أكتوبر 21, 2026
صورة-دكتور-مصطفى-3

د. مصطفى عبدالقادرآكاديمي وأستاذ جامعي
تشهد الأزمة اليمنية منعطفاً سياسياً حاداً على وقع الموقف الحازم الذي أعلنت عنه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والذي جاء على لسان وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح عبد العزيز الزوبة. فقد رفضت الحكومة بشدة محاولات النظام الإيراني تقديم نفسه وسيطاً محايداً لتسوية الصراع، معتبرة أن هذه الطروحات لا تعدو كونها مناورة سياسية تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية. ويرى التحليل الاستراتيجي أن طهران تسعى جاهدة لإعادة تموضعها الإقليمي عبر ارتداء عباءة الدبلوماسية المزيفة، بينما تشير التقارير الميدانية ومراكز الرصد الدولية المستقلة إلى استمرار التدفقات العسكرية والدعم اللوجستي المقدم للمجموعات الحوثية، مما يثبت بالدليل القاطع أن النظام الإيراني يشكل طرفاً مباشراً وفاعلاً رئيسياً في إطالة أمد الحرب وتأجيج الصراع الداخلي الذي أنهك البلاد ومزق نسيجها الاجتماعي.
اقتصاد الحرب والمساومة: استثمار الميليشيات لتقويض الاستقرار
تكشف المعطيات الميدانية والسياسية أن التصعيد المستمر والمتسارع في اليمن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحسابات الإقليمية الضيقة للنظام الإيراني، الذي يعامل الملف اليمني باعتباره ورقة مساومة قابلة للاستثمار في مفاوضاته المعقدة مع القوى الدولية والإقليمية. وفي هذا السياق، أشارت التقارير الرسمية والميدانية إلى أن الجماعات الحوثية دأبت على استفزاز الشارع اليمني وتعطيل كافة المبادرات الدبلوماسية الإقليمية والدولية، بما في ذلك خريطة الطريق الحيوية التي قدمتها المملكة العربية السعودية. كما أن الاستغلال الممنهج لفترات التهدئة من قبل هذه الميليشيات لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز ترسانتها العسكرية، وإدامة الحصار المفروض على المدن والسكّان، يثبت بوضوح أن خيار السلام الحقيقي غائب تماماً عن أجندة الأطراف المرتبطة استراتيجياً بـ قوات الحرس في طهران.
انتهاك السيادة وتحدي الشرعية الدولية في المشهد اليمني
تستند الحكومة اليمنية في رفضها القاطع للوساطة المزعومة إلى سجل طويل وثّقته تقارير الأمم المتحدة ومراكز البحث الدولية من الانتهاكات السافرة للسيادة الوطنية والقوانين الدولية. فقد بدأت هذه الانتهاكات بقطع العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 2015، وصولاً إلى الخطوات الاستفزازية المتمثلة في تسليم المقرات الدبلوماسية وتسيير رحلات جوية غير مشروعة إلى مطار صنعاء في يوليو 2026 دون أي موافقة رسمية من الحكومة الشرعية. وتؤكد الدوائر البحثية أن هذه الممارسات تمثل تحدياً صارخاً لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وتحديداً القرارين 2216 و2624. إن محاولات إضفاء الشرعية على كيانات غير دولية وتسهيل حصولها على التسليح المتقدم يهدد بشكل مباشر الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، ويضع الأمن القومي العربي أمام تهديدات وجودية متصاعدة تتطلب وقفة دولية جادة.
رؤية الدولة اليمنية: دعوة حازمة لتجفيف منابع الإرهاب الإقليمي
في خضم هذا المشهد الإقليمي المعقد، تتبنى الدبلوماسية اليمنية مقاربة استراتيجية متوازنة تقوم على التمييز الدقيق بين السلطة السياسية الحاكمة في طهران وبين تطلعات الشعب الإيراني المشروعة نحو التنمية والحرية والكرامة. وفي هذا الإطار، تطالب الحكومة اليمنية المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ إجراءات عملية حازمة، تتجاوز حدود بيانات التنديد التقليدية لتشمل تصنيف الميليشيات الحوثية جماعة إرهابية دولياً، وتجفيف مصادر تمويلها المالي والعسكري بشكل كامل. كما يبرز الموقف اليمني الأهمية الاستراتيجية لتعزيز الشراكة الأمنية والتنموية مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، باعتبار أن استقرار اليمن وسلامة محيطه العربي هما الركيزة الأساسية والصلبة لأي تسوية سياسية عادلة وشاملة ومستدامة تكفل إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة هيبتها.