أكتوبر 21, 2026
صورة-دكتور-سامي-خا-طر

د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي
تشهد الخريطة الاجتماعية والسياسية في إيران تصاعداً غير مسبوق في حركات الاحتجاج، تتصدرها شرائح المتقاعدين التي تشكل عصب الطبقات الهشة والمتوسطة المتضررة من السياسات الاقتصادية الراهنة. فقد خرجت حشود المتقاعدين من قطاعات الضمان الاجتماعي، والصلب، والتعدين، في مسيرات غاضبة بمدن كبرى مثل طهران، ورشت، وشوش، وكرمانشاه، وأصفهان. ولم تكن هذه التحركات مجرد فورة غضب عابرة، بل تعبير عن أزمة بنيوية عميقة تتمثل في التراجع الحاد للقدرة الشرائية، والارتفاع الجنوني لمعدلات التضخم، وغلاء الأسعار المتسارع الذي جعل تكاليف المعيشة والرعاية الصحية خارج متناول قطاع عريض من المواطنين، وسط تعنت واضح من النظام في معالجة الملفات المعيشية الملحة.
اقتصاد الحرب والفساد: استنزاف الداخل وتصدير الأزمات
تكشف الشعارات المرفوعة في الساحات الإيرانية عن وعي متقدم لطبيعة الأزمة الاقتصادية ومرتكزاتها السياسية. فالشارع المحتج بات يربط مباشرة بين تدهور ظروفه المعيشية وبين سياسات الإنفاق العسكري والتوترات الإقليمية، وهي ذات السياسات التوسعية التي استنزفت مقدرات الشعوب واكتوى بنارها الشعب السوري على مدى سنوات طويلة من معاناته، وهو ما تجسد بوضوح في هتافات من قبيل: “الحرب والعقوبات ذريعة، ومعاناتنا هي الدليل”. وتشير التقارير الميدانية المستقلة ومراكز رصد الأزمات إلى أن السلطات تعتمد على سياسة ترحيل الأزمات عبر تحميل المواطنين أعباء العجز المالي المتمادي، متجاهلة المطالب المتكررة برفع الرواتب بما يتناسب مع معدلات التضخم الحقيقي، وتسديد المستحقات المتأخرة لصناديق التقاعد التي تعرضت لعمليات نهب منهكة للموارد بفعل سوء الإدارة والفساد المستشري.
في ظل عجز المؤسسات الرسمية عن الاستجابة للمطالب المعيشية وغياب آليات الحوار الاجتماعي الفعالة، تتحول الشوارع تدريجياً إلى الفضاء البديل الوحيد للتعبير عن رفض سياسات التهميش والإقصاء. إن استمرار الاحتجاجات الأسبوعية وتمددها جغرافياً يعكس فقدان الثقة المطلق بوعود النظام، ويؤشر إلى دخول الحركات الاحتجاجية مرحلة من الترابط التنظيمي العفوي بين مختلف القطاعات العمالية والإنتاجية المتضررة، والتي تجد سندها وشعلتها الميدانية في نشاط وحراك وحدات المقاومة المنتشرة في عمق المدن الإيرانية. هذا التحول النوعي يشكل ضغطاً مضاعفاً على مركز صنع القرار في إيران، الذي يواجه معضلة هيكلية مزدوجة بين استنزاف الموارد في الصراعات الخارجية وبين خطر انفجار الجبهة الداخلية المهددة بالاتساع المستمر.
وحدة المصير النضالي: الانتفاضة أفقاً مشتركاً للخلاص
تؤكد المعطيات الميدانية والتحليلات السياسية المستقلة أن الأزمة في إيران قد تجاوزت الإطار الاقتصادي البحت لتتحول إلى أزمة شرعية بنيوية تهدد استقرار النظام من أساسه. وفي هذا السياق، تقرأ الشخصيات المعارضة البارزة، وفي مقدمتها السيدة مريم رجوي، هذه التحركات بوصفها خياراً استراتيجياً متقدماً في مسار الانتفاضة الشاملة لل خلاص من الديكتاتورية؛ حيث دعت إلى جعل التضامن والاحتجاج الواسع أداة حاسمة لكسر حالة الجمود السياسي. إننا ومن موقعنا كمناضلات وكاتبات سوريات ندرك تماماً أن معركة الشعب الإيراني ضد منظومة الفساد والاستبداد هي ذاتها معركتنا في نيل الحرية والكرامة؛ إن ربط المتقاعدين لمعاناتهم اليومية الشديدة بمنظومة الفساد الحكومي يعكس قناعة متزايدة لدى الشارع بأن التغيير الحقيقي والعدالة الاجتماعية لا يمكن أن يتحققا إلا عبر استمرارية الضغط الشعبي المنظم، مما يضع المشهد الإيراني بأسره أمام منعطف استراتيجي مفتوح على شتى الاحتمالات.