أكتوبر 21, 2026
LOGO

صباح البغدادي

(*) لا يبدو أن “قسم الشرف” كان مجرد إجراء بروتوكولي عابر أُضيف إلى جدول أعمال الاجتماع الأول للكابينة الوزارية بعد اكتمالها ، بل بدا وكأنه ضربة موجعة استباقية من رجل أعمال و”ابن سوق” يعرف جيداً من أين تؤكل الكتف سياسياً. فبدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع مراكز النفوذ الحزبي، وضع جميع نوابه ووزرائه أمام مرآة أخلاقية كبيرة، ثم طلب منهم أن يقسموا بألسنتهم على ما كان الشارع العراقي يطالبهم به منذ سنوات. وهكذا تحولت الكلمات البسيطة إلى اختبار محرج، لأن من يؤدي “قسم الشرف ” يصبح أسيراً له أمام الرأي العام، ومن يخالفه لاحقاً يصبح شاهداً على نفسه بالصوت والصورة , ومحاولة لوضع الأسس الصحيحة لإعادة تعريف العلاقة بين الوزير والدولة، وبين المنصب العام والجهة الحزبية التي ساهمت في الوصول إليه. وكأن الرسالة الضمنية كانت تقول إن الوزير، بعد أدائه هذا القسم، لم يعد ممثلاً لكتلة أو حزب بقدر ما أصبح مسؤولاً أمام أمة عراقية كاملة تراقب أقواله وأفعاله، وتحتفظ له بالصوت والصورة بكل ما تعهد به يوم وقف ليؤدي قسم الشرف الإلهي وبرئيس وزراء لاول مرة في تاريخ العراق الحديث يطالب وزراءه قبل جلوسهم بوضع بصماتهم الأخلاقية واختام حقائبهم الوزارية وولائهم للدولة وليس للحزب ؟ ليس فقط أمام أنظار المجتمع العراقي وانما امام انظار الرأي العام العربي والعالمي؟ وكما قال الله في محكم كتابه الكريم ﴿ يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ﴾ .

(*) سنضع هذه القراءة المغايرة ونتشارك معها أمام القارئ الكريم، ونطرح معه سؤالاً مباشراً لا يحتمل المواربة أو المجاملة السياسية، ولنفكر معاً بصوتٍ عالٍ، ولتسمع كلماتنا من به صَمَمٌ، ولتصل أصداؤها إلى أولئك الذين اعتادوا الاختباء خلف ستائر التوافقات والشعارات الرنانة : ” هل كان قسم الشرف موجهاً حصراً لترسيخ قيم النزاهة والشفافية والانضباط الأخلاقي في العمل الوزاري، أم أنه كان في جانب آخر منه إعلاناً مبكراً عن نية لمحاصرة شبكات المصالح والمكاتب الاقتصادية الحزبية التي نمت وترعرعت داخل مؤسسات الدولة بفعل النفوذ السياسي الحزبي المتجذر والمتراكم منذ عام 2003 ؟وبعبارة أكثر صراحة، هل كان القسم مجرد تعهد أخلاقي أمام الشعب العراقي، أم رسالة سياسية مشفرة إلى مراكز القوى الحزبية مفادها أن زمن التعامل مع الوزارات بوصفها اقتصاديات ومناطق نفوذ حزبية ومصادر تمويل غير مباشرة قد أصبح موضع اختبار ومراجعة ومساءلة امام انظار الرأي العام ؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه مبادرة رمزية ستبقى قيمتها الحقيقية رهينة بما ستكشفه الأيام القادمة من خلال الممارسة العملية على أرض الواقع؟”.

يُعد أداء اليمين الدستورية أحد الشروط الجوهرية والملزمة التي تسبق مباشرةً تسلّم أي منصب تنفيذي في الدولة، إذ لا يمثل مجرد إجراء بروتوكولي أو طقس شكلي، بل يشكل آلية دستورية وقانونية تمنح شاغل المنصب الحق في ممارسة صلاحياته الرسمية. فاليمين الدستورية تُحوّل قرار التعيين أو التكليف من مجرد إجراء إداري إلى سند دستوري يضفي المشروعية على ممارسة السلطة، كما ترتب التزاماً قانونياً وأخلاقياً يضع المسؤول تحت طائلة المساءلة في حال الإخلال بواجباته أو مخالفته مقتضيات المنصب , وقبل الانتقال إلى صلب موضوع المقال، تجدر الإشارة بإيجاز إلى الجذور التاريخية لمفهوم اليمين الدستورية وتطوره في النظم السياسية الحديثة. فعلى الرغم من أن النظام الإنجليزي يُعد الأقدم والأكثر استمرارية في ترسيخ تقليد أداء يمين الولاء قبل تولي الوظائف العامة، فإن فرنسا كانت أول دولة تنص صراحةً في دستور مكتوب على اليمين الدستورية كشرط لتولي المناصب الوزارية وذلك في دستور عام 1791. وفي المقابل، نص دستور الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1787 على إلزامية أداء اليمين بالنسبة لجميع الموظفين العموميين قبل مباشرتهم لمهامهم الرسمية. وقد استلهمت كلتا التجربتين، بدرجات متفاوتة، هذا التقليد من الإرث الدستوري الإنجليزي الذي أسس مبكراً لمبدأ ربط ممارسة السلطة بالتعهد العلني بالولاء للقانون والدولة.

في السياسة لا تُقاس أهمية العبارات والجمل وما تحتويه من كلمات وبما يُقال على المنصات او طاولات الاجتماعات ، بل بما تُخفيه هذه الكلمات بين السطور , ومن هنا يكتسب “قسم الشرف” الذي أدته الكابينة الوزارية العراقية أهمية تتجاوز كونه طقساً بروتوكولياً أو مناسبة إعلامية عابرة . فالحكومة كانت قد أدت اليمين الدستوري بالفعل أمام البرلمان ، وبالتالي فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس : لماذا أُدي القسم؟ بل : لماذا أُدي هذا القسم تحديداً، وفي هذا التوقيت تحديداً، وبهذه الصيغة تحديداً؟القراءة التقليدية ترى في القسم محاولة لترسيخ قيم النزاهة والشفافية والالتزام الاخلاقي الوطني، أما القراءة المغايرة فتذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن القسم لم يكن موجهاً للوزراء وحدهم، بل إلى قادة الأحزاب والجهات والكتل السياسية وقادة الفصائل الولائية والتي جاءت بهم، وإلى مراكز النفوذ التي اعتادت أن تتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة حرب توزع بين المتنفذين لا مسؤولية وطنية يتحملها الأمناء.

عندما قال رئيس الوزراء للوزراء: “لقد أدينا اليمين الدستوري في البرلمان، وهنا نريد أن نؤدي قسم شرف إلى شعبنا”، فإن العبارة بدت للوهلة الأولى بسيطة ومباشرة، لكنها تحمل في عمقها مفارقة سياسية كبيرة. فاليمين الدستوري يكفي قانونياً لمباشرة الوزير المسؤولية. أما “قسم الشرف” فلا يضيف صلاحية دستورية جديدة ولا يمنح شرعية قانونية إضافية. وبالتالي فإن وظيفته الحقيقية تبدو رمزية وأخلاقية وسياسية في آن واحد , وهنا يجب ان نقف قليلا لغرض ان تكون هناك قراءة مغايرة خارج سردية الاعلام الحكومي , ليبدأ معها سؤال محرج : ” إذا كان الوزراء قد وصلوا إلى مناصبهم عبر ترشيحات وتفاهمات حزبية معقدة، فإن مطالبتهم علناً بالقسم على عدم العمل لحزب أو طائفة أو جهة عائلية على حساب العراق تضعهم في مواجهة اختبار أخلاقي شديد الحساسية” فالقسم يقول شيئاً، والواقع السياسي يقول شيئاً آخر ؟ لان القسم يدعو إلى الولاء للدولة , أما الواقع السياسي العراقي منذ اكثر من عقدين فيقوم على تعدد مراكز القرار وتداخل المرجعيات السياسية والحزبية , والقسم هنا يصبح أشبه بمرآة كبيرة وُضعت أمام الجميع , لان أكثر ما يثير الانتباه ليس نص القسم نفسه، بل ما سبقه وما أحاط به , ففي الوقت الذي يتحدث فيه بعض السياسيين عن حكومة موحدة يقودها رئيس الوزراء، يخرج آخرون للحديث عن قرارات تُتخذ بالتوافق أو الإجماع , وهنا تقف المنطقية السياسية حائرة ؟ فإذا كانت كل القرارات الحاسمة ستخضع لمعادلات الإجماع بين القوى المختلفة، فماذا يبقى من مفهوم “رئاسة الوزراء” أصلاً؟وهل يتحول رئيس الوزراء إلى قائد للسلطة التنفيذية أم إلى منسق اجتماعات الشركاء؟ في الديمقراطيات المستقرة يكون النقاش جماعياً، لكن القرار النهائي واضح الجهة والمسؤولية وأما في بعض التجارب الهجينة فإن الجميع يشارك في الحكم ساعة توزيع المناصب، ثم يختفون ساعة المحاسبة والمسائلة.

اليوم أصبح الجميع شركاء فعليين في السلطة واتخاذ القرار ولكن نرى أنه لا أحد مسؤول عن النتائج التي سوف تترتب على اتخاذ القرار بالإجماع ومن يتحمل مسؤوليته وتبعاته لانها هي المعادلة السحرية التي أرهقت الدولة العراقية لسنوات طويلة وقد يكون القسم في أحد أبعاده محاولة ذكية لإعادة تعريف مصدر الشرعية السياسية , فالوزير الذي كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره ممثلاً لكتلة أو حزب، يجري تقديمه الآن أمام الرأي العام بوصفه مسؤولاً أقسم أمام الله والشعب وبمعنى آخر: “انتزاع الشرعية المعنوية من الحزب وإعادتها إلى الدولة”وإن صح هذا التفسير فإن القسم لم يكن موجهاً ضد الفساد فحسب، بل ضد فكرة “الراعي السياسي” الحزبي نفسها , أي ضد ذلك المسؤول غير المرئي الذي لا يظهر في الصورة الرسمية للحكومة لكنه يحاول أحياناً التأثير في قراراتها من خلف الستار ولكن هنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة للسخرية ,فالشعب العراقي لم يعد يعاني من نقص الأقسام ؟ المشكلة الان ليست في عدد مرات الحلف بالله , بل في عدد المرات التي تمت فيها مخالفة تلك الأقسام منذ عام 2003 ولغاية اليوم ؟ لقد سمع العراقيون آلاف الخطب ومئات التعهدات وعشرات البرامج الحكومية , ولذلك فإن المواطن لم يعد يسأل : بماذا أقسمتم أيها الوزراء ؟ بل أصبح يسأل: ماذا أنجزتم لنا طوال تسلمكم للمنصب ؟ المواطن يعتبر اليوم بانه لا توجد لديه أزمة في إنتاج الشعارات الحزبية للنهوض بواقعه المعيشي والاقتصادي والصحي , بالأزمة الحقيقية تكمن في إنتاج النتائج ؟ولهذا بدا العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي يقولون بسخرية مرة: “المشكلة ليست في أن الوزراء  يؤدون القسم مهما اختلفت صياغة عباراته ، بل في أن الشعب حفظه عن ظهر قلب من كثرة ما سمعه ” وسواء كان “قسم الشرف” مبادرة أخلاقية خالصة أم رسالة سياسية مضمرة إلى مراكز القوى الحزبية، فإنه وضع الحكومة أمام اختبار بالغ الصعوبة , فالوزراء لم يقسموا أمام رئيس الوزراء فقط ، بل أمام الرأي العام الغاضب والمتعب والمتشكك , وإذا كان القسم قد نجح في إحراج مراكز النفوذ الحزبية نظرياً، فإن النجاح الحقيقي لن يتحقق إلا عندما تصبح سلطة الدولة أعلى من سلطة الأحزاب، ويصبح القرار التنفيذي أوضح من شبكة التوافقات السياسية المتشابكة , ففي النهاية لا يخلد التاريخ الحكومات بسبب جمال كلمات وعبارات وجمل القسم ، بل بسبب قدرتها على تحويل الكلمات إلى أفعال , أما إذا بقي القسم مجرد مشهد مؤثر أمام الكاميرات، فإن العراقيين سيضيفونه إلى أرشيف طويل من الوعود التي صعدت إلى السماء بالكلمات ، لكنها لم تهبط إلى الأرض إنجازاً ؟.

صحيح أن السيد رئيس الوزراء قد جعل وزراءه يرددون بأصواتهم عبارات واضحة لا تحتمل التأويل : ” عدم العمل للحزب على حساب الدولة، وعدم التفريط بالمال العام، وعدم استغلال المنصب للمنافع الشخصية”وهنا تكمن المفارقة؛ فالكلمات التي بدت موجهة إلى الشعب كانت في الوقت نفسه موجهة إلى قادة مراكز القوى الحزبية والتي اعتادت أن تنظر إلى الوزير باعتباره ممثلاً لها قبل أن يكون ممثلاً للدولة وكأن الرسالة تقول : ” من هذه اللحظة لم يعد الوزير أمام التزام سياسي فحسب، بل أمام قسم علني يتابعه ملايين العراقيين ” وهذا ما سوف نفعله حقآ ؟ ولذلك نرى وضمن تحليلنا لما جاء ضمن عنوان القسم  فأن مراكز القوى ظنت أنها جاءت برئيس وزراء يمكن احتواؤه بسهولة ضمن معادلات التوافق المعهودة، لكن الرجل فاجأ الجميع بنقل مركز الثقل من شرعية الحزب إلى شرعية القسم أمام الشعب.
وبلغة المثل الشعبي الدراج والذي يعرفه الجميع : ” ربما تصورت بعض مراكز النفوذ أنها ذاهبة إلى وليمة سياسية تتعشى فيها برئيس الوزراء ، فإذا بها تجد نفسها وقد أصبحت هي نفسها على مائدة فطور  النزاهة والوظيفية والمساءلة الأخلاقية أمام الرأي العام ” وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجاً : ” كيف يمكن لأي وزير أن يبرر مستقبلاً انحيازه لحزب أو جهة ضيقة وهو الذي أقسم علناً أمام العراقيين على العكس تماماً؟المشكلة أن القسم وضع الجميع في زاوية ضيقة؛ فإن التزموا به تغيرت قواعد اللعبة السياسية، وإن خالفوه أصبح الشعب يمتلك وثيقة إدانة أخلاقية مسجلة بالصوت والصورة. وهنا يصبح السؤال: أين المفر من قسم أدّاه صاحبه بنفسه أمام الناس؟ وفي الختام نوضح باننا اذا إذا صحّت القراءة  اعلاه والتي تقيم فيها  بأن رئيس الوزراء جاء إلى المنصب عبر شبكة من التوافقات السياسية، دون أن يكون امتداداً مباشراً لمركز حزبي مهيمن داخل السلطة، فإن مشهد قسم الشرف يكتسب دلالة مختلفة تماماً. فالرجل الذي توقع البعض أن يكون الحلقة الأضعف في معادلة النفوذ، أو مجرد مدير تسويات بين القوى المتنافسة، ظهر وكأنه يحاول نقل المعركة من غرف التفاوض المغلقة إلى ساحة الرأي العام المفتوحة.

sabahalbaghdadi@gmail.com

 (1) لمزيد من التوثيق والتحقق من الوقائع الواردة في سياق ما جاء بهذا المقال، يمكن الرجوع إلى التسجيل  المصور الكامل ومن خلال الرابط المرفق أدناه لوقائع أداء جلسة قسم الشرف، والمنشور عبر الصفحة الرسمية للمكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء على  منصة يوتيوب، لما يتضمنه من تفاصيل ومضامين تساعد القارئ على تكوين رؤية أشمل وأكثر دقة بشأن موضوع الدراسة والتحليل وما رافقه من رسائل سياسية ودلالات تستحق التوقف عندها وتظل ضرورة حتمية نراها لكل من يرغب في قراءة الحدث، وفهم ما قيل بين السطور قبل ما قيل فوق المنصة، وترك الإجابة للقارئ بشأن ما إذا كان قسم الشرف مجرد تعهد أخلاقي عابر أم بداية حقيقية لمحاولة إعادة رسم العلاقة بين الدولة ومراكز مكاتب اقتصاديات القوى الحزبية وضربة استباقية موجعة لرئيس الوزراء العراقي كانت غير متوقعة ؟