أكتوبر 23, 2026
inbound9202921877440943888

شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي
يُعد مقام الفناء والشهود من أهم المقامات الروحية في فكر ابن عطاء الله السكندري، وهو من أعلام الطريقة الشاذلية وصاحب كتاب الحِكم العطائية. وقد تناول هذين المقامين بوصفهما مرحلتين في سير السالك إلى الله، مع تأكيده أن البقاء بالله أكمل من مجرد الفناء.

أولاً: مقام الفناء

الفناء عند ابن عطاء الله لا يعني فناء الذات أو الاتحاد بالله، وإنما يعني فناء تعلّق القلب بكل ما سوى الله، حتى يغيب السالك عن حظوظ نفسه وشهواته واعتماده على الأسباب، ولا يبقى في قلبه إلا الله.

ومن أشهر حكمه في ذلك:
“من عرف الحق شهده في كل شيء، ومن فني به غاب عن كل شيء، ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئًا.”
والمقصود بقوله “ومن فني به غاب عن كل شيء” أن السالك يغيب عن الالتفات إلى نفسه وإلى الدنيا أثناء حضوره مع الله، لا أنه يزعم زوال وجود المخلوقات أو اتحادها بالله.

ثانياً: مقام الشهود

الشهود هو مقام رؤية آثار الله وتجلياته في جميع الموجودات؛ فالسالك يرى أن كل شيء يدل على الله ويشهد بعظمته، دون أن يخلط بين الخالق والمخلوق.
ولذلك قال ابن عطاء الله:
“من عرف الحق شهده في كل شيء.”
فالشهود عنده هو شهود قدرة الله وحكمته ونوره في الكون، لا رؤية الذات الإلهية في المخلوقات.

ثالثاً: الفناء والبقاء

يميز ابن عطاء الله بين نوعين من الأولياء:
وليّ يفنى عن كل شيء، فلا يشهد إلا الله.
ووليّ يبقى في كل شيء، فيشهد الله في كل شيء مع بقائه واعيًا بالخلق.
ويرى أن المقام الثاني أكمل، لأن الغاية ليست الغيبة عن العالم، بل الرجوع إلى العالم بالله ولله. ولذلك يقول إن الفناء دهليز البقاء، والبقاء هو المقام الأتم.

خلاصة

عند ابن عطاء الله السكندري:
الفناء: سقوط تعلّق القلب بغير الله، لا فناء الذات.
الشهود: رؤية آثار الله وتجلياته في الكون.
البقاء: أعلى من الفناء؛ إذ يجمع العارف بين حضور القلب مع الله والقيام بحقوق الخلق، وهو الكمال في التصوف الشاذلي.