أكتوبر 28, 2026
مهند-سري

احفظوا ذاكرة بغداد.. جامع الأحمدي أنموذجا

بقلم :مهند سري
ليس جامع الأحمدي في ساحة الميدان مجرد مكان لإقامة الصلاة، ولا بناء قديما يمكن النظر إليه بمعزل عن تاريخ بغداد وذاكرتها العمرانية، إنه معلم حضاري ارتبط بملامح المدينة، وشاهد على مراحل من تاريخها الديني والاجتماعي، وجزء من هويتها التي تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والمكان.
إن المساجد التاريخية في بغداد لم تكن دورا للعبادة فحسب، بل أدت أدوارا علمية واجتماعية وثقافية، وأسهمت في تشكيل الحياة العامة للمدينة. ومن هذا المنظور، تكتسب أهمية جامع الأحمدي في منطقة الميدان قيمة تتجاوز جدرانه ومئذنته، لتشمل ما يمثله من امتداد لذاكرة بغداد وتراثها المعماري، وما يحمله من دلالات حضارية تستحق الحماية والصون.
ولا تنفصل أهمية الجامع عن الأبنية والملحقات التاريخية المرتبطة به، فهذه العناصر، بما بينها من ترابط معماري ووظيفي، تشكل جزءا من النسيج التراثي للموقع.
وإن التفريط بأي جزء أصيل منها، أو إجراء تغييرات تفقدها طابعها التاريخي، لا يعني خسارة عنصر معماري منفرد فحسب، بل قد يؤدي إلى إضعاف القيمة التاريخية للمجموعة بأكملها.
فالأثر لا تقاس أهميته بحجر أو قوس أو منارة وحدها، وإنما بما تختزنه عناصره مجتمعة من شواهد على زمن مضى وحياة تشكلت حوله.
وفي الوقت الذي نحض فيه على إنقاذ هذا المعلم، لا بد من الإشارة إلى أن المصلى الصيفي المجاور للباحة الرئيسة سبق أن خضع لحملة إعمار قبل سنة تحديدا، وهو في وضع جيد.
لكن حديثنا ينصب على الجامع الأصلي المسقف، الذي بناه أحمد الكتخدا، نائب سليمان الكبير، عام 1211 هـ، إذ إن حاله صعبة جدا، والتصدعات تملأ جدرانه من الطول إلى الطول، بسبب المياه الجوفية على الأرجح.
أما المنارة، فهناك تصدعات في الشرفة التي كان يؤذن منها أيام زمان.
ومن هنا، فإن ما يستدعي التحرك العاجل هو حماية أصالة جامع الأحمدي ومنارته وملحقاته التاريخية، وإخضاعها للكشف الفني والتوثيق المعماري، ووضع خطة متخصصة للترميم والصيانة، بإشراف الجهات المختصة بالآثار والتراث، وبالتنسيق مع ديوان الوقف السني.
فالمطلوب ليس مجرد إصلاح بناء، بل صون معلم تاريخي على وفق أسس علمية تحفظ ملامحه الأصلية، وتمنع أن تتحول أعمال الصيانة أو التجديد إلى سبب في طمس هويته.
إن ديوان الوقف السني، بما يتحمله من مسؤولية في رعاية المساجد والأوقاف التابعة له، مدعو إلى إعطاء هذا المعلم ما يستحقه من اهتمام، بالتعاون مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار وأمانة بغداد وسائر المؤسسات المعنية.
كما أن حماية التراث ليست مسؤولية جهة واحدة، بل واجب مؤسسي وأخلاقي تجاه مدينة تمثل ذاكرتها العمرانية جزءا من تاريخ العراق كله.
إننا لا نطالب بالحفاظ على مبنى قديم لمجرد قدمه، بل بالدفاع عن قيمة حضارية لا يمكن تعويضها إذا ضاعت. فالأموال يمكن تعويضها، والأبنية الحديثة يمكن إعادة بنائها، أما الأثر التاريخي إذا فقد أصالته وتفاصيله وشواهده، فلا يمكن استنساخ تاريخه أو إعادة إنتاج ذاكرته.
أنقذوا جامع الأحمدي في الميدان قبل فوات الأوان.
أنقذوا منارته، واحفظوا ملحقاته التاريخية، وصونوا ما تبقى من أصالته، فبقاء هذا المعلم ليس شأنا يخص المصلين وحدهم، بل هو حق لبغداد وأهلها، وأمانة في أعناق المؤسسات المعنية، وواجب تجاه الأجيال المقبلة التي ينبغي أن ترث تاريخ المدينة حاضرا في شواهدها، لا مجرد صور في كتبها.
فحين نحمي آثار بغداد، فإننا لا نحرس حجارتها فحسب، بل نحمي ذاكرتها وهويتها وحقها في أن تبقى مدينة تقرأ تاريخها في شوارعها ومعالمها.