أكتوبر 27, 2026
صورة-دكتور-سامي-خا-طر-3

د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي
تُشكل الاستجابة المتزايدة داخل أروقة البرلمان الأوروبي لدعم حملة “ثلاثاء لا للإعدام”— الممتدة عبر ستة وستين سجناً في مختلف المحافظات الإيرانية للأسبوع الثالث والأربعين بعد المائة — مؤشراً تحليلياً على تحول نوعي في التعاطي الدولي مع الشأن الداخلي الإيراني. إن انتقال حركة الاحتجاج من حالة العفوية إلى نمط “المقاومة المدنية المنظمة” داخل مؤسسات الاحتجاز العالية التحصين يمثل كشفا لهشاشة الأدوات الأمنية في احتواء الرفض المجتمعي، ويضع صانعي القرار في الاتحاد الأوروبي أمام استحقاقات تتجاوز أطر الإدانة التقليدية نحو صياغة أدوات ضغط جيوسياسية متكاملة.
وفقاً لتقارير مراكز الرصد الحقوقية المستقلة، فإن قدرة السجناء السياسيين على إدامة إضراب الأمعاء الخاوية بشكل متزامن عبر المحافظات تعكس وجود شبكات تنظيمية متماسكة قادرة على التنسيق العابر للأسوار. هذا الصمود الميداني نجح في إعادة فرض ملف العقوبات البدنية والإعدامات السياسية على جدول أعمال السياسة الخارجية الأوروبية، مما يفرض على طهران تكلفة دبلوماسية وسياسية باهظة في ظل تعثر محاولاتها للحد من عزلتها الدولية.
البُعد التشريعي والحقوقي: تفكيك الركائز الأيديولوجية لسياسة الردع
كشف البيان المشترك الصادر عن “مركز تنمية المرأة لمناهضة العنف” و”المركز الأوروبي لحقوق المرأة والطفل” عن أبعاد بنيوية في كفاءة منظومة العدالة الإيرانية؛ إذ سلط الضوء على استغلال آلة الإعدام الحكومية كأداة هندسة أمنية لإرهاب الفضاء العام والحد من الحراك الاحتجاجي. إن استهدافهما المقترحات الخمسة الحاسمة — وفي مقدمتها التعليق العاجل لجميع أحكام الإعدام وكفالة ضمانات المحاكمة العادلة — يُجرّد السلطة القضائية الإيرانية من غطائها القانوني ويُظهرها كامتداد لأجهزة الأمن السياسي.
تستند القراءة البحثية للمواقف الحقوقية الدولية إلى أن الحق في الحياة لم يعد يُطرح فقط كمعيار إنساني مجرد، بل كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي والدولي. فالانتهاكات الممنهجة الموثقة عبر المراصد المستقلة تزيد من حدة الاحتقان الداخلي وتوفر بيئة مواتية لاندلاع انفجارات مجتمعية جديدة، مما يدفع المؤسسات الدولية للتعاطي مع الملف باعتباره تهديداً ذا نتائج جيوسياسية مباشرة يتعدى الحدود الوطنية الإيرانية.
ديناميات الحراك المدني: تلاحم النضال النسوي والتنظيم العمالي والسياسي
تُظهر قراءة التضامن الأوروبي مع الحركة الاحتجاجية داخل السجون الإيرانية تداخلاً حيوياً بين الملف الحقوقي والقيادة النسوية للمقاومة المدنية. إن الربط بين حراك السجون والمنظمات النسوية العابرة للحدود يُبرز الدور المحوري للمرأة الإيرانية في تقويض الشرعية الأيديولوجية لنظام ولاية الفقيه. هذا التلاحم يمثل أداة تفكيك لأركان القمع المزدوج (السياسي والاجتماعي)، حيث بات النضال من أجل إلغاء عقوبة الإعدام يتصدر أولويات حركة التغيير الديمقراطي.
كما تؤكد المعطيات القادمة من دوائر الرصد غير الحكومية أن حملة “ثلاثاء لا للإعدام” تمكنت من بناء جسور تضامن بين مختلف الفئات الاجتماعية، رابطةً بين مطالب المعتقلين السياسيين وتطلعات الشارع نحو الحرية والعدالة الاقتصادية والاجتماعية. إن هذا الارتباط الوثيق بين الداخل السجني والخارج المجتمعي يُعطل فاعلية الاستراتيجيات الأمنية التقليدية القائمة على العزل والتغييب الفردي.
المآلات الاستراتيجية: كسر الصمت الممنهج وترسيم حدود الاستجابة الدولية
تضع مطالب البرلمانيين والمنظمات الأوروبية بضرورة التدخل الأممي الفعال وحماية النشطاء والصحفيين المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لتفعيل آليات الحماية العابرة للحدود. إن تجاوز الحسابات الدبلوماسية المرحلية لصالح الالتزام المعياري بحقوق الإنسان يُشكل المخرج الوحيد لوقف نزيف الانتهاكات داخل السجون الإيرانية، ويُسهم في إضعاف القدرة الردعية لمؤسسات القمع الحكومية.
تتجه القراءة المستقبلية نحو التأكيد على أن استمرار هذا الزخم التضامني الدولي، بالتوازي مع اتساع نطاق الإضرابات المدنية، سيؤدي حتماً إلى تعميق أزمة المشروعية التي تواجهها السلطة في طهران. إن التحول من التضامن الرمزي إلى الاستحقاق القانوني والسياسي المباشر يُمثل حجر الزاوية في إحداث تغيير هيكلي يضمن صيانة الكرامة الإنسانية وتمهيد الطريق نحو تحول ديمقراطي شامل ومستدام.