وبالمثل، فإن القول إن 95% من المسيحيين المتبقين يعيشون في إقليم كردستان العراق يحتاج إلى تحديد المصدر والسنة، لأن توزيع السكان يتغير نتيجة النزوح والهجرة والعودة والاستقرار في المدن المختلفة.

وتشير هذه التقديرات، على اختلافها، إلى تقلص كبير في الوجود المسيحي العراقي، وهي ظاهرة ذات نتائج ديموغرافية وثقافية عميقة؛ إذ لا تعني خسارة السكان وحدها، بل تعني أيضاً تراجع بعض اللهجات والتقاليد المحلية والمؤسسات الاجتماعية والروابط التاريخية التي تشكلت عبر قرون.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الخسارة باعتبارها شأناً يخص المسيحيين وحدهم؛ فالتنوع الديني والثقافي جزء من تاريخ العراق، وأي تراجع كبير في أحد مكوناته ينعكس على ذاكرته الحضارية ومجتمعه كله.

 الحادي عشر: الهجرة والهوية الوطنية؛ هل يتعارض الحنين إلى الأصل مع الانتماء إلى العراق؟

من منظور علم النفس الاجتماعي، لا تتكون هوية الإنسان من عنصر واحد.. ,  فقد يجمع الفرد بين هوية دينية، وهوية قومية، وانتماء محلي، وذاكرة عائلية، ومواطنة سياسية.. , وقد تتقدم إحدى هذه الهويات في موقف معين، من دون أن تلغي سائر الهويات.

وقد يحتفظ المسيحي العراقي بارتباط ديني بكنيسة عالمية، أو بصلات ثقافية مع جماعة قومية تعيش خارج العراق، وفي الوقت نفسه يعدّ العراق وطنه السياسي والاجتماعي.. ,  وكذلك يفعل مسلمون عراقيون لهم صلات دينية أو قومية أو عائلية خارج الحدود.

ولهذا، لا يكفي أن نثبت أن عائلة ما جاءت من هكاري أو أورمية كي نستنتج أنها لا  تعشق العراق. كما لا يكفي إثبات أن أسلاف عائلة أخرى عاشوا في بغداد منذ قرون كي نضمن أن جميع أفرادها المعاصرين يحملون تصوراً واحداً للهوية الوطنية.

إن الانتماء الوطني لا يُختبر بشجرة النسب وحدها، بل يتجلى أيضاً في احترام القانون، والمشاركة في الحياة العامة، والالتزام بمصالح المجتمع، والاعتراف بحقوق المواطنين الآخرين، والمساهمة في حماية البلاد وتطويرها.

وفي المقابل، لا ينبغي إنكار أثر الروابط التاريخية والعائلية في تشكيل المواقف السياسية والاجتماعية.. ,  فبعض الجماعات تحتفظ بعلاقات قوية مع الخارج، وقد تؤثر هذه العلاقات في اختيارات أفرادها، لكن مدى هذا التأثير يختلف من أسرة إلى أخرى، ومن جيل إلى آخر، ومن ظرف تاريخي إلى آخر.

ومن هنا، فإن البحث العلمي يطرح أسئلة محددة: كيف تطورت الروابط العابرة للحدود لدى جماعة معينة؟ ما أثر الكنيسة والتعليم واللغة وشبكات القرابة في خياراتها؟ وما العوامل التي تدفع بعض أفرادها إلى البقاء، وآخرين إلى الهجرة، وغيرهم إلى العودة؟

هذه الأسئلة أكثر قدرة على تفسير الواقع من الأحكام المسبقة التي تنسب إلى جماعة بأكملها عقلية واحدة أو ولاءً واحداً.

 الثاني عشر: من المسيحيين إلى سائر الجماعات المهاجرة؛ حدود التعميم

قد يحتفظ المهاجرون، من أي دين أو قومية، بروابط قوية مع موطنهم السابق.. ,  وقد يستثمر بعضهم أمواله في بلده الأصلي، أو يرسل التحويلات إلى أقاربه، أو يخطط للعودة في مرحلة لاحقة.. ,  وفي المقابل، قد يندمج آخرون في البلد الجديد، ويعدّونه وطنهم النهائي.

و يمكن استنتاج أن جماعة ما ترى العراق «محطة» أو «بقَرة حلوباً»  لتشبثها بأصولها الخارجية وعدم ذوبانها في بوتقة الامة العراقية والهوية الوطنية الجامعة .

 الثالث عشر: المواطنة العراقية بوصفها عقداً تاريخياً وسياسياً

تأسست الدولة العراقية الحديثة في سياق التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وورثت مجتمعاً متنوعاً في أديانه وقومياته ولغاته وتقاليده.. ,  ولم يكن هذا المجتمع متجانساً قبل قيام الدولة، كما لم تتحول جميع جماعاته إلى كتلة واحدة بمجرد نشوء المؤسسات السياسية الحديثة… ؛ ولا سيما أن كثيراً من الجماعات والشخصيات قدمت إلى العراق مهاجرةً، وأن مجيء بعضها تزامن مع الاحتلال العثماني، ثم مع الاحتلال البريطاني؛ الأمر الذي أسهم، في بعض الحالات، في نشوء حالة من التنافر والنعرات القومية والعنصرية والشعور بالتفوق العرقي تجاه أبناء العراق الأصليين.

وقد ساهمت عوامل متعددة في تشكيل المواطنة العراقية، منها الجنسية والقانون والتعليم والعمل والجيش والإدارة والاقتصاد، فضلاً عن التجارب المشتركة التي عاشها السكان في الحروب والأزمات والتحولات السياسية.

ومن ثم، ينبغي التفريق بين تاريخ الاستقرار السكاني، وتاريخ اكتساب الجنسية، وتاريخ المشاركة في بناء الدولة.. ,  فقد يكون وجود عائلة في العراق أقدم من الدولة الحديثة، وقد تكون عائلة أخرى قد استقرت بعد تأسيسها؛ لكن ذلك لا يجعل المواطنة لدى الثانية أقل قيمة تلقائياً من مواطنة الأولى… ؛ لكنه لا يمنح العائلة ذات الجذور الأجنبية هويةً وطنيةً عراقيةً عريقةً بمجرد استقرارها في العراق.

وفي المقابل، فإن دراسة الهجرات الحديثة تظل ضرورية لفهم التحولات الديموغرافية، وتاريخ تشكل الأحياء والقرى، وعلاقة الدولة بالقادمين الجدد، وأثر السياسات الاستعمارية في توزيع السكان وتكوين المؤسسات.

إن الدولة الوطنية لا تستقيم إذا أنكرت تاريخ السكان الأصليين، كما لا تستقيم إذا حولت الاختلاف في الأصول إلى أساس دائم للتمييز بين المواطنين.. ,  والمطلوب هو كتابة تاريخ يميز بين الجماعات، ويحدد أزمنتها الجغرافية، ويعترف بتنوع خبراتها، من دون أن يحوّل هذا التنوع إلى أداة للإقصاء.

 خاتمة: تاريخ متعدد الجذور، ووطن لا يُختزل في النسب

يكشف تاريخ المسيحيين في العراق عن مسارات متعددة: جماعات مسيحية عاشت في بلاد الرافدين منذ القرون الأولى للميلاد، ومؤسسات كنسية ازدهرت في العصر العباسي وما بعده، وعائلات استقرت في بغداد والموصل ومدن أخرى عبر قرون مختلفة، وجماعات لجأت إلى العراق خلال الحرب العالمية الأولى من هكاري وأورمية ومناطق أخرى، ثم استقرت بعض أسرها في البلاد وتوزعت أسر أخرى في دول متعددة.

وقد أسهمت الحرب العالمية الأولى والسياسات البريطانية والفرنسية في إعادة تشكيل أوضاع اللاجئين المسيحيين، لكن هذا التاريخ لا يجوز اختزاله في مؤامرة استعمارية واحدة، كما لا يصح استخدامه لإثبات أن جميع المسيحيين الوافدين آنذاك ظلوا غرباء عن العراق حتى نهاية حياتهم.

والتمييز بين النساطرة والكلدان والسريان والآشوريين والاثوريين ، وبين بغداد وهكاري وأورمية، ضرورة علمية لفهم التاريخ؛ لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق على الولاء الوطني أو إلى وسيلة لإنكار حقوق جماعة دينية أو قومية.

أما الهجرة الحديثة، والتراجع السكاني للمسيحيين، والروابط التي يحتفظ بها بعض المهاجرين مع الخارج، فهي موضوعات تستحق البحث والتوثيق والمقارنة بين الأجيال، لا الاكتفاء بالروايات الشفوية أو التعميمات.

إن العراق لا يُفهم من خلال نسب جماعاته وحدها، ولا من خلال الحدود السياسية وحدها، بل من خلال التفاعل التاريخي بين السكان والمكان والمؤسسات والذاكرة والثقافة والمواطنة. ومن واجب البحث التاريخي أن يميّز بين القديم والحديث، وبين الهجرة والاستقرار، وبين الانتماء الديني والقومي والوطني، من دون أن يجعل أحدها دليلاً آلياً على الآخر.

فقد تكون جذور الإنسان في أرض أخرى، لكن وطنه الذي نشأ فيه وصنع حياته وشارك في بناء مجتمعه قد يصبح وطنه الحقيقي؛ وقد يعيش إنسان في أرض أجداده من دون أن يلتزم بمصالح أهلها… ؛  الفيصل ليس النسب وحده، بل التاريخ الموثق والسلوك والمسؤولية والانتماء الذي يتجسد في الحياة العامة.