أكتوبر 27, 2026
صورة-دكتور-مصطفى-4

د.مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي
تشهد الأقاليم الحدودية في إيران، وفي مقدمتها محافظة سيستان وبلوشستان، تحولات هيكلية في آليات المواجهة بين أجهزة السلطة المركزية وشبكات المعارضة الميدانية. ولم تعد هذه التحركات تقتصر على الاحتجاجات الموسمية أو العفوية، بل انتقلت إلى استراتيجية حراك تنظيمي متناسق تعتمد على نشر الرسائل التعبوية واستحضار الأطر الفكرية للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مما يعكس تحولاً نوعياً في ديناميات الرقعة الميدانية بشرق البلاد.
دلالات الحراك التنظيمي في زاهدان: تجاوز الطوق الأمني والرسائل الرمزية
يُمثل الحراك الأخير لما يُعرف بـ “وحدات المقاومة” في شوارع زاهدان مؤشراً أمنياً لافتاً على انكشاف آليات التنشيط الميداني في واحدة من أكثر المحافظات تحصيناً بالانتشار العسكري. وتُظهر القراءة الاستراتيجية لهذه التحركات أن اختيار رفع لافتات تحمل موجهات قيادات المعارضة — وعلى رأسها تصريحات مريم رجوي ومسعود رجوي — يهدف إلى فرض وجود رمزي متواصل يُربك أدوات المنظومة الأمنية الرسمية.
إن تركيز الشعارات المرفوعة على معادلة “رفض الاستبداد بشقيه: البهلوي والديني” يتعدى أبعاد المناكفة السياسية التقليدية إلى محاولة صياغة هوية نضالية جامدة ترفض أطروحات التدوير السياسي للأنظمة السابقة، وتصيغ مساراً بديلًا يُركز على الجمهورية الديمقراطية وفصل المؤسسات الدينية عن هيكلية الدولة، وهو ما يُعقد حسابات طهران في احتواء الملف الميداني عبر الممارسات الأمنية التقليدية.
التقاطع القومي-السياسي: توظيف المظلومية الهامشية وتفكيك مشروع التوريث
تكتسب محافظة سيستان وبلوشستان أهمية جيوسياسية مضاعفة نظراً لطبيعتها الديموغرافية والحدودية، إضافة إلى الإرث التاريخي من التهميش الاقتصادي والاجتماعي. وتعتمد مجموعات المعارضة على هذا الفضاء الجغرافي المفتوح لبناء حاضنة تعبوية تستفيد من الأحداث المفصلية السابقة، مثل أحداث “الجمعة الدامية” في زاهدان، للربط بين مطالب الحقوق المدنية والمواطنة وبين المشروع السياسي الشامل للبديل الديمقراطي.
وفي هذا السياق، تسعى الرسائل الميدانية إلى تعرية الخيارات المطروحة داخل أروقة الحكم في طهران، ولا سيما سيناريوهات انتقال السلطة والتوريث المرتقب لمصلحة مجتبى خامنئي. وتُشير التحليلات المستقلة الصادرة عن مراكز الرصد الدولية إلى أن الرهان الحكومي على تصعيد وتيرة الإعدامات والاحكام القضائية المشددة لم يحقق الردع المطلوب، بل أدى إلى تعميق حالة الاحتقان الشعبي وتوفير مبررات جديدة للشبكات الاحتجاجية لمواصلة نشاطها السرّي.
تكتيك البدائل الميدانية مقابل “المعارضة الهجينة”
تُبرز الموجهات الصادرة عن مريم رجوي في شوارع زاهدان صراعاً محتدماً حول شرعية تمثيل الشارع الإيراني في المحافل الدولية؛ حيث يركز المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية على فصم العلاقة نهائياً مع التيار المحسوب على نظام الشاه البائد، ووصفه بـ “البديل المصنوع” الذي يُشتت الزخم الجماهيري. وتستهدف هذه الصياغة تسويق نموذج المقاومة المنظمة المعتمدة على الذات الميدانية في مواجهة سيناريوهات التغيير المفروضة من الخارج أو المراهنة على التسويات الدبلوماسية.
وتؤكد التقييمات البحثية أن الاعتماد على الشبكات الميدانية المحلية (وحدات المقاومة) يمنح الحركة القدرة على المناورة التكتيكية والتأقلم مع آليات الرقابة الرقمية والأمنية، حيث تحولت هذه التشكيلات إلى أداة اتصال مباشر بين القيادة السياسية والقواعد الشعبية في المناطق النائية، مما يُصعّب على الأجهزة الأمنية تفكيك هذه الخلايا المتفرقة.
المآلات الجيوسياسية: أزمة السيطرة المركزية ومستقبل المواجهة
تثبت التطورات الميدانية في زاهدان أن الرهان على مقاربة “التدابير الأمنية المفرطة” يُواجه حدوداً هيكلية أمام اتساع الوعي السياسي لدى القوميات والمكونات المحلية. إن الإصرار على شعار “لا للنظام السابق ولا للنظام الحالي” يؤسس لرؤية استراتيجية تهدف إلى قطع الطريق أمام أي محاولات للالتفاف على تطلعات التغيير الهيكلي.
وفي محصلة التحليل الاستراتيجي، فإن استمرار نشاط الوحدات التعبوية في المحافظات الحدودية يُشير إلى أن أزمة المشروعية والسلوك الجنائي في التعامل مع الاحتجاجات أصبحت تمس قدرة المركز على الضبط الشامل. وسيظل هذا التفاعل الميداني بين القواعد الاجتماعية والتنظيمات السياسية المتماسكة المحرك الأساسي لمستقبل المعادلة الإيرانية، بعيداً عن أوهام التدخلات الخارجية أو المساومات الإقليمية.